شعار قسم مدونات

على هامش الكارثة

زلزال المغرب - منطقة أسيف نونزال تضم34 قرية دمرت كلها تقريبا
لحظة تهتز فيها الأرض أو تنهمر بها السماء أو تعصف بها الريح فتنهي حياة وتقلب أخرى (الجزيرة)

أكاد أجزم بأن ضحايا الزلزال وضحايا الإعصار -رحمهم الله- قد باتوا ليلتهم كما بتناها بأحلام وآمال وطموحات متشابهة لا يميزها شيء عن أحلامنا سوى أنها اختفت تحت الركام وبين الأمواج، أما أحلامنا فما زالت على قيد الأمل، وما زلنا نحلم ونرجو.

وقفة تأمل

إذا كان هذا هو الفرق -وهو كما رأينا حدث بلمح البصر- فلا بد إذن من وقفة نتفكر فيها في ما قد تدمره لحظة تهتز فيها الأرض أو تنهمر بها السماء أو تعصف بها الريح، فتنهي حياة وتقلب أخرى، لحظة تتضاءل فيها الأحلام، وتختصر فيها الطموحات بطلب الخلاص والنجاة، حيث لا مكان إلا للفرار ولا وقت إلا للهرب ولا سعي إلا صوب السلامة، فالروح هي الأغلى، والبدن هو الأثمن، وبسلامتهما وسلامة من نحب تنحصر كل المطالب وتختصر كل الغايات.

وأي سبيل يمكن أن يفتش عنه الإنسان في تلك اللحظة إلا سبيل النجاة، وأي طلب يمكن أن يلح به إلا طلب الإنقاذ، فلا أمنيات له ولا أحلام ولا طموحات سوى ما كان قبل ساعات فارغا عن التفكير به وربما عن إدراك قيمة وجوده.

إن الالتفات إلى الموجود بعين مبصرة وقلب راض والاهتمام به اهتماما واعيا وشاملا يحمينا من السقوط في حفرة التقصير بحق أنفسنا وغيرنا ويجمّل حياتنا

بين الرخاء والشدة

مع أنه هو ذاته الذي قد يسأل نفسه في أوقات الرخاء: ماذا أريد من الحياة؟ ولماذا لا أكتفي منها؟ إلا أنه في أوقات الشدة لا يجد لهذين السؤالين محلا، بل على العكس فإن كان ثمة سؤال يمكن أن يطرح فهو: ماذا تريد الحياة مني؟ ولماذا لا تتركني وشأني؟! وكأن أحلام الإنسان ومطالبه تختفي أو تتضاءل فجأة من طموح الوصول إلى طلب الخلاص.

من الرضا إلى الطموح

وهذا ما قد يقودنا إلى التساؤل عن الأسباب التي تدفع بعضنا إلى الغفلة عما بين أيديهم من السعادة، بالتعلق دوما بانتظار غائب مرتقب وكأن مواكب الفرح لا يمكنها أن تنطلق إلا بوصوله، فيقضون أعمارهم بين محطات الانتظار منشغلين برصد المستقبل عن إدراك ما في اللحظة من جمال وما في المكان من سعادة.

ولكم فوتت قلوب لحظات الاستمتاع بالتفاصيل الصغيرة الحاضرة وهي تترقب الوصول إلى غيرها، وهذا هو المعنى الذي رمي إليه بإثارة التساؤل السابق والذي لا يقصد به منافاة الطموح بل تأطيره بالطموح الذي ينطلق من الحمد والرضا حتى لا يفقدنا سعادة يومنا بصرف أذهاننا عن إدراك ما فيه من نعم.

الالتفات إلى الموجود

حتى النعم التي يطرأ عليها التعود كالمأكل والمشرب والصحة والمأوى والرفيق تستحق أن تقدر أكثر شكرا واستمتاعا، ومثلها كل التفاصيل التي قد لا نلتفت إليها كشرب فنجان قهوة على قارعة طريق فارغ من الضحايا عامر بالأمن والأمان.

إن الالتفات إلى الموجود بعين مبصرة وقلب راض والاهتمام به اهتماما واعيا وشاملا يحمينا من السقوط في حفرة التقصير بحق أنفسنا وغيرنا ويجمّل حياتنا، وهو في الوقت ذاته لا يتعارض مع الجد والاجتهاد في طلب الوصول إلى الغايات، بل يضمن لنا رحلة آمنة تكاد تنعدم فيها المخاطر الناجمة عن الإهمال والانشغال، ومرضية تمنحنا فرص الاستمتاع بالمتاح دون تأجيل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.