لطالما كانت المصالح المشتركة والأهداف بعيدة المدى هي التي تجمع الدول على مرّ الأزمنة، منذ ما قبل معاهدة "فيستفاليا" عام 1648، التي شكلت أول تحول جذري في تاريخ العلاقات الدولية، إلى ما بعدها.
واليوم، نحن نعيش في ذكرى حدث جسّد البراغماتية السياسية بأكبر صورها وأوضحها؛ ففي مثل هذه الأيام قبل 85 سنة، وتحديدًا في 17 من سبتمبر/ أيلول عام 1939، بدأ الاتحاد السوفياتي اجتياحه للجانب الشرقي من بولندا، تطبيقًا للبند السري الذي اتفق عليه مع ألمانيا النازية (الرايخ الثالث)، في الميثاق الألماني السوفياتي الشهير، أو ما عرف رسميًا بمعاهدة "ريبنتروب- مولوتوف"، والذي كان في أغسطس/ آب من العام ذاته.
دول الديمقراطيات الغربية بقيادة بريطانيا وفرنسا، لا يزال شبح ألمانيا يطاردها على الرغم من خروجها منتصرة من تلك "المذبحة"
ما الذي يجمع بين السوفيات والنازيين؟ ما الذي يجمع بين ستالين وهتلر؟. لا شيء سوى الطغيان والشمولية، ومعاداة الأممية، وكلٌّ يعاديها من زاويته الخاصة؛ فستالين كان يسخر من فكرة الشيوعية العالمية، وكان يرى أن كل شيوعيي العالم يجب أن يرتبطوا بموسكو، أما هتلر فالمسألة عنده واضحة جدًا، فكيف لزعيم أكبر حزب قومي متشدد في تاريخ الحضارة البشرية ألا يكون معاديًا للأممية؟؟
التقت مصلحة الفريقين، فستالين كان يدرك أن لدى النازيين طموحًا أكثر خطرًا من طموح القياصرة الذين سبقوهم في الحرب العظمى (الحرب العالمية الأولى)، وكان يعرف نظرة النازيين الاحتقارية للسلافيين، واعتبارهم مجرد كائنات "دون البشر".
أما دول الديمقراطيات الغربية بقيادة بريطانيا وفرنسا، فلا يزال شبح ألمانيا يطاردها على الرغم من خروجها منتصرة من تلك "المذبحة"، ناهيك عن مضي قرابة العقدين على تلك الحرب.. إلا أن الغرب أصر على التعامل مع هتلر باستخدام "سياسة استرضائية"؛ تجنبًا لمذبحة جديدة تهدد القارة الأوروبية والعالم.
بعد أن فقدَ ستالين الأمل في إبرام تحالف ثلاثي مع بريطانيا وفرنسا لاحتواء الخطر الألماني، قرر رمي كل خلافاته الحادة مع الرايخ جانبًا، وتغاضى عن معرفته الجيدة بعقيدة النازيين الجيوسياسية الإجرامية، التي ترى أن الدولة كائن حي ينمو ويتمدد على حساب جيرانه الأقل منه في "التراتبية العرقية"، وقرر إبرام معاهدة عدم اعتداء مع الألمان، بالإضافة إلى تقاسم شمال شرق أوروبا بينهما.
عالمنا لم ولن يتغير، وعلينا – كمثقفين – أن نتقبل الحقيقة المرة، وأن ننشرها بين الناس بعد ذلك، الحقيقة أن أمن الدول ومصالحها الجيوسياسية تتقدم عندما تتعارض مع المبادئ والأيدولوجيات، فأين كانت مبادئ أميركا الليبرالية عندما موّلت وصنعت المجاهدين الأفغان؟
لا نريد الاستطراد كثيرًا في تفاصيل الحرب العالمية الثانية وما قبلها، فهذا يحتاج – بلا مبالغة – إلى ألف تدوينة.. ما نريده هو محاولة فهم العالم من خلال هذا المثال.
انظر إلى هاتين الدولتين المتطرفتين أيديولوجيًا، ترميان كل خلافاتهما وتركزان على مصلحتهما المشتركة، وهذا أمر لا يتعامل معه بأريحية إلا صانع القرار السياسي، أما سواه من المفكرين وعامة الناس فتختلف رؤاهم للمسألة؛ فمنهم من يراها خيانة، ومنهم من يراها ازدواجية في المعايير، ومنهم من يراها أمرًا آخر.. كل حسب موقعه وتفكيره.
حاصل الكلام أن عالمنا لم ولن يتغير، وعلينا – كمثقفين – أن نتقبل الحقيقة المرّة، وأن ننشرها بين الناس بعد ذلك، الحقيقة أن أمن الدول ومصالحها الجيوسياسية تتقدم عندما تتعارض مع المبادئ والأيدولوجيات، فأين كانت مبادئ أميركا الليبرالية عندما موّلت وصنعت المجاهدين الأفغان؟ وأين كانت مبادئ الاتحاد السوفياتي الثورية التحررية المعادية للإمبريالية، عندما كانوا من أوائل المعترفين بدولة "اسرائيل"، وما هي في الحقيقة إلا مشروع استيطاني استعماري، يسلب الأرض ويظلم الشعب الأصلي الساكن لأرض فلسطين؟
وسأختم بمثال من العصورالوسطى، قد لا يعرفه كثيرون، وهو أن هارون الرشيد قد أقام تحالفًا "إستراتيجيًا" مع الإمبراطور الروماني المقدس "شارلمان"، للوقوف ضد أي خطر من الأمويين بالأندلس..
ألا يكفي هذا لفهم عالمنا جيدًا، وجعلنا نتوقف عن ترديد "الكليشيهات" التي لا تقدم ولا تؤخر ..؟!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

