شعار قسم مدونات

أعطني حريتي أطلق يدي!

نصب الحرية في ساحة التحرير بالعاصمة بغداد (الجزيرة)

يقول أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة وعضو مجلس الشعب في برلمان الثورة الدكتور سليمان صالح في إحدى مدوناته على الجزيرة نت: "خلال عملي الأكاديمي في الجامعات عرفت الكثير من الطلاب والطالبات الذين كان يمكن أن يكونوا قادة وسياسيين وإعلاميين، يبنون قوة اتصالية وإعلامية وأدبية للأمة، لكن الكثير منهم أصابهم اليأس والإحباط بعد كفاح طويل"، وهذا القول هو اقتباس لمقال طويل يوثق رواية القصة والبحث عن الحرية في ظل تقاطعات وتحيزات فكرية مشوهة للمعنى الذي يمكن أن يعطينا دلالات واضحة تتسق فيه العلوم النظرية "المهمة" والواقع الذي يتقاطع معها حتى في شكل ومضمون الخبر، عندما يكون الهدف هو البحث عن الحقيقة كما هي دون مراء أو تزييف، لأن "الأستاذ" وطلابه ما زالوا يبحثون عن كيفية رواية القصة بحرية تامة توظف حديث قاعة المحاضرات في الواقع المعاش دون وجل.

كنا نطلق على سليمان صالح الأستاذ المفكر، لنوعية الفكر الذي يرسله إلينا في خضم الصورة النمطية التي تأسست بأن المجتمع العماني منكفئ على نفسه ولا له في المشاهد حضور

وأنا أقرأ تلك المدونة أعادتني الذكريات إلى ثورة الفتيل الأولى التي أشعلها سليمان صالح في سبيل فهم الحرية وتأسيس صف من الصحفيين القادرين على استيعاب الواقع بالاستناد على إرث حضاري وتاريخ لم يقف في وجه حرية التعبير وإنما حرر الإنسان قبل الأرض على مبدأ عقيدة الإسلام، فامتدت الحضارة حتى شرق أفريقيا تنويرا وترميما مع دخولها في عصور وعهود النزاعات والصراعات على مختلف الأصعدة، لذا كان التوجيه لا يحيد قيد أنملة عن مسار الصحافة في الوطن العربي، باعتبارها المغذي الرئيس في تأسيس الأيدولوجيات الطامحة إلى خدمة أوطانها، وتسخير طاقات الشباب لمواكبة كافة المستجدات، وكيفية بناء أخلاقيات عمل لن يستنكف الصحفيون في تطبيقها أو الابتعاد عنها حتى ولو جرفهم تيار النفاق لبلوغ أمانيهم أو سلط عليها فئة لا لها في العير ولا النفير الصحفي، وإنما همها تغليظ البوابات.

في خضم استحضار الذكريات التي عادت بي إلى الفترة الممتدة بين عام 1998 و2000، وآنذاك كنت طالبا في قسم الصحافة والإعلام بجامعة السلطان قابوس، كان لزاما المرور على تجليات الدكتور سليمان صالح الفكرية، حيث لا يفارقني حضوره الشامخ في القاعات والصفوف موجها ومفندا كتابة الخبر الصحفي في هرمه شكلا ومضمونا، مطلقا العنان للكلمة وفضاء حريتها التي يتنفس على خجل في سلطنة عمان، حيث كنا 22 طالبا وطالبة، بعضهم قاده شغف الكتابة وحلم أن يكون صحفيا يستقصي الواقع في إحدى الصحف "الثلاث" الصادرة باللغة العربية والبارزة آنذاك، إحداهن لسان الحكومة التي كانت أكثر أمانا وسخاء، أما البعض الآخر فكانت ومضات الشاشة التلفزيونية "الوحيدة" بإطارها المحلي وأثير الإذاعة الصادح والمتنفس بلغة الصحافة الأكثر إغواء لهم باعتبارهما الصوت الرسمي، فيما آخرون كان توجههم ترميما لمسار تعليمي غير مستقر على نهج: "رب ضارة نافعة"، فتلاقحت الأفكار بانسياب الأفلاج وتمازجت مع فيض النيل المتدفق.

كنا نطلق على سليمان صالح الأستاذ المفكر، لنوعية الفكر الذي يرسله إلينا في خضم الصورة النمطية التي تأسست بأن المجتمع العماني منكفئ على نفسه ولا له في المشاهد حضور، إلا أن التأسيس الداخلي كان يشير إلى عكس ذلك بالاتجاه نحو الاهتمام التنموي والانشغال بالشأن المحلي لتوليد طاقات تبدع في تسجيل الحدث والاحتفاء بأمجاد النهضة التي كانت هي الشغل الشاغل والأكثر طغيانا على خارطة الأحداث، وشيء قليل من المتابعات التي تصنف استقصائية لمشروعات تعثرت، أو تجاوزات اخفيت لضرورة مرحلية، إلا أن الدكتور سليمان صالح يدفعنا لاستثمار الفرصة التي تهيئ البناء المعرفي في تغيير المشهد، وفهم ما يدور خلف المسميات، وكيفية التعبير عن الفكرة لبناء قوة اتصالية وإعلامية.

لم تكن وجهتنا نحن طلاب سليمان صالح وأكاديميون آخرون صحفية صرفه إلى نخاع البناء الصحفي، وإنما كانت حائط صد وسترة حماية وصوتا للمؤسسات الحكومية لتعزيز دورها بما يحقق ويحافظ على مسيرة التقدم والتطور والبناء

إن الفكرة السائدة والتي تعتبر صورة نمطية تلقي بظلالها على فترة التكون الصحفي، كانت الأكثر أهمية لكثير منا من السابقين واللاحقين، والمتجسدة في الحصول على وظيفة "حكومية" تضمن استدامة دخل شهري، بغض النظر عن نوعيتها ومدى إمكانية تطبيق الأبعاد الفكرية في عالم الصحافة بكافة تجلياته، لأن الأوضاع السائدة كانت تفرض نفسها بقوة في مسار "لقمة العيش"، ولم تترك مجالا بالتغريد خارج ذلك السرب "إلا ما رحم ربي"، وهذا يعود إلى قلة فرص العمل وقلة وضعف إمكانات وسائل الإعلام، ولعل أكثرها محدودية نطاق قانون المطبوعات والنشر، باعتباره الإطار المناسب لتلك المرحلة حسب قناعات المسؤولين، إلا أن هوامش ومتون الكلمة وتحررها من ربقة الصورة النمطية، تزيح خمارها على خجل بين الفينة والأخرى، وتظهر مندسة في حديث طويل أو مقال يستخدم أسلوب التورية درءا من الوقوع في مزالق السؤال.

بمرور أكثر من 22 عاما على وميض تلك الذكريات، ومع ثورة الصحافة وتبدل وتطور أدوات الكلمة تدور في الأوساط النخبوية أو الصحفية "حرية الرأي المسؤولة"، وهي بحد ذاتها وميض لم يخفت على امتداد تلك السنوات، إلا أنه يشهد رواجا واسعا في هذه الفترة شريطة أن يتحلى بالتحليل الحقيقي الذي يستهدف تغيير المسار لا العبث بالأفكار، لذلك لم تكن وجهتنا نحن طلاب سليمان صالح وأكاديميون آخرون صحفية صرفه إلى نخاع البناء الصحفي، وإنما كانت حائط صد وسترة حماية وصوتا للمؤسسات الحكومية لتعزيز دورها بما يحقق ويحافظ على مسيرة التقدم والتطور والبناء، فالأكثرية منهم برعوا في الأخذ بمفاتيح الوصول والبلوغ بذريعة التغير والتحول مع التعمق في ذلك وتجاهل الوجه الأصلي لصحافة نوعية، والقلة منهم من أخذوا المسارين حتى يحافظوا على سيلان الحبر وتدفق المعلومة لرواية القصة بلغة فنية وأدبية تبقيهم على العهد مع شيء قليل من السخط على البعد الآخر.

في ظل الانفتاح الاتصالي وبروز المواطن كناقل للحدث لتوفر الوسائل اختلطت وظائف الصحافة وتباينت الدقة في مصدر المعلومة، إلا أن ذلك غير المشهد الذي تأسس في قاعات المحاضرات، وامتزج الخبر بقدسيته مع حرية الرأي دون وضع المفاهيم في مسارها اللفظي والواقعي، فكان الاعتماد على توجه الأكثرية دون التنبه إلى سياقات التفضيل المعتمدة على "خوارزميات" موجهة، مع التساهل في بناء المحتوى دون مراعاة أخلاقيات العمل الإعلامي لفظا ومعنى، لذلك لم تصبح المعلومة حكرا على مؤسسة صحفية أو نخبة تتلمس طريق الحرية لإنتاج قادة معرفة، وبالتالي فإن رواية القصة والأخذ بها يحتاج إلى تمحيص أكثر من أجل التفريق بين القصص الزائفة والمفروضة بقوة الوسيلة وبين القصص التي تمثل حقوق الأمة الإسلامية، فالأخيرة هي البناء الذي يشد عزم الكرامة ويرسخ الانتماء في الأجيال التي لم تدفع للإيمان بطاقاتها على مختلف الأصعدة.

"اعطني حريتي أطلق يدي"؛ إن البحث عن الحرية في زمن كثر فيه "الفرقاء" أشبه بالبحث عن "إبرة في كومة القش"، فهو الحلم الذي يأتي في "الكرى أو خلسة المختلس"، ومع شدة الاختلاف في الشعور به من عدمه، فإننا وبمقياس العصر نستقصي أثره بالاستناد إلى مفاتيح المعرفة التي دفع بها الدكتور سليمان صالح ورفقاءه إلى لجج الحياة، لنعبر من المحيط المحلي إلى محيط أوسع باتساع رقعة وامتداد الأمة الإسلامية، لذلك كانت أحداث 7 أكتوبر مقياسا لمسالة النضوج التي نسير نحوها، حتى نستطيع أن نعبر بشفافية مطلقة عن انتماءاتنا الإسلامية ووقوفنا بالمطلق ضد الطغيان والمجازر اليومية في حق غزة خاصة وفلسطين عامة، داعمين التوجه الرسمي ومساندين الأجيال في فهم أبعادهم الفكرية التي تغيرت بمقياس الأكثر أهمية، وتوجهت نحو قضية مصيرية كانت تذوب في وحل التواطؤ الذي فرق الأخوة بعدما نزغ "الشيطان" بينهم، فللحرية أحباء مهما طال الفراق، وبها لن ترفع الأقلام ولن تجف الصحف.

يقول الدكتور سليمان صالح: "… لكنني رغم آلام النفي والغربة ما زلت أتمسك بتحقيق حلمي في بناء نظام إعلامي حر، أتمكن فيه من رواية قصة أمتي للعالم، وتحويل تاريخها إلى مصدر قوة لكسب عقول الشعوب وقلوبها. ومن حقي أن أحلم، فإن لم أتمكن من تحقيق هذا الأمل، فإن طلابي سيحققونه، فقد علمتهم حب الحرية".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.