شعار قسم مدونات

سرّ نجاح فلسفة ماركس الدموية

blogs كارل ماركس
الفيلسوف الألماني كارل ماركس (مواقع التواصل الاجتماعي)

لا يمكننا الحديث عن فلاسفة القرن الـ19 الميلادي ومفكريه دون أن نقف عند كارل ماركس، الذي ارتبط اسمه بالحركة الماركسية والشيوعية العالمية، بعد أن انتشرت أفكاره المعارضة للرأسمالية الغربية، ووجدت من يتلقفها ليجعل منها المنطلق الفكري لتوجهاته الثورية ضد أنظمة الحكم الغربية الرأسمالية المتهمة باحتكار الثروة والإنتاج على حساب الطبقة العاملة، في قرن أوروبي انتقالي، يموج بالتحولات والثورات والحروب، وعمليات البناء السياسي والتطور الصناعي وهيمنة الرأسمالية، جاء ماركس ليقدم نظريات اجتماعية وسياسية واقتصادية جديدة في وجه النظريات الرأسمالية المهيمنة على الدول الغربية آنذاك، واضعا الأسس الفكرية لإقامة نظام سياسي اجتماعي اقتصادي أكثر تشاركية وعدلا من النظام الرأسمالي، ولينقسم العالم من بعده إلى معسكرين رئيسيين هما المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية والمعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفياتي، أو ما يُعرف بالمعسكرين الغربي والشرقي، اللذين تنافسا على زعامة العالم لأكثر من 70 عاما، تنافسا كان ضحيته عشرات الملايين من البشر، لينتهي بانهيار المعسكر الشيوعي وسقوط النظرية الماركسية وانتصار الرأسمالية وبسط هيمنتها على العالم.

يرى ماركس أن حركة التاريخ مرتبطة بأنماط الإنتاج وبالصراع الطبقي، وتدفع البشرية باتجاه التحوّل نحو الإشتراكية الشيوعية، وأن النظام الرأسمالي سوف يدمّر نفسه حتما، وأن العمال المضطهدين سيطيحون في نهاية المطاف بالطبقة المسيطرة على وسائل الإنتاج، ويشكلون مجتمعا غير طبقي.

التغيير بالقوة

يعتبر كارل ماركس (1818-1883) من أكثر الفلاسفة تأثيرا في تشكيل العالم الحديث في القرنين الـ19 والـ20 ، وهو فيلسوف ومفكر وكاتب صحفي، ولد لعائلة ألمانية يهودية تضم 9 أبناء، درس القانون والفلسفة، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة القديمة.

تأثر كثيرا بفكر الفيلسوف الألماني هيغل "جورج فيلهلم فريدريش هيغل" (1770-1831)، أحد مؤسسي مذهب المثالية الألمانية، الذي طوّر المنهج الجدلي (الديالكتيك) الذي يقوم على تقديم الطرح ونقيضه ومن ثمّ التوفيق بينهما. إلا أن ماركس وضع فلسفته الخاصة به، فبدأ يكتب في النظرية المادية التاريخية التي تربط بين حركة المجتمع والقوة الإنتاجية، منتقدا نمط الإنتاج الرأسمالي بقيادة الطبقة البرجوازية وانتهاكاته للطبقة العاملة (البروليتاريا). كما تحدث عن دور الدولة الحديثة والعلاقة بين الحياة السياسية والاقتصاد، معتقدا أن حركة التاريخ مرتبطة بأنماط الإنتاج وبالصراع الطبقي، وتدفع البشرية باتجاه التحوّل نحو الإشتراكية الشيوعية، وأن النظام الرأسمالي سوف يدمّر نفسه حتما، وأن العمال المضطهدين سيطيحون في نهاية المطاف بالطبقة المسيطرة على وسائل الإنتاج، ويشكلون مجتمعا غير طبقي.

أدت كتابات ماركس إلى نفيه من ألمانيا عام 1843 فاتجه إلى فرنسا، التي اضطرت إلى طرده بعد عامين بسبب استمراره في الكتابة، وتعرضها للضغط من الحكومة الألمانية، فغادرها بعد أن أسس علاقات تنظيمية قوية مع الطبقة الليبرالية واليسارية من الفرنسيين والألمان، ممن كان لهم دور كبير في ثورة 1848 الفرنسية. انتقل ماركس إلى بلجيكا أوائل عام 1845، التي اشترطت عليه عدم الكتابة في السياسة، ولكنها اضطرت إلى طرده أوائل 1948 بسبب نشاطه السياسي، ليعود من جديد إلى باريس وينقل المقر التنفيذي للرابطة الشيوعية مؤقتا إليها وينشئ فيها "نادي العمال الألماني" الذي يضم العديد من الإشتراكيين الألمان الذين يعيشون هناك، على أمل رؤية ثورة 1848 الفرنسية تمتد إلى ألمانيا.

عاد ماركس في العام نفسه إلى مدينة "كولونيا" غرب ألمانيا، وأصدر كتيبا بعنوان مطالب الحزب الشيوعي في ألمانيا، ناقش فيه 4 نقاط فقط من النقاط الـ10 للبيان الشيوعي، الذي كتبه مع إنجلز ليكون برنامج الحزب الشيوعي، معتقدا أن على الطبقة البرجوازية في ألمانيا الإطاحة بالملكية الإقطاعية والأرستقراطية، قبل أن تتمكن البروليتاريا العمالية من الإطاحة بالبرجوازية.

وقد اشتملت مطالب الحزب الشيوعي الألماني على توحيد ألمانيا وإجراء انتخابات عامة وإلغاء الإقطاع وتحسين أوضاع الطبقة العاملة. إلا أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، فانهار البرلمان الديمقراطي في ألمانيا، وشكّل الملك فريدريك ويليام الرابع حكومة جديدة من أنصاره "الرجعيين"، الذين نفّذوا إجراءات مضادة للثورة لطرد العناصر اليسارية والثورية. وقد أمرت الحكومة ماركس بمغادرة البلاد ليعود إلى باريس، التي كانت آنذاك تحت قبضة الثورة المضادة، فاعتبرته تهديدا سياسيًا وطلبت منه المغادرة.

لجأ ماركس أخيرا إلى لندن في أغسطس/آب 1849 مع المفكر الألماني فردريك إنجلز (1820-1895) الذي التقى به في باريس، وصار صديقا مقرّبا له. وكان الاثنان قد انضما إلى عضوية الرابطة الشيوعية، التي تأسست في مؤتمر رابطة العدالة في لندن في يونيو/حزيران 1847، كأول حزب شيوعي عمالي أممي، وكلفت الرابطة كلا من ماركس وإنجلز بكتابة البرنامج السياسي للرابطة، الشهير بـ"البيان الشيوعي" أو "منافستو الحزب الشيوعي" الذي طبع لأول مرة عام 1848. وتضم الرابطة النشطاء الليبراليين واليساريين والديمقراطيين من دول شتى، من الرافضين للأنظمة الملكية الأرستقراطية، ويسعون إلى إسقاطها. وقد أدت محاكمة قادة الشيوعيين الألمان في "كولونيا" في أعقاب هزيمة ثورة 1848 إلى إنهاء الحركة وحل الرابطة.

كانت لندن بمثابة المنفى الأخير لكارل ماركس، حيث كانت قوانينها تسمح باستقبال المعارضين السياسيين، وممارسة نشاطهم الفكري والتنظيمي على أراضيها. واستمر فيها حتى مماته عام 1883.

مات كارل ماركس قبل أن يضع خطة لإقامة الدولة الشيوعية، ولا تصورا للهياكل التي تقوم عليها، إلا أن تأثيره في العقود الثلاثة التي أعقبت موته كان هائلا بعد نجاح الثورة الشيوعية في روسيا وإقامتها لما يُعرف بالاتحاد السوفياتي، لينتشر معها الفكر الماركسي في جميع أنحاء العالم، قبل أن ينهار من جديد مع انهيار جدار برلين، بعد أن صبغ وجه التاريخ بدماء الملايين.

من باريس إلى موسكو

شهدت أوروبا في عام 1848 ما يعرف بـ "ثورات الربيع الأوروبي" أو "ربيع الأمم" في معظم دول أوروبا وأميركا اللاتينية، في أعقاب الثورة الفرنسية في فبراير/شباط من العام نفسه، بسبب الشعور العام بعدم الرضا عن القيادة السياسية، والمطالبة بالديمقراطية والمزيد من الحريات وتحسين ظروف الطبقة العاملة. وقد أسفرت الثورة في فرنسا عن الإطاحة بحكم الملك لويس فيليب الأول، الذي استمر حكمه منذ 1830، وإنشاء الجمهورية الثانية بقيادة حكومة منتخبة، إلا أنها سلكت نهجا محافظا بصورة أشد من ذي قبل، وفي نهاية العام نفسه تم انتخاب لويس نابليون بونابرت رئيسا للجمهورية الثانية، الذي قام بإعلان الإمبراطورية الفرنسية الثانية، ونصب نفسه إمبراطورا عليها حتى وفاته عام 1870.

شهد شهر مارس/آذار 1871 أول تجربة ماركسية عمالية نجحت في الاستيلاء على السلطة، وتعرف بثورة "كومونة باريس" (بلدية باريس)، في أعقاب الهزيمة التي منيت بها فرنسا أمام ألمانيا، وأسرها للامبراطور بونابرت وحصارها للعاصمة باريس، فاستولى عمال باريس على سلطة الدولة وشرعوا في تنفيذ برنامج إشتراكي، إلا أنه تم سحقهم بوحشية بعد شهرين فقط، على يد القوات الفرنسية النظامية، في ما يعرف بالأسبوع الدامي. وقد رأى ماركس في هذه العملية أول حركة ثورية عظيمة للطبقة العاملة الأوروبية منذ سحق ثورات عام 1848، وكان يتابع عن كثب جميع أعمالها ومقترحاتها، لا سيما فيما يتعلق بمشاكل الاستيلاء على السلطة والقمع الذي تتعرض له من الطبقة البرجوازية المضادة، بالإضافة إلى شكل الدولة التي ستسعى الطبقة العاملة بنفسها إلى تأسيسها.

انشغل ماركس في منفاه الاختياري في لندن، في استكمال نقده للاقتصاد السياسي، علاوة على كتاباته في الصحف، ومن ذلك مساهمته بأكثر من 300 مقال في صحيفة "نيويورك ديلي تربيون" الأميركية في الفترة 1864-1874. وقد نشر المجلد الأول من كتابه "رأس المال" عام 1867، وبعد وفاته قام إنجلز بتجميع المواد التي كتبها ماركس في جزأين آخرين، نشر المجلد الثاني عام 1885، والثالث عام 1894، وتعتبر هذه المجلدات الـ3 الأهم بين إرث كارل ماركس الفكري، وخاصة في الاقتصادي السياسي.

كتب ماركس، عن الدين واعتبره أفيون الشعوب، وكتب عن الأخلاق الشيوعية واعتبرها الأكثر عدلا مقارنة بالأخلاق الرأسمالية، وكتب عن اغتراب الإنسان في ظل الأنظمة الرأسمالية. وهو يرى أن نظرياته تنطلق من البشر الحقيقيين الذين يقومون بإنتاج وسائل عيشهم لتلبية احتياجاتهم المادية التي تولّد احتياجات جديدة مادية واجتماعية، تنشأ معها احتياجات جديدة، ومع تطور وسائل الإنتاج المادية تتعدد أنماط الهياكل الاقتصادية، لتصبح الشيوعية في النهاية إمكانية حقيقية بمجرد أن تحفزهم محنة العمال ومعاناتهم ووعيهم بالبديل ليصبحوا ثوريين. ورغم أن ماركس يهودي ملحد، إلا أنه دافع في التحرر السياسي عن اليهود وكتب عام 1843 كتابه "حول المسألة اليهودية" يرد فيه على زميله "برونو باور" الذي كتب ضد اليهود من منظور إلحادي، معتبرا أنهم والمسيحيين كانوا عائقا أمام التحرر.

مات كارل ماركس قبل أن يضع خطة لإقامة الدولة الشيوعية، ولم يضع تصورا للهياكل التي تقوم عليها، إلا أن تأثيره في العقود الـ3 التي أعقبت موته فاق كل التوقعات، وخاصة بعد نجاح الثورة الشيوعية في روسيا واستيلائها على السلطة وإقامتها لما يُعرف بالاتحاد السوفياتي، لينتشر معها الفكر الماركسي في جميع أنحاء العالم، قبل أن ينهار من جديد مع انهيار جدار برلين، بعد أن صبغ وجه التاريخ بدماء الملايين.

لا ينتهي الأمر عند هذا المطاف، فهناك آلاف الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات قد يعجز التاريخ عن تقديمها في ظل التشابك المعقد للأحداث والقوى والكيانات وفداحة التحولات والآثار المترتبة عليها، فربما لا يعرف الكثيرون أن قادة الثورة الروسية أسسوا نواة ثورتهم في العاصمة لندن، وهو ما سنتعرض له في المقال القادم بإذن الله.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.