ملامح كل شيء تغيرت هذه المدينة التي لم أفارقها منذ ولادتي والتي قضيت فيها عمري، أصبحت فارغة تغيرت علينا، وأُلبِستْ ثوبًا ليس لها، الكثير من الأماكن خاوية، بائع الشاي الساخن، لم يصبح مكانه باردًا حين تلتفت نحوه، تجد ثلوجًا تتساقط وريحًا تعصف في مكانه، ولكنها مقيمة هناك تدور، وتدور لا تبرح موضعها.
بائعة بطاقات الإنترنت التي لم أتمعن في وجهها يومًا، ولم أبتع منها مطلقًا ما زال الإنترنت يسري بكل سلاسةٍ وسهولة في المكان، ولكن بعض الأجهزة تنتظر جوعى أن يتسرب الإنترنت لجوفها، رغم اتصالها بشبكات آخرين، ما زالت تبحث عن رافدها الذي أرواها، المبنى الجميل النابض حياةً رغم طابعه الرسمي والأنيق، القرميدي من الأعلى، الرخامي عن الجوانب، الممتلئ بالأخضر الجميل (الهلال الأحمر الفلسطيني)، رأيته ينوح ويتساقط الرماد من جنباته، كمصدر متجدد لا يفتأ الرماد يتساقط.
أتعلم رأيت أناسًا يزحفون وأعناقهم مشرئبة للأعلى تبصر شاطئ النجاة غير المرئي لا من قريب أو بعيد، وجامعات غزة أكاد أسمع قهقهات طالباتها في جنباتها المتكومة كتلالٍ ركامية مزعجة
أرأيت بركة المتوكل كيف يسيل الماء على جنباتها، ويلمع الماء مع أشعة الشمس وخيوطها، هكذا هو المبنى الناجح الذي كان فاتحًا ذراعيه على امتدادهما حاضنًا فئاتٍ كثيرة من غزة، اليوم يتشح بالسواد والرماد، وعلى جانبه الأيسر رُبطَ شريطٌ أسود بشكل مائل معلنًا الحداد على نفسه الميتة، ذاك الشارع السريع والذي حُصِدت الكثير من الأرواح على إسفلته، والذي سجل أعلى نسب حوادث مرورية في غزة، كنا نسميه شارع الموت، أمس قضمت الجرافات إسفلته، وقطعته لقطعٍ فُتاتية لتمضغه ثم تلقيه أسفل مجنزراتها، تحول لشارعٍ رملي ممتلئٍ بالشظايا الحادة والمسننة، تنتزع منه قدمك التي تغوص لأسفل ركبتيك، تحمل أقدامك وأنت تسير، حتى لا تبتلعك رماله.
أتعلم رأيت أناسًا يزحفون وأعناقهم مشرئبة للأعلى تبصر شاطئ النجاة غير المرئي لا من قريب أو بعيد، وجامعات غزة أكاد أسمع قهقهات طالباتها في جنباتها المتكومة كتلالٍ ركامية مزعجة، حتى إنني أسمع أصوات الشباب الذي كان فتيًا أمس، رجوليًا اليوم، وغدًا، لا تليق الكهولة لا بغزة ولا بأبنائها، أسمعهم يتجادلون وكلٌ يجادل ويدافع عن وجهة نظره التي برأيه أنها الأصح والأفضل، ثم رأيت طيف شابٍ معتدل يقول: الاختلاف لا يفسد للود قضية، فيضحك الشباب وأضحك أنا من محاورتهم، وفي الجانب الآخر أرى أساتذةً يمشون في حركة وئيدة منهم أولئك الأساتذة الشهداء يتناقشون في أمورٍ تجمعهم.
أقف أنظر إليهم حين سمعت أحدهم يقول: إن الاختبارات النصفية اقتربت والشتاء آذن بالانصرام، أندهش وأقف مع تفكيري لأخبره بصوت خفيض: ألا يجب أن يتحدثوا عن الجنة ونعيمها، فيلتفت إلى أستاذ أعرفه، أحسبني كذلك هو: الدكتور: (رفعت العرعير) أستاذ الشعر الذي تغنى بروائع شكسبير بين مدرجاتِ، وقاعات الجامعة، صاحب البصمة القوية الناجحة، والمبرعمة فيقول: فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، أقول، ماذا رأيت من نعيمها كم أود أن تصفها لي، ولكن رؤيتها أجمل أليس كذلك؟، يبتسم ثم يكمل مسيره مع بقية الأساتذة.
أنظر لبيتي خجلة مطأطئة رأسي لأني فارقته وإن كنت وعائلتي مرغمة، لا أستطيع أن أرفع بصري لأنظر إليه، ولا أستطيع أن ألمس جدرانه بأناملي المتراجعة، فأراه يتلقفني ويحتضنني فأشعر بأن أضلعي تتميز من مكانها، أخبره بأني آسفة، أُخرِجْتُ قسرًا، بعد ليالٍ وشهورٍ ممتلئة بالقذائف
يسيرون، فأرى تحت أقدامهم بساطًا أخضر ممتدًا، ونورًا يكاد ضياؤه من شدة جماله أن يتخطفني، إلى أن يختفوا عن مد بصري، ثم أرى ذاك المقاوم يبتسم باعتدال كعادة المرابطين، يمضي حياته النهارية بأعمال روتينية لا تناسبه، ولكنها تتواءم وطبيعة غزة، ثم يتحول ليلًا لبطلٍ حقيقي كعادة الأبطال في كل القصص التي عهدناها في طفولتنا ينتقل لعالمه الحقيقي، تراه مقبلًا يود ببسالته أن يتصل بخالقه، يركض مقدامًا غير مدبر كسبع بين قطيع الضباع يثخن فيهم الجراح ويرديهم ما بين قتيل وجريح، ثم أراه يحلق في السماء، يجتاز السبع سماوات ويلمع سنا ضوئه، ويذهب كسرٍّ لا يعرفه إلا المؤمنون.
تسقط ريشةٌ جميلة بيضاء ناصعة ريحتها كأنها المسك، محنطة بحنوط الجنة مكتوب عليها: يُوسُف أيها الشهيد نلت منزلة الشهداء، فأراه في عقلي كقنديل معلقٍ في المساء تحت العرش الذي لا يمكن لمخيلتي أن تفكر في استحضاره من عظمة خالقه، هنيئًا لك ولرفاقك وأهل غزة جوار الرحمن، أحسبك مع حمزة بن عبدالمطلب أسد الشهداء منضمًا في صفوفه ملتحمًا نصرة لدينك حاميًا لأرضك وعرضك.
أنظر لبيتي خجلة مطأطئة رأسي لأني فارقته وإن كنت وعائلتي مرغمة، لا أستطيع أن أرفع بصري لأنظر إليه، ولا أستطيع أن ألمس جدرانه بأناملي المتراجعة، فأراه يتلقفني ويحتضنني فأشعر بأن أضلعي تتميز من مكانها، أخبره بأني آسفة، أُخرِجْتُ قسرًا، بعد ليالٍ وشهورٍ ممتلئة بالقذائف، والرصاص، والصواريخ، والنار الهاطلة من السماء، أراه جريحًا بإصابات بالغة إثر استشهاد بيت جارنا الذي لم توارَ جدرانه الثرى بعد، ما زالت الدماء التي لا أعرف قانون فيزياء يوضح أو يشرح كيف تقذف دماء الشهداء من بيت لآخر لتلتصق بجدران بيتنا.
ما زال بيتنا يكابر على جراحه، يرفع رأسي بكلماته، يقول: كدت أمسي مقبرتك، وعائلتك في تلك الليلة، وزجاج نوافذي تطاير نحوكم كشظايا طويلة قاتلة، حتى إنني في لحظة انقضاضها عليكم ظننت أنني ربيت في جنباتي أم عامر، وباغتتكم على حين غرة لتنقض على أعناقكم، ولكن حين راجعتها وأنبتها عما مضى، أخبرتني أنها بريئة من هذا الذنب كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب، قالت: بأنها كانت هي الأخرى تبكي وهي على الأرض ممتدة، تبصر أجزاءها متناثرة على الأرض تحاول استجماعها وضمها، كانت جريحة، وتعفنت ثم ألقيت في القمامة، وأصبحت عبارة عن إطارات حديدية فارغة.
لا تستغربوا كتابتي لما بعد انتهاء وانخماد سعير النيران على غزة، لربما مستقبلًا وإن كان لي في العمر بقية، أخط لكم من جديد عن غزة وأيامنا في بؤرة النار، وأيامنا بعد ترسب النيران
ولجت إلى السوق فرأيت صورًا وأشخاصًا، وكأنهم من عهد قديم، لا أعرفهم يبيعون بعملة أجهل كهنها، يشير إليّ أحدهم، ثم يمد يده ليناولني كيسًا ممتلئًا بفواكه، وخضراوات لا يمكن قضمها، أحسبها صنعت كمجسمات؛ لتوضع كأثاثٍ على طاولة المنزل، أرى الصحف تُفتَح، والماضي الذي نسيناه ينفض ترابه وغباره عن صفحاته، ويجذبنا لداخله فنعود للسحيق من زمانه وأحداثه، ثم تقلب الصحف مرة أخرى ونموت بداخلها، فلا نخرج للحياة التي كانت تسري تياراتها بأوردتنا.
شيء في الذاكرة القريبة العميقة في أسفلها، يلمع كصور تبرق فجأة ثم تبقى تنظر إلينا من بعيد وهي صامتة ساكنة، كأنها تقول: أنا كنت يومًا مستقبلكم، ثم حاضركم، والآن أمسيت ماضيكم الذي لم تشرق عليه شمس أي صباح، أنا جزء من ماضيكم أنا الماضي اللقيط الذي أنكرني آبائي وأجدادي ابتلعني وخبأني في أشرطة الراديو المُتلفة، وأحرقني في أفران الطين القروية، لينثرني في ذاكرتكم، إثر ارتجاج رؤوسكم من ضربات الحياة الطبيعية التي يحياها أقرانكم في البلدان الأخرى، رؤيتكم لمسير الحياة بشكل اعتيادي في عالم غير غزتكم، أفسد خطة الماضي العجوز، ليضعني في مكاني بكل ما فيَّ من آلام وأحزان.
أسمع الطائرة تجأر الآن يا أصدقاء، هذا ولأنني مازلت في اليوم (348) من الجحيم في غزة، لا تستغربوا كتابتي لما بعد انتهاء وانخماد سعير النيران على غزة، لربما مستقبلًا وإن كان لي في العمر بقية، أخط لكم من جديد عن غزة وأيامنا في بؤرة النار، وأيامنا بعد ترسب النيران.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

