شعار قسم مدونات

ليلة السابع من أكتوبر!

سرب "صقر" إحدى الوحدات العسكرية التي شاركت في عملية #طوفان_الأقصى
سرب "صقر" إحدى الوحدات العسكرية التي شاركت في عملية طوفان الأقصى (مواقع التواصل الإجتماعي)

لا يمكننا أن ننكر مهما اختلفت الآراء وتباينت التقييمات، أن السابع من أكتوبر صار يوما مفصليا في تاريخ المنطقة المعاصر، وحدثا عظيما تؤرخ عليه الأحداث اللاحقة حتى يقال في تأريخ الوقائع والمواقف، وفي أرشفة ملفات المنطقة؛ ما قبل السابع من أكتوبر وما بعده. ولو رجعنا إلى مخزوننا من المعلومات والأفكار والمشاعر في ليلة السابع من أكتوبر تحديدا، ثم عقدنا بعض المقارنات مع ما استجد على هذا المخزون فجر ذلك اليوم، لتفاجأنا من كم وكيف ما استجد في وعينا، ومما أحدثه هذا اليوم من تغييرات وهزات عنيفة في أفكارنا وسلوكنا. الأمر ذاته ينطبق على ما أحدثه في الرأي العام العالمي لا سيما على المستوى الشعبي، من هزات عنيفة في مواقف الأمم المختلفة من ديننا وقضايانا.

وقد تغيب بعض الحقائق -رغم بساطتها- عن الناس تحت تأثير سلطة الإعلام والبروبوغاندا التي تسيطر على أفكار الجماهير وسلوكهم. وإن حالة الوهن التي تعيشها شعوبنا المسلمة جعلتها عرضة للتأثر برواية أعدائها عن ذاتها وعن قدراتها وعن قضاياها، لكن فجر العبور المقدس أحدث طوفانا جديدا فيما يعرفه الناس، وما يتبنونه من أفكار، وما يجول في وجدانهم من مشاعر.

لم نكن نعلم أيضا أن المؤامرة التي حاكتها الإدارة الأميركية مع بعض أنظمة المنطقة كانت قد قطعت كل هذا الشوط من التحضير والتنفيذ، لدرجة أن تطيش الولايات المتحدة منذ اللحظة الأولى لتعلن دعمها المطلق لدولة الاحتلال على جميع المستويات

من شأن الأحداث العظيمة أن تكشف الحقائق المغيبة

لم يكن أحد يعلم أن المعايير التي تم تصنيف جيش الاحتلال الإسرائيلي بموجبها على أنه ضمن أقوى 18 جيشا في العالم وفقا لإحصائيات موقع "غلوبال فايرباور" الأميركي لعام 2023، ورابع أقوى جيش في الشرق الأوسط وفق الموقع نفسه، ليست عملية حتى ولو بدت أنها علمية، وأن الموساد الإسرائيلي الذي يعد ضمن أقوى عشرة أجهزة مخابرات في العالم، ليس سوى نمر ورقي وقف مشدوها صبيحة السابع من أكتوبر، وعاجزا عن فهم أو استدراك حجم الاختراق والهزيمة التي أصابته؛ فأبيدت فرقة غزة، ثم توالت الإخفاقات العسكرية والأمنية، لتظهر شروخا عميقة في البنية السياسية ومنظومة الحكم في دولة الاحتلال.. لم نكن نعلم أن عدونا ضعيف إلى هذا الحد وقابل للكسر إلى هذا المستوى، ولم يكن دافع الضرائب الأميركي يعلم أن أمواله كانت تنفق عقودا لبناء وهم أصبح في لحظة واحدة كسراب بقيعة.

ولم نكن نعلم أيضا أن المؤامرة التي حاكتها الإدارة الأميركية مع بعض أنظمة المنطقة كانت قد قطعت كل هذا الشوط من التحضير والتنفيذ، لدرجة أن تطيش الولايات المتحدة منذ اللحظة الأولى لتعلن دعمها المطلق لدولة الاحتلال على جميع المستويات، ولدرجة أن يغامر الرئيس الأميركي "بايدن" بالمخاطر المتزايدة على رصيده الانتخابي مع اقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية، ولنتفاجأ أيضا بالوجه السافر للخذلان العربي والإسلامي؛ إذ يرون أهل غزة يبادون بأبشع الطرق الوحشية عبر البث المباشر الذي يتابعه كل إنسان على وجه الأرض دون أن يحركوا ساكنا!

كذلك لم نكن نعلم أن أهل غزة قد أعدوا أنفسهم كل هذا الإعداد؛ على مستوى إعداد حاضنة المقاومة، بالغة الوعي، شديدة الإصرار، عظيمة الإيمان، متينة الالتفاف حول بعضها.. وعلى مستوى الإعداد العسكري من صناعة المقاتل المحترف الذي بلغ مستوى قل نظيره في الإعداد الإيماني والبدني والعسكري، ومن إمكانيات استخباراتية، ومفاجآت التصنيع الحربي، ومن إعداد للكمائن وكفاءة في قتال المدن.. لقد كانت غزة في السنوات الأخيرة خلية نحل تعمل في تكامل وانسجام، وتستعد في الخنادق والمساجد والبيوت الطاهرة..

كان بعض أبناء أمتنا مفتونا مخدوعا بمن سموا أنفسهم محور الممانعة، متوهما أنهم سيشعلون الساحات نصرة للقدس وغزة، ليت شعري من قتل أبناء الشام والعراق واليمن سينصر أبناء غزة؟!

وكم من أفكار نامت ليلة السابع من أكتوبر ولم تستيقظ

ولقد كنا في ليلة السابع من أكتوبر مغرقين في حساباتنا المادية وتقديراتنا الرقمية، وكنا غافلين عن الحقائق الوجودية والسنن الربانية، والتي يجب أن تؤخذ في الاعتبار بالتوازي مع قراءة الأسباب المادية، فذكرتنا صبيحة ذلك اليوم بالمعاني الخالدة في كتاب ربنا وسنة نبينا عن النصر وصناعته، وعن الهزيمة وأسبابها.

وكدنا ليلة السابع من أكتوبر أن نكفر بقدرة الشعوب المضطهدة على إحداث التغيير وامتلاك القرار والمبادرة، وتسرب في وعينا أن قدرنا الموت الصامت والاستسلام الحكيم، فاستفقنا على صفحة مجد جديدة أعدها في الخفاء رهبان الليل وفرسان النهار.

وكان بعض أبناء أمتنا مفتونا مخدوعا بمن سموا أنفسهم محور الممانعة، متوهما أنهم سيشعلون الساحات نصرة للقدس وغزة، ليت شعري من قتل أبناء الشام والعراق واليمن سينصر أبناء غزة؟! ومن دمر إخوة غزة؛ دمشق وبغداد وصنعاء وبيروت سيبني غزة؟!

وكان الكثيرون منا قد خدعوا بطابور من المنافقين والمتمشيخين ممن انتسبوا إلى الإسلام ولبسوا زي العلماء، فكشف الله عوراتهم، وأسقط ورقة التوت عنهم وعن أسيادهم مرة واحدة.

وكان بعضنا حتى ليلة السابع من أكتوبر يمني نفسه بإنسانية الدول الغربية وديموقراطيتها، وإذ بميثاق حقوق الإنسان أكذوبة صماء، وإذ بالقانون الدولي الإنساني فرية عمياء.

وكان بعض الساذجين من أبناء جلدتنا يظن أن مشكلة الأنظمة العربية التي ذبحت شعوبها في الربيع العربي كانت مع المعارضة الإسلامية، فاكتشف أن مشكلتها مع حريتنا وإنسانيتنا، وأنها مرتهنة للاستعمار المقنع، وأنها أمتن حصون الاحتلال، وأن الوطنية والقومية من دماها المستهلكة على مسرح الوطن الأسير..

إن قدرا كبيرا من الأفكار البليدة العنيدة نامت ليلة السابع من أكتوبر ولم تستيقظ.

شكرا لغزة التي ضربت المكائد الأميركية، وأظهرت للبشرية حقيقة الاحتلال الإسرائيلي، وعلمتنا كيف يكون الإعداد؟ وكيف تكون المواجهة؟ بالإيمان العميق والإعداد الرشيد..

آخر هزائمنا المعنوية ليلة السابع من أكتوبر

وعلى المستوى المعنوي؛ فقد كانت ليلة السابع من أكتوبر مشحونة بالإحباط من واقع أمتنا في ساحاتها المختلفة، مليئة بالانكسار والشعور باليأس من قدرتنا على النهوض والانبعاث، وإذ بنا نمتلك في ساعات قليلة طاقة روحية هائلة، وشحنة انتماء دافئة، ودفعة تحد مركزة، وكأننا نمنا ليلة السابع من أكتوبر وصحونا فجر خيبر مع صيحات: جيش محمد سوف يعود. وفي حين غير غالب الإسرائيليين الذين يعيشون في الغرب سلوكهم بعد السابع من أكتوبر؛ فأزالوا الرموز اليهودية أو امتنعوا عن التحدث بالعبرية، لتزايد الكراهية ضدهم، فإن الأعلام الفلسطينية صارت تملأ ساحات العواصم الأوروبية، والوشاح الفلسطيني صار مألوفا على أكتاف العرب والعجم. ورأينا كيف أقبل كثيرون من ضحايا الإسلاموفوبيا من غير المسلمين على الإسلام يتعرفونه ويدخلونه رغبة وقناعة، وذلك لمعاينتهم أثر الإيمان في صاحبه تمسكا بالمبدأ وثباتا أمام المصائب، ومعاينتهم في المقابل أثر الجحود في أربابه وحشية طاغية وشعارات زائفة.

وإن شريحة كبيرة من الغافلين عجزت المواعظ عن إيقاظهم، أيقظتهم الأحداث الجسيمة وهزت وجدانهم المواقف العظيمة، فغذوا السير نحو توبة من الغفلة وانخراط في العمل. ولم يكن أحد يتوقع كل هذا التعاطف والبذل، وكل هذه المناصرة والحيوية من أبناء الأمة على امتداد الجغرافيا. ولقد صحا جيل جديد من أبنائنا على قيم جذابة، وقدوات جديدة، وعقيدة راسخة، بدأت تنسج في وعيه العميق تصورات صادقة عن مفاهيم الأمة والأخوة، وتزج به في ميادين العمل والكفاح.

‏‌فشكرا لغزة التي ضربت المكائد الأميركية، وأظهرت للبشرية حقيقة الاحتلال الإسرائيلي، وعلمتنا كيف يكون الإعداد؟ وكيف تكون المواجهة؟ بالإيمان العميق والإعداد الرشيد.. شكرا غزة التي فضحت مؤامرات الأعداء ومكائد المنافقين وعرت صهاينة العرب.. شكرا غزة التي جددت في نفوسنا الأمل ودفعتنا إلى العمل.. شكرا غزة التي جعلت آخر هزائمنا ليلة السابع من أكتوبر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.