شعار قسم مدونات

تركيا والطوفان ورهان الحسابات السياسية!

مظاهرات في تركيا والأردن نصرة للقدس
مظاهرات في تركيا نصرة لغزة (الجزيرة)

أثناء متابعتي لمجريات الأحداث الساخنة الدائرة رحاها في المنطقة العربية، منذ انطلاق "طوفان الأقصى" وحتى اللحظة، جال في خاطري سؤال، أتوقع أنه لا يزال يجول في خواطر الكثيرين، ألا وهو: لماذا جاء رد الفعل التركي مخالفا للتوقعات المأمولة منه أو بالأحرى فلنقل إنه جاء دونها؟

وبعيدا عن المزايدات، أستطيع القول إن هناك أهمية لمناقشة هذا الطرح والبحث عن إجابات موضوعية لتساؤلات أراها "مشروعه" وربما تتضح الإجابات إذا عرفنا لماذا تثار هذه الأسئلة من الأساس؟

حزب العدالة والتنمية وبالرغم من توتر العلاقات الدبلوماسية بين تركيا والكيان الصهيوني -وبالأخص بعد حادثة سفينة قافلة الحرية مافي مرمرة 2010- فإن مواقفه لم تكن بنفس القدر من الراديكالية التي ميزت موقف الثورة الإيرانية.

تركيا والقضية الفلسطينية

بداية، أعتقد أن من أهم الأسباب التي تدفع شريحة كبيرة من الجمهور العربي للاستفهام عن طبيعة الموقف التركي هو المقارنة بينه وبين الموقف الإيراني، حيث يرى الكثيرون أن هناك تقدما للموقف الإيراني على نظيره التركي بشأن دعم المقاومة الفلسطينية، ماليا وإعلاميا وعسكريا وبشكل علني.

هم يقولون، إذا كانت الحكومات المتعاقبة في كل من تركيا وإيران قد منحت اعترافها بدولة الكيان قبل اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، ووصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا، إلا أن مسألة عدم اعتراف إيران الثورة الإسلامية بالكيان باتت أحد أهم ما يميزها عن موقف حكومة حزب العدالة والتنمية منذ أن وصلت إلى السلطة أواخر 2002 وحتى الآن. فالخميني، وبمجرد نجاح الثورة عام 1979 قام بقطع علاقات بلاده الدبلوماسية مع حكومة الكيان وأعلن عداءه الصريح للمشروع الصهيوني في المنطقة.

أما حزب العدالة والتنمية وبالرغم من توتر العلاقات الدبلوماسية بين تركيا والكيان الصهيوني -وبالأخص بعد حادثة سفينة قافلة الحرية مافي مرمرة 2010- فإن مواقفه لم تكن بنفس القدر من الراديكالية التي ميزت موقف الثورة الإيرانية.

لكن في رأيي ما هكذا يجب أن ينظر إلى الأمور، ولا تصلح هذه المقارنة على إطلاقها، وذلك للآتي:

  • تغير الموقف الإيراني من الكيان الإسرائيلي جاء في أعقاب ثورة شعبية عنيفة رفعت شعارات أيديولوجية معادية للغرب ومشاريعه في الشرق الأوسط والتي تعتبر حكومة الكيان رأس الحربة فيها، وقد نجحت هذه الثورة في إسقاط نظام الشاه الذي عرف بموالاته التامة للمشروع الغربي.
  • أما حزب العدالة والتنمية فقد وصل إلى السلطة من خلال عملية ديمقراطية لم يحصد فيها سوى الأغلبية البرلمانية وأتى في أعقاب أزمات عصفت بالاقتصاد التركي.
  • لم تحظ أبدا حكومات الحزب الحاكم في تركيا بإجماع وطني يمكنها من إحداث تلك التغيرات الراديكالية التي تفضي إلى قطع العلاقات أو سحب الاعتراف الرسمي بالكيان الإسرائيلي.
  • كما أن لدى تركيا ميراثا من العلاقات بالغرب تجعل من التصريح بمعاداة مكوناته أمرا مكلفا إستراتيجيا من الناحية السياسية والاقتصادية على حد سواء.
  • كما لا يجب أن نغفل أن الدعم الإيراني المشار إليه، يساويه كيفا دعم تركيا للمقاومة، إعلاميا وسياسيا وأمنيا، بل إن تركيا من خلال علاقاتها الأوروبية والدولية، تستغل تلك المنابر لتقديم دعم دبلوماسي للقضية الفلسطينية.

ومن أجل فهم تعقيدات المشهد التركي بصورة عامة، أحيل القارئ إلى كتاب قرأته بعنوان "المعركة من أجل روح تركيا- صعود أردوغان" للصحفية البريطانية هنا لوسيندا سميث، جاء فصله الأول تحت عنوان "تركيا.. بلدان وقبيلتان"، دونت فيه الكاتبة ملاحظاتها عن الداخل التركي في أعقاب محاولة انقلاب 2016 الفاشلة، وتناولت مشاهد الاستقطاب الاجتماعي والسياسي، الذي وصفته بأنه شبه قبلي، الأمر الذي يؤكد أنه لا يوجد ثمة إجماع شعبي خلف سياسات حزب العدالة والتنمية الخارجية على عكس الحال في إيران بسبب اختلاف جذور النشأة وتباين طبيعة النظام السياسي في الدولتين.

مرت العلاقات التركية الروسية بعدة محطات ساخنة، بدءا من إسقاط الجيش التركي لمقاتلة روسية على الحدود التركية السورية 2015، إلى اغتيال السفير الروسي في أنقرة 2016، مرورا بالخلافات بين البلدين بخصوص الأزمة في سوريا وانتهاء بالحرب في ليبيا والاتفاق على وقف القتال عند خط سرت-الجفرة

الطبيعة المعقدة للسياسة الخارجية التركية

وبالنظر إلى السياسة الخارجية التركية، سنجد أنها ذات طبيعة مركبة أو معقدة بشكل عام. فتركيا من جانب حليف للغرب، وعضو في حلف الناتو، لكن في نفس الوقت تتمتع بعلاقات جيدة مع روسيا، كما أنها دولة إسلامية وإن حاولت مرارا أن تكون جزءا من النادي الأوروبي.

ولذلك، فإن البحث في أركان السياسة الخارجية للحكومة التركية ومرتكزاتها الجديدة خاصة بعد الانتخابات الأخيرة 2023، أمر في غاية الأهمية لفهم طبيعة ما يحرك مواقفها.

وقد لفت نظري حوار أجراه السيد سونير جابتاي المحلل السياسي ورئيس البرنامج التركي في "معهد واشنطن" نُشر في مارس/آذار 2020 تناول فيه مراجعة شاملة لسياسات تركيا الخارجية في الشرق الأوسط خلال العقد الماضي.

ويمكننا أن نستخلص من هذا الحوار المطول أن حزب العدالة والتنمية قام بمراجعات لمواقفه الحدية التي رسمت سياساته الخارجية خلال تلك الفترة وبالأخص مواقفه الداعمة على طول الخط للربيع العربي في مصر وسوريا وليبيا، بل واستمر هذا الرهان على الربيع العربي حتى بعد تراجع موجاته منذ 2013.

ومن ناحية أخرى، يكمل جابتاي، فقد تبنت تركيا في النصف الثاني من العقد الماضي، سياسة خارجية خشنة في عدة ملفات.

ففي سوريا دخلت القوات التركية إلى الشمال السوري لإنشاء مناطق عازلة عن طريق عملية عسكرية أطلقت عليها اسم "نبع السلام" في أكتوبر/تشرين الأول 2019 ضد قوات سوريا الديمقراطية. وقد سبقت هذه العملية العسكرية، عملية تدخل أخرى في الشمال والشرق السوري ما بين عامي 2016 و2017 أُطلق عليها عملية "درع الفرات" وكان هدفها أيضا محاربة "داعش" وقوات سوريا الديمقراطية التي تعتبرها الحكومة التركية حليفة لحزب العمال الكردستاني.

أما في ليبيا، فقد تدخلت تركيا في الصراع بين الحكومة الشرعية في الغرب وبين حفتر في الشرق، فقدمت السلاح والتدريب والمشورة العسكرية لحكومة طرابلس ومكنتها من تحرير كامل الغرب الليبي الذي كانت قوات حفتر قد احتلت مساحات كبيرة منه ووصلت الى تخوم العاصمة الليبية في أبريل/نيسان 2020.

كما تأثرت العلاقات التركية السعودية بشدة عام 2018 وقامت المملكة باتخاذ خطوات من شأنها تحجيم التبادل التجاري والاقتصادي بين البلدين الأمر الذي أدى الى خسارة تركيا لأكبر سوق خليجي.

كذلك مرت العلاقات التركية الروسية بعدة محطات ساخنة، بدءا من إسقاط الجيش التركي لمقاتلة روسية على الحدود التركية السورية 2015، إلى اغتيال السفير الروسي في أنقرة 2016، مرورا بالخلافات بين البلدين بخصوص الأزمة في سوريا وانتهاء بالحرب في ليبيا والاتفاق على وقف القتال عند خط سرت-الجفرة بدعم من الناتو وإدارة الرئيس الأميركي السابق ترامب.

أما مع الكيان الصهيوني، فلازلنا نتذكر طرد سفير الكيان من العاصمة أنقرة بعد استدعائه لمقر وزارة الخارجية لتقديم احتجاج تركي على فظائعه الذي ارتكبها في قطاع غزة 2018، وكذلك قيام الأمن التركي في المطار بتفتيش السفير علانية أثناء مغادرته.

وجدت تركيا نفسها وبسبب تلك المواقف في شبه عزلة عن محيطها الإقليمي مع بدايات أزمة كورونا وتراجع المؤشرات الاقتصادية ووصول الحزب الديمقراطي إلى الحكم في الولايات المتحدة.

تعمل الحكومة التركية الآن على تسويق دورها الجديد في المنطقة كطرف محايد يسعى إلى القيام بدور الوسيط الدبلوماسي لحل الخلافات دون الانحياز التام- كما فعلت سابقا- إلى طرف على حساب آخر.

تعظيم المكاسب عبر حل النزاعات

وعلى الرغم من وجاهة رأي السيد سونير جابتاي، أعتقد أن تبني تركيا لتلك المواقف الحدية لم يؤد دائما إلى نتائج تخصم فقط من رصيدها في الإقليم، بالعكس، حققت تركيا أيضا مكاسب جيوإستراتيجية في ليبيا وسوريا والعراق بل حتى في الملف الفلسطيني، وأوجدت لها هامشا أكبر من مجرد المناورة على المستويين الإقليمي والدولي.

يؤكد هذا الرأي بحث نشره موقع مؤسسة سيتا للدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية  ذكر أن تركيا الآن بحاجة إلى تهدئة التوتر مع الأطراف الإقليمية الفاعلة كي تتمكن من استيعاب وتثبيت مكتسباتها الجيوسياسية بعد مرحلة طويلة من الصراعات.

فيما تعمل الحكومة التركية الآن على تسويق دورها الجديد في المنطقة كطرف محايد يسعى إلى القيام بدور الوسيط الدبلوماسي لحل الخلافات دون الانحياز التام- كما فعلت سابقا- إلى طرف على حساب آخر. وقد كانت أولى تجليات هذا الدور التركي الجديد في موقفها من الحرب الروسية الأوكرانية، وتوسطها في التوصل إلى اتفاق نقل الحبوب ومحاولاتها تحقيق اتفاق سلام بين البلدين المتحاربين.

لم تتورط تركيا في الوقوف بجانب أوكرانيا والناتو ومعاداة روسيا، وحافظت دائما على موقف متواز، ولم تستجب لتطبيق حرفي للعقوبات ضد البنوك الروسية.

أما بالنسبة للحرب في غزة، فقد بدأ رد الفعل التركي فور اندلاع عملية "طوفان الأقصى" محايدا، إلا أنه سرعان ما تبلور مع تطور الأحداث والغزو البري للقطاع ومشاهد الإبادة الجماعية ثم التجويع والحصار لكنه، وفي كل الأحوال، ظل محافظا على استقلاله وابتعد عن اتخاذ مواقف فردية أو ذات طبيعة حدية تفقده إمكانية التدخل.

وبناء على هذا الطرح، أرى أنه كلما طال أمد الحرب وفشل الوسطاء التقليديون في التوصل لوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات، فسيتيح ذلك التعثر الفرصة لتركيا لحشد مزيد من أدواتها السياسية الإقليمية وقواها الدبلوماسية لتقدم نفسها كضامن لوقف القتال وبل وربما الإشراف على عملية سياسية شاملة داخل القطاع.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.