شعار قسم مدونات

عقدة الناجي!

صار يتساءل: "لماذا أنا الناجي؟ ولماذا لست أنا المتوفى؟" (الفرنسية)

أين العرب والمسلمون مما يحدث، أين هم من هذه الصرخات المستغيثة المؤلمة، والتي تنادي: "أين العرب والمسلمون"؟ أين هم منها وهي تدمي القلوب، وتسحق النفوس.

  • إن جوابنا على هذا النداء: "نحن هنا".

نعم نحن هنا بالقرب، نحن معكم، مع المصابين والمكلومين والمظلومين بقلوبنا وعقولنا، وبكل ما نستطيع تقديمه لهم. بل إن العالم كله معكم، ولقد ظهر تفاعلهم وتلاحمهم ، مع الشجب والاستنكار في أكثر دول العالم، وكل هذا مبشر وداعم ورافع للمعنويات، ويؤكد أن الخير موجود، وأن الشفقة والتراحم قوية في القلوب، وأن الإنسانية متجذرة بالنفوس. وإننا معكم ولن نترككم، ولن ننساكم، ولكن الخطب كبير، وبعضه فوق طاقتنا التي حجموها، وفوق قدراتنا التي لجموها، إذ إن أكثر ما يحتاجه إخواننا الأحبة هناك: هو وقف فوري للحرب، وإسعاف المصابين وعلاجهم. وإيصال المعونات وضرورات الحياة الأساسية من ماء وطعام ومأوى.

أريد أن أؤكد لإخواننا الذين يعانون من الكوارث والذين انهالت عليهم المصائب: أن الشعوب على اختلافها لم تتوقف عن التعاطف معهم، ومحاولة مساعدتهم، ولم تتوقف عن متابعة الأحداث، ولا عن الشجب وعن النصرة بكل ما تقدر عليه من كلمة ودعم معنوي

إن ما يحتاجونه حقا هو "الإغاثة الجادة" وليس الكلام والشعارات وإظهار التعاطف، وهو بالذات الذي لا نملكه للأسف، فهو بيد صناع القرار، وبيد محاور الشر المتسلطة، والتي تملك الحل والعقد؛ فهم الذين يملكون القرار الأساسي. لكننا وبحمد الله نملك "الدعم المعنوي"، والدعم اللوجستي عن طريق المقاطعة، والمظاهرات، وغيره، ويمكننا تقديم المساعدات المالية والعينية، والتي لا يصل أكثرها، بسبب إغلاق المعابر وربما لأسباب أخرى.

وهنا أريد أن أؤكد لإخواننا الذين يعانون من الكوارث والذين انهالت عليهم المصائب: أن الشعوب على اختلافها لم تتوقف عن التعاطف معهم، ومحاولة مساعدتهم، ولم تتوقف عن متابعة الأحداث، ولا عن الشجب وعن النصرة بكل ما تقدر عليه من كلمة ودعم معنوي، أو مادي، ونحن لم نألف الوضع رغم مرور الوقت، ولن يصبح الإجرام والمعاناة عاديا بالنسبة لنا ما حيينا.

لكن الشعوب العربية والإسلامية وقعت في أمرين: الأول منهما عادي وطبيعي، وهو أن استمرار الحياة سنة ولا يوقفها شيء، فالحياة تستمر ولا تتوقف، ولا يمكن أن تتوقف لأي سبب، ولا لأي حدث مهما كان هائلا وخطيرا، فالبلاء من طبيعة الحياة، والبلاء موجود مع الحياة، وهناك دائما من يصرخ وينادي ويستغيث في هذه الدنيا، وفي بلاد عربية ومسلمة، ففي سوريا مثلا ما تزال هناك آلام، وجوع وبقايا حرب، وأناس ما زالوا يعيشون في الخيام من 12 سنة.

على أن استمرار الحياة لا يعني النسيان أو الإهمال، ولا يعني أنها عادت طبيعية كما كانت من قبل، ولكن: مهما كانت الحالة صعبة وقاسية، فكل إنسان مضطر لأن يتكسب، ولأن ينام ويأكل، وقد يضحك لموقف، ولا بد أن يلاعب الصغار، ويعيش ساعات اليوم، ويقوم بمهامه وواجباته بانتظام. أما الأمر الثاني هو الوقوع في الحالة التي تسمى "عقدة الناجي" أو متلازمة الناجي"، ولعل أهم وأوضح أعراضها: هو الشعور بأن الفرح أصبح خيانة والأكل خيانة والأمان في البيت خيانة، فيجب أن نشاطرهم كل ما يعانونه من أهوال، والاعتذار على أننا بخير. إنه الشعور بالذنب كوني أمارس حياتي الطبيعية بينما الأشقاء بالقرب يعانون من انتهاكات. وأحيانا يمتد هذا الشعور لعدم الرغبة بالعمل، أو القيام بأي نشاط.

تمني الموت وقع فيه كثيرون بعد نجاتهم من الزلازل والفيضانات الأخيرة، وصاروا يتساءلون: "لماذا أنا الناجي؟ ولماذا لست أنا المتوفى؟". و"عقدة الناجي" تظهر أيضا في حالات السلام وبعيدا عن الأوبئة والكوارث، فتصيب الأشخاص الناجين من حوادث لا يد لهم فيها

  • فما هي عقد الناجي التي أصبح كثيرون منا يعانون من أعراضها بدرجات متفاوتة؟

هي الشعور بالذنب أو الندم بشأن حدث كبير جدا وصادم. يجعل النفس تتألم وتقضي الكثير من الوقت في التفكير فيما كان يمكنها أن تفعله لتفادي ما حدث، وكيف يمكن أن تساعد الآخرين. وعندما لا يمكنها اتخاذ أي إجراء قوي وفعال لتغيير النتيجة أو الوضع الكارثي، فإنها تعاني بشكل عميق. ويتملكها الشعور بالذنب وعدم الاستحقاق، وقد تعاني من القلق المزمن والاكتئاب والكوابيس.

وهذا يحصل مع الذين يشهدون الحدث ويكونون في البؤرة، فهؤلاء يتمنون نفس المصير، فتقول النفس: "يا ليتني مت معهن" بعدما يتم إنقاذها، ويموت أهلها، وتشعر بأن حياتها لا معنى لها، وكأنها تشعر بالذنب لبقائها على قيد الحياة.

وتمني الموت وقع فيه كثيرون بعد نجاتهم من الزلازل والفيضانات الأخيرة، وصاروا يتساءلون: "لماذا أنا الناجي؟ ولماذا لست أنا المتوفى؟". و"عقدة الناجي" تظهر أيضا في حالات السلام وبعيدا عن الأوبئة والكوارث، فتصيب الأشخاص الناجين من حوادث لا يد لهم فيها، من مثل: أمراض السرطان أو الإيدز أو الأمراض الوبائية مثل كوفيد- 19. والناجيات من عنف أسري ما زالت عائلتها تعاني منه. والحاصلون على فرص أفضل وسط ظروف صعبة. ومن يتعلم بالخارج وأسرته وعائلته واقعين تحت حصار، أو من يترقى وزملاؤه يتم تسريحهم. كما لوحظت هذه الظاهرة أولا على الناجين من الهولوكست، ثم بدأ الانتباه لتكرارها مع الناجين من الكوارث الطبيعية والأوبئة أو الحوادث الكبرى، ثم تم الانتباه لأنها قد تصيب أي شخصية ولو كانت بعيدة عن الحدث؛ فأعراض "عقدة الناجي"، قد تنتابك وأنت في مأمن، وفي مكان بعيد عن الكوارث، وذلك بسبب العجز، وانعدام الحيلة، وعدم القدرة على إنقاذ الضحايا، كما يحدث معنا اليوم، أو الغضب والحزن من أنك في أمان بينما آخرون يعانون، فهي مسألة إنسانية والانغماس فيها يؤدي لما يلي:

  • الشعور بالقلق الشديد.
  • استرداد ذكريات الحادث والمواقف المتعلقة به (وهذا ما يشعر به السوريون وغيرهم ممن مروا سابقا بالحروب الطاحنة والمدمرة).
  • إنهاك العقل بكثرة التفكير فيما كان يمكن فعله أو عدم فعله.
  • نوبات الغضب والانفعال.
  • فقدان الشهية.
  • عدم القدرة على العودة لروتين الحياة اليومي الطبيعي.
  • تقلبات المزاج الحادة.
  • الكوابيس المفزعة واضطراب النوم.
  • الصداع وآلام المعدة.
  • الشعور بالعجز وفقدان السيطرة.
  • الشعور بالذنب والمسئولية عن النجاة دون الآخرين.

وهذه الأعراض بات يعيشها كثيرون منا، وعقدة ذنب الناجي، يمكنها أن تعوق الشخص عن حياته الطبيعية، وتؤدي به إلى مضاعفات أكبر قد تمنعه حقا عن التفاعل مع قضايا الأمة، فيجب التعامل معها بوعي.

ولكيلا تحبطنا عقدة الناجي، ولكيلا تمنعنا عن الإيجابية، وعن العمل المثمر، وعن الدعم وتقديم يد العون، فينبغي الانتباه للأمور التالية وتجنبها:

التوقف عن التعميم، واتهام الأمة والشعوب قاطبة بالتقصير، والطلب منها مراجعة إيمانها وعقيدتها، وعواطفها… وهي لا حول لها ولا قوة أمام الشر المتجذر في هذا العالم. فالعربي المسلم الذي يدعم القضية اليوم، هو نفسه مكلوم ومصاب ومهجر، ويعاني من العوز والتضخم والبطالة، بسبب محاور الشر تلك. عدم التقليل مما يقدمه الأفراد، ففي البداية كان يقال لنا "قدموا أي شيء، ولا تحقروا أي عطاء"، ثم أصبحنا نرى أحيانا الاستهانة بهذا القليل، وهو أحيانا كل ما يقدر عليه الفرد العربي المحاصر والفقير.

ترك التنمر على من يقوم بأمور الحياة اليومية، أو ينغمس في نشاط اجتماعي، فلعله يفعله ليسلو، فيستعيد نشاطه، ويدعم بقوة أكبر. وترك التنمر على من ينشر منشوراته العادية الطبيعية، فهذا ما يحسنه الفرد وهو تخصصه، ولو جاء ليكتب في غير فنه لانتقدوه وأشبعوه شتما، وقالوا من تحدث بغير فنه لأتى بالعجائب. وإن الناس رغم الكوارث ما زالوا يحتاجون لتربية طفل، وللتعامل الزوجي، وللفتاوى، بل مع الكوارث تتفاقم الحاجة لمثله، وبالتالي لا يمكن أن يكون النشر كله عن حدث واحد، والعالم يشكو من مآس متنوعة. أثوب الصدقات التي تكون بالخفاء والتي لا تعلم شماله بما قدمت يمينه، فلسنا مضطرين للرياء، ولنشر ما نقدمه للقضية على الصفحات، ولكن تأكدوا أننا كلنا مهتمون، ونقدم ما بوسعنا، وأننا مستمرون بالدعم. نرجو ونتأمل بسماع اقتراحات واقعية ومنطقية وعملية للمساعدة، نعد بأننا سننفذها كلها. مع دعائنا بأن يسلمهم الله، ويحميهم، ويفك كربتهم، ويسارع بنصرهم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.