طوفان الأقصى: سياق الذكرى وخطّ الموقف!

طوفان الأقصى والتدين … يقظة إسلامة جديدة
كرّة السابع من أكتوبر/ تشرين الأول صبّحت الاحتلال بنقل المواجهات العسكرية المباشرة إلى ما وراء الجدار الفاصل (الجزيرة)

عند الحديث عن ثنائية "الحدث" و"الموقف" – في سياق الشأن العامّ – تحضر في البال ثنائية السياسة والإعلام، وبين يدي ثانيتي الثنائيتين تقوم في الذهن ثنائيتان ذواتا ارتباط: "التجرّد" و"الانحياز"، وعن الأخيرتين تتفرّع ثنائية لصيقة: "المثالية" و"التصنيفية".

ما حالة تقديم البقرات الحمر وتقريبها للذبح في فِناء الأقصى إلا إشارة تمهيد رمزية لذلك السعي الأثيم، بعد مراحل كيد تخللتها حفريات تحت الأقصى وفي محيطه، بالتوازي مع تهويد البلدة القديمة في القدس

دلالة الإضافة

وبين يدي الذكرى الأولى لهجوم الـ 7 من أكتوبر/ تشرين الأول، طليعةِ معركة طوفان الأقصى، تبرز مفارقة البتر عن السياق، التي ركبها الاحتلال في دعاية استدرار عطف الرسميات الغربية، واحتاطت المقاومة – إعلاميًا – لقطع الطريق أمام تمريرها بإضافة الطوفان إلى الأقصى؛ في إشارة إلى مسارعة حكومة الاحتلال اليمينية المتطرّفة في تهويد المسجد الأقصى المبارك، وقطعها أشواطًا متقدّمة في سبيل تجاوز فرض التقسيم الزماني إلى هدم المسجد، وإنشاء الهيكل المزعوم على أنقاضه.

وما حالة تقديم البقرات الحمر وتقريبها للذبح في فِناء الأقصى إلا إشارة تمهيد رمزية لذلك السعي الأثيم، بعد مراحل كيد تخللتها حفريات تحت الأقصى وفي محيطه، بالتوازي مع تهويد البلدة القديمة في القدس، والاعتداء على المعتكفين والمرابطين في بيت المقدس وأكنافه الطاهرة.

وقد كان من آيات توفيق المقاومة في اختيار الشعار، أن قطعت على المحتلّ سبيل إيقاف عقارب ساعة الأحداث عند توقيت هجوم الـ 7 من أكتوبر/ تشرين الأول، وهي رسالة وعاها "إعلام المقاومة العسكري" حين سمّى خامسة معارك الملحمة الغزّية "سيف القدس"، ليكون التخصيص -بعد التعميم- ربطًا رساليًا مكتنِزًا وإحالة ذهنية مركّزة، بين يدي واقع أريد اختزاله في اقتحام خاطف، جاء بعد حصار شامل نيف على الـ 15 سنة (بدءًا من 2007)، وكان إعلان فرضه في شهر أكتوبر/ تشرين الأول، وما كان ذلك التأريخ ليستوقف لولا كرّة السابع من الشهر أكتوبر/ تشرين الأول ذاته، التي صبّحت الاحتلال بنقل المواجهات العسكرية المباشرة إلى ما وراء الجدار الفاصل، وامتلاك ساعة الصّفر والضرب من "مسافته"!

تتفتّق عبقرية الاحتلال عن إغلاق مكتب الجزيرة في "إسرائيل"، الذي التقى حبر قراره على رغبة حكومية مبيّتة، انطوت على اتهام الشبكة بـ"الانحياز ضد إسرائيل" ووصْفِها بـ"الإرهابية" على لسان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو

محاكمة التغطية!

ولمّا كانت الدعاية الإعلامية أداة تمرير الرواية الإسرائيلية، ودّ الاحتلال لو يخلو له وجه التغطية، ويستأثر بنقل البيانات والمعطيات على هواه.. وقد اصطدمت دعايته المغرضة وروايته الملفّقة بصخرة الإعلام المِهْنيّ، الذي ضبط بوصلة انحيازه الفطريّ على اتجاه "الإنسانية"، ونذر تغطيته لنقل الحقيقة، ودحض الاختلاق، فكان من أوّل ما تهاوى من معالم تلك الدعاية فِرية "قطع رؤوس الرّضع" المفبركة.

إعلان

لهذا تتفتّق عبقرية الاحتلال عن إغلاق مكتب الجزيرة في "إسرائيل"، الذي التقى حبر قراره على رغبة حكومية مبيّتة، انطوت على اتهام الشبكة بـ"الانحياز ضد إسرائيل" ووصْفِها بـ"الإرهابية" على لسان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، لتكون تغطية القناة أحداثَ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول وميدانياتِ "طوفان الأقصى"، وما تحتها من أنباء عسكرية و"إنسانية"، فرصة لتنفيذ قرار الإغلاق وتعليقه على مِشجب "التحريض"، وبين سطور السياق يبرز دور الشبكة في نقل الأخبار وتغطية الأحداث على غير هوى المحتلّ – المعتدي – ومزاجه!

وحين جاء الدور على مكتب القناة في القدس، تأبّط قائد القوات المقتحِمة قرارًا عسكريًا أناط الإغلاق بموجب قانون الطوارئ، بعدما استبدل المقتحمون تحية الاستئذان باصطحاب المتفجرات لاختراق المدخل، حتى يرفعوا الحرج عن الإعلام إذا سمّى دخولهم مبنى المكتب "اقتحامًا"!

ما جاز على "الحياد الفارغ" ينطبق على "التلوين الأيديولوجي" في ساعة العسرة، حين يجيء استدعاء الطائفية الضيّقة في الوقت الخطأ!

ثنائية الحياد والانحياز.. على المحكّ!

وعودا على بدء، يمثل "موضوع الخبر" و"طبيعة الحدث" محكًّا، يزلّ عن جادته من انتكس عن ارتهانٍ، ومن سكت استسلامًا لـ"فوبيا التصنيف".. وقد كُتِب على الإعلامي والسياسي نصيبهما من "التصنيفية" لمّا ضاق الخناق على "المثالية"، وتخلى عن "مبدأ التجرّد" واضعوه؛ الذين جعلوه "صنم تمر"؛ يعبدونه حين تجري الرياح بما تشتهي سفنهم، وينتهكون "قدسيته" حين تكون مصلحتهم مهدَّدة، ومن هنا كان من أسماء غزة "الكاشفة"!

ومن تجليات ذلك "الكَشف" و"الانكشاف" أنّ الإعلاميين – شأنهم في ذلك شأن السياسيين – انقسموا فسطاطين: فريق كان انحيازه لـ"الإنسانية"، حين كان رضا غزّة يمرّ حتمًا بسخط "تلّ أبيب"، ومعسكر كان في صفّ الاحتلال في أسوأ الحالات، أو كان "خطُّ ارتهانه" متسقًا مع سياسة العدوّ في أحسنها، ولا حُسن ثمّة.. وبين الاثنين ضاق المجال عن خطّ مذبذب يكون "منزلة بين المنزلتين"، وهيهات.. هيهات!

وعلى التجرّد والانحياز مدار "الخطّ التحريري": تحكّمًا وتحاكُمًا حين يرتفع قيد "الإنسانية"، ويتمحّض الغرض السياسي، وتنتفي "العاطفية الموضوعية" المتوجِّهة تبعًا لاتجاه السياق الحَدَثِي.. وليست "العاطفة" – في حدّ ذاتها – "عائقًا" (عِلميًّا وإعلاميًّا)؛ لكنّها -في المجالين- تحدٍّ، عنوان النجاح فيه "حسن التوظيف" و"ضبط الانحياز"، وذلك في السياقات التي يكون فيها التزام الحياد ضربًا من "المثالية المِهْنية" الفارغة.

وما جاز على "الحياد الفارغ" ينطبق على "التلوين الأيديولوجي" في ساعة العسرة، حين يجيء استدعاء الطائفية الضيّقة في الوقت الخطأ!.. وإنّ من المواقف لَما يكون فيه "الحياد" صنَمًا حجريًا وضيعًا، وإن منها لما يكون "الانحياز" فيه مبدأً إنسانيًا كريمًا.. فلا يبقى من الاستدراك الموضوعي إلا سؤال جوهريّ وارد: "لِمن الانحياز الآن؟!"، وهنا ترتسم ثنائية الحقّ والقوة على شاشة الانحياز عند من يغلّبون صوت الضمير الحَيّ على نداء موازين التفوّق العسكري.. بينما يدور مُريد "التجرّد المثالي" والمنساقُ لـ" فوبيا التصنيف" في حلقة مفرغة!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان