شعار قسم مدونات

فقه المرحلة في علم الفقه الإسلامي

مدونات - مكتبة إسلامية
أحكام المعاملات هي أحكام تؤطر مراحلها الزمنية وأوضاعها المختلفة المرتبطة بها والمتأثرة بها (رويترز)

علم الفقه الإسلامي هو العلم الذي يدرس أحكام الشرع العملية وأدلتها التفصيلية المتعلقة بها، فهو يدرس أحكام أقسام الفقه الأربعة: العبادات والمعاملات والأسرة والجنايات، وفي كل هذه الأقسام الأربعة تفاصيل معروفة في مظانها ودالة على معانيها، وتتمثل أظهر تجليات وشواهد فقه المرحلة في علم الفقه الإسلامي في ما يلي:

شواهد فقه المرحلة في علم الفقه الإسلامي:

الشاهد الأول: الأقسام الأربعة (العبادات والمعاملات والأسرة والجنايات)

تمثل هذه الأقسام الأربعة مظهرا مهما يدل على ارتباطها بفقه المرحلة، فهي أحكام لأعمالها التي تؤدى في مراحلها وما يتعلق بها من المواقيت الزمنية وأحوال الاستطاعة وأنواع المشقات والتحديات التي تواجهها وعوارض ذلك ومآلاته وسياقاته.

المسلمون الذين يعيشون في البلاد الغربية إنما يقضون مراحل حياتية مهمة من أعمارهم، وبعضهم يقضي كل مراحل حياته فيها، وهم معنيون بفقه هذه المراحل من حيث فقه تفاصيلها وقضاياها

وكذلك أحكام المعاملات، فهي أحكام تؤطر مراحلها الزمنية وأوضاعها المختلفة المرتبطة بها والمتأثرة بها، ومنها: مرحلة انتصاب الأسواق وعرض البضائع وأحوال السوق وأوضاع السياسات الاقتصادية والبرامج العمالية والمخططات التنموية والتعميرية، فهذه وغيرها تمثل أطوارا مهمة ومراحل قائمة تناط بها أحكامها الفقهية ومقارباتها الاجتهادية، وتتعلق بها فتاوى المفتين وتصورات الخبراء وكلمات العلماء.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى أحكام الأسرة والجنايات ومختلف التصرفات، فهي تمثل مراحل في الأداء والإنجاز والتخطيط والمتابعة والتنفيذ والمراجعة والتطوير، ولكل ذلك حكمه وتوجيهه.

وما يمكن أن نذكره تمثيلا لما ورد بيانه أن المسلمين الذين يعيشون في البلاد الغربية إنما يقضون مراحل حياتية مهمة من أعمارهم، وبعضهم يقضي كل مراحل حياته فيها، وهم معنيون بفقه هذه المراحل من حيث فقه تفاصيلها وقضاياها، على نحو مواقيت صلواتهم وصيامهم وفطرهم، وأطعمتهم وأشربتهم وأسرهم وأموالهم وأعمالهم وأعيادهم وجنائزهم وغير ذلك مما له ارتباطه الوثيق بفقه الإسلام وأحكامه وأصوله ونصوصه ومقاصده وضوابطه.

ولذلك يمكننا القول إن تلك المراحل القائمة في تلك البلاد إنما هي مراحل لا بد أن ينهض فيها الفقه الإسلامي ببيان أحكامها وآدابها ومتطلباتها، وعلى أهل العلم والذكر أفرادا ومؤسسات أن يوجهوا مسارها بمدركات الشرع المختلفة وقواعد الاجتهاد المعتبرة، وأن يُعملوا الأصول والفروع والكليات والجزئيات والمقاصد والوسائل والأسباب والشروط والموانع والعزائم والرخص، وأن ينشدوا الصحة والسلامة، وأن يدرؤوا الفساد والبطلان، وأن يسألوا الله تعالى القبول والرضا.

واجب الوقت يتحدد بناء على النص الشرعي والاجتهاد المبني عليه، فالنص الشرعي قد بين صورا من تقرير هذا الواجب على نحو ما ذكرنا بخصوص أوقات وجوب العبادات

الشاهد الثاني: واجب الوقت

يمثل مصطلح واجب الوقت عبارة فقهية دقيقة تدل على مراعاة فقه المرحلة من جهة الوقت، أي أن واجب الوقت يراد به تقرير حكم شرعي يتعلق بهذا الوقت، وهذا الحكم الشرعي هو حكم الواجب، ومثاله: زوال الشمس عن وسط السماء هو وقت تجب فيه صلاة الظهر، ورؤية هلال رمضان هي وقت لوجوب الصيام، ورؤية هلال شوال هي وقت لوجوب الإفطار، وهكذا كل وقت شرعي إنما هو وقت يتعلق به وجوبه بحسب بيان الشرع.

ومن الأمثلة كذلك: حالة غرق إنسان في البحر أو النهر، فهي حالة أو وقت يجب فيه إنقاذه من الغرق من قبل القادر على ذلك، وحالة الحريق التي تصيب مؤسسة أو دارا أو متاعا، فإن المطلوب فيها هو وجوب الإطفاء منعا للفساد واستمراره.

ومعلوم أن واجب الوقت يتحدد بناء على النص الشرعي والاجتهاد المبني عليه، فالنص الشرعي قد بين صورا من تقرير هذا الواجب على نحو ما ذكرنا بخصوص أوقات وجوب العبادات، كالصلاة والصيام والحج والقضاء والكفارات والنفقات والعطايا والرعاية والمعالجة والنصح والإرشاد.

والاجتهاد المعتبر المبني على مدركات الشرع يكون طريقا لتقرير الواجبات المتعلقة بأوقاتها وأسبابها وشروطها، وذلك بناء على تقدير المصالح ومراعاة المآلات ومناسبة الأحكام ومسايرة الوقائع بالنظر إلى اعتبارها في الأحكام وليس باعتبارها تحدد الأحكام، فالوقائع لا تنشئ الأحكام وليست مصدرا لها، وإنما هي تعتبر في فهم الأحكام وتنزيلها وفي توجيه الفتوى الشرعية وتقريرها.

نحسب أن واجب الوقت في مرحلتنا الحالية الانتقالية في تونس على وجه الإجمال والإطلاق تأمين هذه المرحلة والوصول بها إلى إجراء الانتخابات الحرة والنزيهة والعادلة

واجب الوقت في مرحلتنا القائمة

يراد بالوقت هنا وقت المرحلة القائمة التي قد تدوم أشهرا أو سنوات أو عقودا أو التي تتحدد فتراتها بحسب مجالاتها وموضوعاتها، فيمكن أن تحدد بسنوات بالنسبة إلى المجالات السنوية، كمجال الإصلاح التربوي والتقنين التفصيلي لنص الدستور وقيام المؤسسات.

ويمكن أن تحدد بأشهر بالنسبة إلى الانتخابات والتسجيل فيها وتنظيمها ومراقبتها وحمايتها من العبث والتلاعب، وبالنسبة إلى تسيير المرفق العام وتصريف الأعمال اليومية إلى حين الانتهاء من المرحلة الانتقالية، كما يمكن أن تحدد بالعقود والمدد الطويلة بالنسبة إلى الإصلاحات الكبرى كإصلاح العقليات والذهنيات، والإصلاحات المتعلقة بالقضايا الإقليمية والدولية.

وفي كل هذه الفترات المختلفة تتحدد واجباتها بناء على توجيه الشرع بنصوصه وأصوله وكلام العلماء واجتهادهم، ونحسب أن واجب الوقت في مرحلتنا الحالية الانتقالية في تونس على وجه الإجمال والإطلاق تأمين هذه المرحلة والوصول بها إلى إجراء الانتخابات الحرة والنزيهة والعادلة، والحفاظ على مؤسسات الدولة وأهداف الثورة وترسيخ الوحدة الوطنية وتجذير الهوية العربية والإسلامية، أضف إلى ذلك مضاعفة جهود العمل العام والخاص، والصبر والتضحية والتجاوز من أجل طرد التنازع والتنابز ولمصلحة التآلف والتناصر، ولكل هذا أقداره ومستوياته ومقارباته.

مثال الفعل الإنساني الوضوء، فهو فعل يصدر من المتوضئ يتمثل في غسل بعض أعضاء الجسد، وهذا الفعل قد حكم عليه الشرع بأنه فعل واجب إذا كان لفعل الصلاة أو الطواف

الشاهد الثالث: الفعل الإنساني

يمثل الفعل الإنساني مصطلحا فقهيا دقيقا دالا على الارتباط الوثيق بعلم الفقه الإسلامي، فموضوع الفقه الإسلامي هو أفعال الناس وتصرفاتهم وأقوالهم [1]، ومنها: عباداتهم وزراعاتهم وصناعاتهم ومظاهراتهم وإضراباتهم وثوراتهم، وألفاظ أيمانهم وزيجاتهم وطلاقهم وبيوعاتهم وهباتهم وأوقافهم، فهذه الأفعال تتعلق بها أحكامها الشرعية من الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة والأولى وخلافه والبغيض والأبغض والأيسر والأحوط والأبرأ والأورع.

ومثال الفعل الإنساني: الوضوء، فهو فعل يصدر من المتوضئ يتمثل في غسل بعض أعضاء الجسد، وهذا الفعل قد حكم عليه الشرع بأنه فعل واجب إذا كان لفعل الصلاة أو الطواف، وحكم عليه بأنه فعل مستحب إذا كان للنوم أو لإلقاء درس، فمن أراد أن ينام فالأفضل أن ينام وهو على وضوء، وكذلك من أراد أن يلقي درسا.

وأمثلة الأفعال كثيرة، منها: الصلاة والصيام والبيع والزواج وأداء الأمانة وزرع الأرض والعمل الإعلامي والإصلاح التربوي وإقامة العدل ومواجهة الظلم وتحرير الأرض من الاحتلال والاستبداد، فكل هذا يدخل ضمن الأفعال الإنسانية.

وهذه الأفعال ترتبط بها أحكامها الشرعية، فكل فعل وإلا له حكمه من القرآن أو من السنة أو منهما، أو من الاجتهاد الصحيح المبني عليهما والمراعي للمصالح والواعي بالواقع والإمكانيات والتحديات والظروف والسياقات، وهذا هو معنى كون الأفعال الإنسانية يرتبط بها الخطاب الشرعي، أي يرتبط بها التكليف الشرعي أو الأوامر الشرعية، والخطاب الشرعي هو خطاب الشرع الوارد في القرآن والسنة.

ولهذا البيان أهميته في تأكيد فقه المرحلة ولزوم الوعي به، باعتباره متعلقا بعلم الفقه الذي يتناول الأفعال الإنسانية ببيان أحكامها الفقهية، فالحديث عن الأفعال الإنسانية باعتبارها موضوعا للفقه الإسلامي وباعتبار تعلق خطاب الشرع بها إنما هو حديث عن المراحل الزمنية وعن أحكامها المتعلقة بها، فالمراحل الزمنية للناس إنما هي أطوار تصدر فيها أفعالهم وتظهر فيها تصرفاتهم، وهي أطوار يعيشونها ويتعاملون معها بمقتضى سلوكياتهم وتعاملاتهم وسياساتهم، فما يقومون به من أقوال وأعمال وبيوع وشراء وزيجات وطلاقات وزراعات وصناعات وسياسات وإصلاحات وبرامج ومشروعات كل هذا يعد من قبيل الأفعال الإنسانية والتصرفات البشرية التي تناط بها أحكامها الشرعية ومواقفها الفقهية.

ولذلك، فإن أي مرحلة زمنية إنما هي مرحلة تحدث فيها أفعال الناس وتقام فيها أنماط عيشهم وأوضاع سياستهم، ولهذا كله حكمه في الشرع ودليله من القرآن أو من السنة أو منهما معا، أو من اجتهاد مبني عليهما ومستخلص منهما، وهذه هي عظمة دين الإسلام وصلاحية شريعته.

كما أن فهم هذه المرحلة وتنزيل أحكامها الشرعية عليها إنما هو من صميم العمل الأصولي والنظر الاجتهادي، وهو من قبيل التعبد بالدين والعلم، ومن ضروب تفعيل علوم الشرع في الواقع وتأصيل المواقف وتجديد التفقه وتحسينه وتعميقه.

هامش

  • [1] لكل علم موضوعه، فعلم الطب موضوعه بدن الإنسان من حيث صحته وأمراضه وأدويته، وعلم المقاصد موضوعه المصالح والمفاسد، وعلم أصول الفقه موضوعه الأدلة الكلية والأحكام الكلية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.