شعار قسم مدونات

الخارجية السودانية واتجاهات بوصلة ما بعد المعارك

هدر سنوي لمياه الأمطار والأنهار بالسودان
مشروع الجزيرة الزراعي (وسط السودان) يعد أكبر المشاريع في أفريقيا وأكبر مزرعة في العالم بإدارة واحدة (الجزيرة)

يتمتع السودان بموقع جيوسياسي مميز بين جيرانه في شمال شرق أفريقيا بمساحة مليون و822 ألف كيلومتر مربع، وهو بذلك ثالث الدّول من حيث المساحة في أفريقيا ومن الـ20 دولة الأكبر مساحة في العالم، فهو يمثل موقع القلب لجسد القارة الأفريقية بتمتعه بساحل طويل على امتداد الجانب الغربي من البحر الأحمر يبلغ 853 كيلومترا.

السودان يتربع في محيطه الأفريقي والعربي بامتلاك أراض زراعية شاسعة تبلغ 200 مليون فدان في القطاعات المروية والمطرية لم يتمكن من استغلال ربعها لعدم الاستقرار السياسي ولعدم وجود الإمكانيات المالية والفنية اللازمة

المقدرات الزراعية والمائية للسودان

لقد حبا الله السودان بموقعه المميز الذي تمت الإشارة إليه، وقد شحت موارد الأرض الطبيعية وأصبحت مشكلة الغذاء في المستقبل هاجسا يؤرق العالم المعاصر، فإن السودان يتربع في محيطه الأفريقي والعربي بامتلاك أراض زراعية شاسعة تبلغ 200 مليون فدان في القطاعات المروية والمطرية، ولم يتمكن من استغلال ربعها لعدم الاستقرار السياسي ولعدم وجود الإمكانيات المالية والفنية اللازمة.

وتكشف المعلومات الصادرة عن وزارة الري والموارد المائية (مركز الإحصاء والمعلومات) أن للسودان ثروة مائية تقدر بـ433.5 مليار متر مكعب بواقع 18.5 مليار متر مكعب من مياه النيل، و10 مليارات من روافده، و400 مليار من مياه الأمطار، و5 مليارات من المياه الجوفية، وتقول المعلومات الرسمية إن مشروع الجزيرة الزراعي يعد أكبر المشاريع في أفريقيا وأكبر مزرعة في العالم بإدارة واحدة، ويقع المشروع وسط السودان بين النيلين الأزرق والأبيض في السهل الطيني الممتد من منطقة سنار إلى جنوب الخرطوم والذي تم إنشاؤه في عام 1925.

السودان يمتلك 150 مليون رأس من الماشية (أي نحو 4 أضعاف ما تملكه هولندا من الأبقار والأغنام والإبل) تعد من أجود أنواع اللحوم الطبيعية في العالم لاعتمادها على آلاف الأفدنة من المراعي الطبيعية

قطاع الثروة الحيوانية

وفي واحدة من أهم الميزات العديدة الأخرى، وفق آخر إحصائية لوزارة الثروة الحيوانية في السودان عام 2008، فإن السودان يمتلك 150 مليون رأس من الماشية (أي نحو 4 أضعاف ما تملكه هولندا من الأبقار والأغنام والإبل) تعد من أجود أنواع اللحوم الطبيعية في العالم لاعتمادها على آلاف الأفدنة من المراعي الطبيعية.

يحتل السودان المركز 13 عالميا والثالث أفريقيا في إنتاج الذهب، إذ ينتج نحو 80 طنا سنويا، في حين تقدر الاحتياطات غير المستغلة بنحو 1550 طنا

المعدن الأصفر

إن البلاد تتمتع باحتضانها العديد من المعادن، مما أسال لعاب عديد من الدول في الجوار الإقليمي والدولي، وفي مقدمة هذه المعادن المعدن الأصفر، ويحتل السودان المركز 13 عالميا والثالث أفريقيا في إنتاج الذهب، إذ ينتج نحو 80 طنا سنويا في حين تقدر الاحتياطات غير المستغلة بنحو 1550 طنا، وحسب إحصاءات وزارة المالية والاقتصاد الوطني، فإن الذهب يمثل نصف صادرات السودان، فبلغت عائدات التصدير في النصف الأول من العام 2022 نحو 1.3 مليار دولار، وحسب المعلومات، فإن نسبة الذهب المهرب تبلغ نحو 80% من الإنتاج.

الثروة النفطية في السودان

فضلا عن معادن أخرى عديدة تحتضنها أرض السودان، فالذهب الأسود (النفط) يوجد بكميات واحتياطات مقدرة في عديد من المربعات النفطية المنتشرة في كافة مناطق البلاد ويبلغ احتياطي السودان من النفط المؤكد 6.8 مليارات برميل (2010) أي قبل انفصال جنوب السودان، وهو بهذا يحتل الرقم 20 في العالم، ويمتلك السودان احتياطات مؤكدة من النفط تبلغ 1.5 مليار برميل بنهاية 2020، من دون تغيير منذ انفصال جنوب السودان عام 2011، وذلك وفقا لبيانات شركة "بي بي" البريطانية.

القوى السياسية السودانية لم تحفل بما يمتلكه السودان من مقومات ضخمة تؤهله للنهوض التنموي والاقتصادي وتقديم أنموذج طموح ينعم به أهل البلاد ويقدم مثالا للإقليم والعالم أجمع

الحرب العظة والاعتبار

ومن الواقع السوداني المشهود والمرير، فإن القوى السياسية السودانية لم تحفل بما يمتلكه السودان من مقومات ضخمة تؤهله للنهوض التنموي والاقتصادي، لكن تلك القوي على مختلف مشاربها وتوجهاتها ظلت في عراك وتجاذب واستقطاب سياسي حاد وسالب منذ الاستقلال والفكاك من الاستعمار البريطاني للسودان (1899-1956).

لقد وفرت الحرب العظة والاعتبار لمن يعتبر، إن الدرس الذي توفر ينبغي أن يتمثل في الاستعداد لبناء دولة المؤسسات والقانون والتخلي عن الاستقطابات السياسية غير المجدية والابتعاد عن الارتباطات الخارجية التي لا تعير أدنى اهتمام للسودان وأهله فهي تريد "ذهب المعز وسيفه".

ولا بد من صياغة الضوابط التي تجرم الأحزاب والجماعات والكيانات الأشخاص الذين يرتبطون بأي تحالفات أو علاقات مشبوهة أو كانت سببا في قيام الحرب فعلا أو تصريحا أو تلميحا.

السودان يحتاج لبناء علاقات إقليمية ودولية راسخة عنوانها الاحترام المتبادل للمنافع السياسية والاقتصادية والتجارية، وذلك ما يعيد للدولة مكانتها الإقليمية والدولية المفقودة

مرحلة البناء المؤسسي للعلاقات الخارجية بعد الحرب

لقد فتح الواقع السياسي السوداني المعقد الباب واسعا أمام الافتكاك من ارتهان التوازنات الداخلية بين شركاء الحكم في السودان لتوجهات القوى الخارجية الكبرى، والتي قد تشهد تغيرات جوهرية في المستقبل استجابة لمتغيرات داخلية أو إقليمية أو دولية متعددة ويحتاج السودان لبناء علاقات راسخة عنوانها الاحترام المتبادل للمنافع السياسية والاقتصادية والتجارية.

الدبلوماسية السودانية الأعراف وحدود اللياقة

إن بعض السودانيين يتمزق ألما لحال وضعنا في تعاطي الدولة مع البعثات الدبلوماسية المقيمة في الخرطوم، وقد أطلقت العنان لتحركاتها وأنشطتها داخل بلادنا بلا حسيب أو رقيب، خاصة في الفترة التي أعقبت التغيير منذ أبريل/نسيان 2019، بل إن بعض السفراء تجاوزت فترة تمثيلهم بالبلاد 12 عاما، ولعل السودان سمح فقط لتمديد فترة بقاء السفير لأطول فترة ممكنة لسفراء محددين كان نشاطهم وتمثيلهم إيجابيا أو أن لبلادهم علاقات راسخة مع السودان كالسفير الكويتي عميد السلك الدبلوماسي العربي بالخرطوم الراحل السفير عبد الله السريع، الذي عمل دبلوماسيا لبلاده في السودان متنقلا بين الخرطوم وجوبا بين عامي (1974-1990) والذي يحفظ له ولبلاده الكويت تنفيذ عديد من المشروعات التنموية الإستراتيجية بالسودان أو السفير الفلسطيني أبو رجائي الذي امتدت فترة عمله إلى 21 عاما بالسودان (1985-2006)، وذلك للمكانة الخاصة للقضية الفلسطينية في نفوس أهل السودان، وكان ذلك مفهوما ومقبولا.

وعهدنا بالدبلوماسية السودانية أنها طردت دبلوماسيين من قبل تجاوزوا النظم الدبلوماسية المرعية، كالسفير البريطاني الأسبق بالخرطوم ألن قولتي عام 1999، وكانت الحكومة السودانية قد طردت من قبل عام 2007 كلا من ممثل المفوضية الأوروبية بالخرطوم السويدي كينت ديغرفيلت والقائمة بالأعمال الكندية نوالا لولور، بحجة تدخلهما في الشؤون الداخلية للبلاد، وغيرهم من الدبلوماسيين، كما أنها وبخت السفيرة البريطانية المغادرة للسودان روزاليند مارسدن عام 2010، وأنها استدعت ولفتت نظر عديد منهم ووبخت وأنذرت آخرين.

وأنا أكتب في هذا المقال عن الحال الذي آلت إليه السياسة الخارجية السودانية، استدعت ذاكرتي قصيدة رمزية للشاعر السوري عمر أبو ريشه تشابه أو تماثل حال السياسية الخارجية السودانية، وعنوان القصيدة "العقاب الهرم" التي يقول أبو ريشه في بعض أبياتها:

أصبح السفحُ ملعبا للنسور.. فاغضبي يا ذرى الجبال وثوري

إن للجرح صيحة فابعثيها.. في سماع الدنا فحيح سعير

واطرحي الكبرياء شلوا مدمى.. تحت أقدام دهرك السكير

إنه لم يعد يُكحلُ جفنَ النجم.. تيها بريشه المنثور

هجر الوكر ذاهلا وعلى عينيه.. شيء من الوداع الأخير

هبط السفح طاويا من جناحيه.. على كل مطمح مقبور

لا تطيري جوابة السفح فالنسرُ.. إذا ما خبرته لم تطيري

فهل أضحى حال دبلوماسيتنا كحال العقاب الهرم كما صورها عمر أبو ريشه؟ والسؤال هنا لم غابت هذه الروح وهذا الحق عن الدبلوماسية السودانية؟ وهل خف وزن البلاد السياسي نتيجة للواقع السياسي والأمني المضطرب بالبلاد؟ وهل أن الخارجية السودانية لا تستطيع استدعاء سفراء بعض الدول أو تطلب منهم مغادرة البلاد؟ وما النتائج المترتبة على استباحة السفارات الأجنبية البلاد بطولها وعرضها، ومن يتحمل المسؤولية في كل ذلك؟

وهل من الممكن أن تضع الخارجية السودانية حدا لما يحصل وتعيد للبلاد حقها ووزنها ومكانتها الدبلوماسية التاريخية المرموقة على الساحتين الإقليمية والدولية والتي بناها على مدي سنوات دبلوماسيون وسفراء سودانيون سابقون حفروا عميقا أسماءهم في الذاكرة الوطنية والدولية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.