مسؤولية المقاومة بين التنبؤ بالمستقبل والتحكم فيه

كومبو يجمع صورة للمقاومة (القسام) وصورة لهروب جنود الاحتلال
المقاومة في غزة انتصرت انتصار الإنسان الفطري على المادة والآلة والتكنولوجيا (وكالات)
  • هناك سؤال مطروح: أحقيقي أن كتائب القسام سحقت الكيان؟

في الإجابة يمكن القول إن المقاومة – أولًا – ضربت هيبته وفكرة الردع مع العدد الكبير وغير المسبوق من القتلى والجرحى منذ اللحظات الأولى، وظهور صور مهينة ومذلة لجنوده ولآلياته التي كانت تحترق.

من المعيب أن نتكلم عن انتصار لمجرد القدرة على قتل المدنيين مع الفشل العسكري، بل مع قدرة المقاومة لسنة كاملة وأكثر على قتل وقنص الجنود الصهاينة، وإطلاق النار عليهم

لكنّ سائلًا يسأل: ماذا عن التكلفة البشرية والدمار الهائل؟ هنا تفوته نقطة هامة وحاسمة ومصيرية، يجب أن نذكرها قبل الحديث عن الفارق بين القدرات الحربية والنارية.. عندما تقف أقوى عشر دول في العالم اقتصاديًا وعسكريًا مع الكيان بالمال والعتاد والسلاح، والأهم من هذا كله الاستخبارات، سيصبح من الهراء اعتبار قدرة الكيان على قتل المدنيين والأطفال والنساء – مهما كانت وبلغت – قوة.

مع العجز العسكري البائن لتلك القوى، ومع استمرار قدرة المقاومة على إطلاق الصواريخ والنار في بقعة صغيرة جدًا هي الصغرى في العالم، وفي ظل حصار غير مسبوق في تاريخ البشرية كله، ومع فارق تكنولوجي شاسع رهيب، ومع فارق بالتمويل والتموين.. يصبح من المعيب أن نتكلم عن انتصار لمجرد القدرة على قتل المدنيين مع الفشل العسكري، بل مع قدرة المقاومة لسنة كاملة وأكثر على قتل وقنص الجنود الصهاينة، وإطلاق النيران عليهم.

من المخجل أن نعتبره انتصارًا.. وهنا لا أتكلم من ناحية أخلاقية، بل من ناحية عسكرية سياسية وموضوعية بحتة. من غير المقبول أن يقف العالم كله مع الكيان، ثم يفشل في أبسط المهام وهي اغتيال القادة، بل أصبح يبحث عن صورة انتصار بدلًا من الانتصار، وهذا كله يدركه نتنياهو والمنظومة الصهيونية.. لا أحدَ أبله.

إن قدرة الكيان على استهداف البيئة الحاضنة – أي المدنيين – مرهونة بظروف سياسية، وكل ما هو سياسي هو مؤقت، وليس للقدرات العسكرية أو الذكاء الصهيوني أي صلة بذلك.. الكيان حصر فلسطينيين (ضمن سياق تاريخي يطول شرحه) في غزة، ضمن أنظمة صنعها خصيصى لتكمل ذلك الحصار من كل النواحي، مع هيمنة أميركية!

نحن نقرأ التاريخ لكن لا نتحكم في مجرياته، ونعلم من دروس التاريخ أن التاريخ يعيد نفسه لكن بأشكال جديدة، وما الكيان إلا شكل جديد من مملكة بيت المقدس، وكل كيان استعماري مشوه زواله قريب

هذه الظروف السياسية، هل ستبقى للأبد، أم تتغير؟ كل تلك المجازر ما كانت لتحصل لولا أنظمة عربية عاجزة، لكن هذه الانظمة قد لا تبقى للأبد..

إعلان

هناك دول مشرفة خلال عشر سنوات إما على حرب أهلية أو تفكك أو سقوط النظام بسبب أزمة اقتصادية هيكلية دورية متكررة لا حل لها مع العجز التام على تقديم أي إصلاح أو حل، وأنظمة أخرى قد تنهار بسبب صراعات أو حرب إقليمية، والمسألة قد تكون مسألة وقت.

كل ما ذكرته سابقًأ يضع غزة ومقاومتها في موضع الآخر.

هنا يأتي السؤال: هل سيستطيع الكيان في المستقبل الاستفراد أو الاستقواء مرة أخرى، مع نهوض صيني قادم، أو مع غياب محتمل لتلك الأنظمة، أو مع تطور مفاجئ يؤدي إلى امتلاك المقاومة سلاحًا مضادًا للطيران مثلًا، أو درونز انتحارية، أم غير ذلك من أسلحة نوعية تفتك بالعدو؟

كل ما ذكرته هو ما يدعو نتنياهو إلى استغلال الفرصة لإبادة جماعية في غزة، والقضاء على المقاومة كليًا، لأنه يعلم أن الظروف المواتية قد لا تأتي أبدًا في المستقبل، هو مستقبل – مثل التاريخ تمامًا – ليس ملك يديه.. نحن نقرأ التاريخ لكن لا نتحكم في مجرياته، ونعلم من دروس التاريخ أن التاريخ يعيد نفسه لكن بأشكال جديدة، وما الكيان إلا شكل جديد من مملكة بيت المقدس، وكل كيان استعماري مشوّه زواله قريب.

المقاومة في غزة هي انتصار الإنسان الفطري على المادة والآلة والتكنولوجيا.. هي انتصار للأخلاق والحق والإيمان على كل نقائض تلك الصفات.

المعركة هي معركة الإنسان الفطري بشهامته وعفويته وتلقائيته وفروسيته، وقيم الإنسان الطبيعي قبل أن تلوثه الثورة الصناعية أو التقنية؛ فالصهيونية الآن هي أوضح تجسيد للشر المطلق، تجسيد للمكر والحسد والحقد، وقد جعلت التقنية مطية لذلك الشر بدلًا من استخدامها لصالح الإنسانية.

معركة غزة هي معركة العرب، كل العرب.. هي معركة الأمة العربية والمسلمين، ورسالتهم المقدسة لنزع ذلك الشر الذي تحمله تلك العصابة الصهيونية، التي لم تملك غاية أو حلمًا إلا إبادتنا وقتلنا.. وما علينا إلا الوقوف مع المقاومين في غزة.. فهم فخرنا وعدتنا ومصدر إلهامنا ومنبع بأسنا، نصركم هو شمس الحقيقة وفجر النصر.

أولئك طليعة الأمة، والممثل الحقيقي للأمة العربية وللقومية العربية والشعب العربي.. فلنعلن تأييدنا التام اللامشروط واللامحدود للمقاومة الفلسطينية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان