شعار قسم مدونات

القتل الرحيم للكنيسة الإنجليزية!

لندن_كاتدرائية ويستمنستر_المكان الذي ستجري فيه عملية دهن الزيت المقدس خلال مراسم تتويج الملك البريطاني-الصورة من موقع العائلة الملكية
الغاية التي ينظر إليها بنثام من وراء الانقلاب على الكنيسة هي القضاء على السلطة التشريعية للأساقفة (الجزيرة)

كان الفيلسوف البريطاني جيريمي بنثام (1748-1832م) -مؤسس مذهب "النفعية"- أحد المعاول الحادة التي أسهمت بفعالية كبيرة في تدمير النظام السياسي والديني والأخلاقي الغربي القديم، وتأسيس النظام الجديد الذي أخذت قواعده وملامحه تتشكّل على امتداد القرن 19م. كانت نظرة بنثام الإصلاحية نظرة انقلابية شمولية بكل معنى الكلمة، انطلاقا من نظريته النفعية التي تقوم على المتعة والألم. وقد استعرضنا في المقال السابق كيف قادت أفكاره الانقلابية المبكرة ثورة الإباحية الجنسية الغربية، بصورة لم يسبقه إليها أحد في زمانه. وعلى المنوال نفسه، سارت أفكاره الانقلابية على الدين، في محاولة لإزالة كافة العوائق التي تحول دون اكتمال المتعة عند الإنسان، وذلك عن طريق تدمير المؤسسة الكنسية، وتبنّي الرؤية الماسونية الخاصة بالإله والدين، بطريقة أكدت لكثير من الباحثين علاقته بالحركة الماسونية رغم توفّر مستندات تثبت ذلك حتى الآن.

يرى بنثام أن الدين شرّ لا هوادة فيه؛ لأنه إذا كان الرجل يؤمن بالفعل بحقيقة الدين، فإن تطبيق الثواب أو العقاب لغرس الإيمان فيه أمر لا داعي له، وإذا كان لا يؤمن بالفعل فمن الشر محاولة غرس الإيمان فيه عن طريق ممارسة قوة قسرية مرهقة عليه.

نحو تحرير الدين

يرى بنثام أن الدين المسيحي نوع من الشخصيات والحكايات الخيالية، من دون أن ينفي وجود إله للكون، داعيا إلى التمييز بين "محبة الرب" و"الخوف من الرب"، متبنّيا الرؤية الدينية للإله المتبلورة في فكرة "الكائن الأسمى" المحب والخيّر، وداعيًا الرجال إلى أن يتصرفوا تجاه بعضهم البعض بالطريقة اللطيفة والمتسامحة نفسها، وهي دعوة مباشرة لتبني الأفكار الماسونية.

أمّا الاعتبار الذي يضعه بنثام للدين فهو بقدر تأثيره على سعادة الحياة الدنيا، فإن ما يخص الحياة الآخرة فليس له عنده أي اعتبار، على أساس أن هذه الحياة لا تدخل في نطاق عمل المشرع القانوني. وكان يعتقد أنه من خلال تحرير الدين من قبضة المؤسسة الكنسية سيصبح المعتقد الديني خاضعا لحكم الأشخاص الذين يتصرفون لمصالحهم الخاصة، ويقررون بأنفسهم إذا كانت حالهم كمؤمنين دينيين -أو متدينين- تؤدي إلى سعادتهم الشخصية أم لا. ويرى أن المجتمع النفعي مجتمع تعمل فيه الدولة بنشاط للقضاء على الدين. وهو يرى أن تأسيس الدين شر لا هوادة فيه؛ لأنه إذا كان الرجل يؤمن بالفعل بحقيقة الدين فإن تطبيق الثواب أو العقاب لغرس الإيمان فيه أمر لا داعي له، وإذا كان لا يؤمن بالفعل فمن الشر محاولة غرس الإيمان فيه عن طريق ممارسة قوة قسرية مرهقة عليه.

ويرى بنثام أنه إذا كان الناس في نهاية المطاف سيتخلون عن معتقداتهم الدينية، ويتجنبون المعاناة التي ينتجها الدين، فإن الإكراه الحكومي لن يكون الحل، بل على العكس من ذلك، يحتاج الأفراد إلى أن يكونوا أحرارا في الدخول في محادثة مفتوحة مع بعضهم البعض حول حقيقة وفائدة معتقداتهم الدينية وغيرها من المعتقدات، وأن دور المشرع (السلطة التشريعية) هو خلق الظروف التي يمكن من خلالها حدوث مثل هذا النشاط، من خلال السماح بحرية التعبير، وضمان حرية الصحافة، مع احترام الحرية الدينية.

وفي مقالة لاحقة له بعنوان "الأساس المنطقي للقانون الدستوري"، ذهب بنثام إلى أبعد من ذلك حين شدد على أنه لا ينبغي أبدا استخدام سلطة الحكومة لإنشاء أي نظام أو مادة تتعلق بمسألة الدين.

الغاية التي كان ينظر إليها بنثام من وراء الانقلاب على الكنيسة هي القضاء على السلطة التشريعية للأساقفة، وفصل الدين عن الدولة والمجتمع، والتخلّص من تحالف الفساد الذي يجمع بينهم وبين الطبقة الحاكمة

تدمير "الدين المنظم"

في كتابه "كنيسة إنجلترا"، وجّه بنثام هجومه الحادّ ضد ما يسميه "الدين المنظم"، متمثلا في المؤسسة الكنسية الإنجليزية التي يتهم رجالها بأنهم يقومون بتعميق الدين في حياة الناس من أجل استغلاله لمصالح شخصية شريرة، إذ يبتزون فيها مبالغ هائلة من السكان، ويديرون نظاما تعليميا احتياليا أخضع الأطفال لسلطتهم، مستغلين التحالف الفاسد للكنيسة والدولة من أجل تعزيز وحماية قوتهم وثرواتهم الدنيوية.

كان الهدف الظاهري من برنامج بنثام الإصلاحي هو إزالة "الأذى الكبير" الذي تسببه المؤسسة الكنسية للأخلاق والحكم الرشيد. أما إزالة الأذى الذي لحق بالأخلاق فبالقضاء على رجال الدين الفاسدين الذين أخضعوا رعيتهم وخدعوهم ونهبوهم بدل خدمتهم، وأما إزالة الأذى الذي لحق بالحكم الرشيد فبالقضاء على مصدر التأثير الفاسد والمفسد في المجتمع. حيث كان بنثام يعتقد أنه بتحرير المعتقد الديني من السيطرة القسرية لفئة من الرجال الذين يخدمون أنفسهم، فإن كثيرين سيصبحون أحرارا في التصرف وفقا لمصالحهم الخاصة، ويمكن للأفراد بعد ذلك أن يقرروا بأنفسهم إذا كان الاستمرار في دين المسيح أو أي دين آخر سيسهم في زيادة سعادتهم الشخصية أو تقليصها.

ومن هنا، وضع بنثام من بين أهداف كتابه "كنيسة إنجلترا" ضرب نظام التعليم الذي ترعاه الكنيسة ويقوم بتدريس التعليم المسيحي ومبادئ كنيسة إنجلترا التي يعدها وسيلة ساخرة لتجنيد وإخضاع أتباعها، وإخفاء ممارساتها عن التدقيق المالي العام، بالتواطؤ مع الجمعية الوطنية، التي ادعى بنثام أن هدفها هو المساعدة في الحفاظ على انتهاكات المؤسسة الكنسية كما هي دون إصلاح، حيث تغلغلت المصلحة الشريرة في رجال الدين لأنها تغلغلت في الأعضاء الآخرين في القلة الحاكمة غير المرئية، كالمحامين والقضاة والسياسيين.

ومن هنا تشكّل لدى بنثام الاقتناع بأن هذا الجشع والفساد لن ينتهيا ما لم تفقد الكنيسة مصداقيتها تماما، رغم أن الاستخفاف بالمؤسسة الكنسية يهدد حتما احتمال تحقيق الإصلاح، حيث كانت المؤسسة التي يمكن لأعضائها الحاكمين استدعاء كل من الرب والتاج؛ تتمتع بامتياز فريد لإخفاء مخالفاتها أو التحقق من صحتها. فقام بنثام بوضع مقترحات لحل الطبقة الكنسية في نهاية المطاف، وتفكيك الكنيسة الإنجليزية كجزء من برنامج إصلاحي جذري، مستهدفا في النهاية كنيسة إنجلترا نفسها.

وكما لجأ بنثام إلى الاستشهاد بالكتاب المقدس لتدعيم أفكاره الخاصة بإطلاق الإباحية الجنسية لتحقيق الإشباع الجنسي خارج إطار الزواج الديني، فقد فعل الشيء نفسه لتشديد الهجوم على المؤسسة الكنسية، محتجًا بأن المسيح (عليه السلام) لم يوجِّه بتأسيس الدين على هذا النحو، ولم يطلب إعطاء المال لأولئك الذين قالوا إنهم يؤمنون بتعاليمه، أو الذين علَّموا الآخرين أن يؤمنوا بها، ولم يدعُ إلى تطبيق العقاب على أولئك الذين فشلوا في الإيمان بتعاليمه.

كان بنثام يعد رجال الدين بمثابة العقارب التي تلدغ الناس، وأنهم أشرار فاسدون، متحالفين مع الطبقة الحاكمة لتحقيق المصالح الشخصية المشتركة. ومع ذلك؛ لم يمنعه هذا العداء تجاه رجال الدين من التوصية بتجريد كهنوت كنيسة إنجلترا من سلطته ومكانته وثروته الباهظة تدريجيا ومن دون ألم قدر الإمكان. معتقدا أن العلاج الأكثر فعالية والمبرر أخلاقيا لمشكلات "الدين المنظم" في إنجلترا يكمن في ما أسماه "القتل الرحيم"، أو "الموت الحسن" للكنيسة، نظرا لأن معظم الناس في إنجلترا يؤمنون بالمسيحية، وأنهم سيعانون من الألم إذا أحبطت فجأة توقعاتهم بالاستمرار في الدين الذي كانوا عليه. ومن هنا اعتقد بنثام أن برنامج الإصلاح الكنسي القائم على مبدأ تحقيق "أكبر سعادة لأكبر عدد" قد يبدو من المؤكد أنه سيشمل -من بين تدابير أخرى- تخفيضًا فوريًا وحادًا في أجور الكهنة، إن لم تكن مصادرة صريحة لأصول الكنيسة، وتليها إعادة توزيع عادل للفائض.

حيث يرى بنثام أن الإحساس المؤلم بخيبة الأمل الذي سيشعر به أي رجل دين تم تجريده من ممتلكاته وازدهاره سيؤدي إلى تعقيد أوضاعه بشكل كبير. كما هي الحال مع العديد من الأفراد ومعتقداتهم الدينية، فقد كان لدى رجال الدين توقع ثابت بالاستمرار في الثروة التي اعتادوا عليها، بحيث تؤدي مصادرتها من دون موافقتهم إلى معاناتهم من ألم كبير. لذلك كان التحدي الذي واجهه بنثام هو وضع أعمال التعليم الديني والعبادة "على أساس مفيد للمصالح المشتركة للتقوى والأخلاق والاقتصاد، مع أقل قدر ممكن من الاضطراب للعادات والتوقعات والممتلكات. ومن هنا راعى بنثام في الإجراءات التي وضعها لإنهاء سلطة الكنيسة في الدولة، ألا تسبب آلاما مبرحة وأزمات كبيرة للأساقفة والقساوسة الذين كانوا يتمتعون بامتيازات كبيرة مادية ومعنوية.

كانت الغاية التي ينظر إليها بنثام من وراء الانقلاب على الكنيسة هي القضاء على السلطة التشريعية للأساقفة، وفصل الدين عن الدولة والمجتمع، والتخلّص من تحالف الفساد الذي يجمع بينهم وبين الطبقة الحاكمة، وضمان أنه طالما استمرت المسيحية في إنجلترا، فإن السمات المشتركة للعبادة الدينية ستتمثل في الكفاءة والبساطة والاقتصاد.

انتشرت هذه الأفكار سريعا، وحققت رواجا كبيرا تمثل في الانهيارات المتتالية لسلطة الكنيسة في الدول الأوروبية، وإطلاق الحرية الدينية لأفرادها، وتنحية الدين الكاملة من الحياة وإلغائه من قاموس السلطات الأساسية في الدولة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.