شعار قسم مدونات

أي كبير الحق أكبر منه

blogs قراءة القرأن
عقلاء الدين أولئك الذين يدركونه من جوهره وأعماقه ومن حيث غايته وأهدافه (رويترز)

نشرت صفحة الشيخ يوسف القرضاوي -رحمه الله- على فيسبوك اقتباسين متتالين، كان مضمونهما يشير إلى فكرة واحدة: لا ضير أن يعدل المرء عن رأيه. بل من الواجب أن يراجع الإنسان أفكاره. وللتوثيق كان الاقتباس الأول عن رسالة الفاروق عمر في القضاء إلى أبي موسى الأشعري. والثاني، عن كيف كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يراجعه أصحابه. (18 أغسطس/آب 2023).

في الاقتباسين قال القرضاوي -رحمه الله- كثيرا من الكلام المهم والدقيق جدا. وكانت تكمن أهميته حول ما كان يشير إليه أو عن الذي لم يقُله. ومن يتابع صفحته على فيسبوك، ويقرأ تلك السطور القليلة، يدرك أن الرجل حبس كثيرا من الأشياء (كما حبس مسألة حد الرجم قرابة عشرين عاما من الكتمان، خوفا واحتراما لحساسية المجتمع المسلم، الذي يرى وجهة النظر فيها طعنا في مسلماته الدينية)، أو قالها بأحاديث غير مباشرة، أو ربما لها تفصيلات مستفيضة في أحد مجلدات موسوعته التي صدرت مؤخرا.

حديثه عن عدول المرء عن رأيه، وأهمية المراجعة بين الحين والآخر. لم يكن عبثا. بل كانت تحدث معه بشكل شخصي ومباشر. ففي بدايته كانت له آراء عدل عنها فيما بعد. نشر أحد تلامذته وهو "عصام تليمة" مقالا على صفحته في فيسبوك تحدث فيه عن مناقشات مهمة، كان يجريها معه، أو في مجالس محاوراتية علمية في مسائل تمنى -عصام- لو أن الشيخ يكتبها. وقال إنه وجد بعضها في موسوعته، مشيرا إلى أن هناك أشياء مهمة كان يسمعها منه، لم تكتب. وكان للشيخ آراء ومواقف واضحة فيها.

وهذا هو المنهج القويم والسليم في التعامل مع شروحات الإسلام في كل زمن، بحيث يُترجم واقعية قاعدة: "أنه صالح لكل زمان ومكان". في كل زمن تُخلق حياة جديدة، واتجاهات وسلوكيات وأفكار وأحلام وحركات حية.. فكيف سيتعامل الإسلام مع هذا الواقع؟ هذا السؤال الذي أخذه الشيخ -رحمه الله- على عاتقه. وهو السؤال الذي يدركه عقلاء الدين. أولئك الذين يدركونه من جوهره وأعماقه، ومن حيث غايته وأهدافه.

وعنواني هذا، اقتبسته من منشور مختصر نُشر -أيضا- في صفحته بموقع فيسبوك. في بداية سبتمبر/أيلول الجاري، أثناء مراجعتي الأخيرة لنص المقالة قبل الإرسال بها.

في كتابه "المجتمع المسلم الذي ننشده"، يتحدث عن حد الردة كونه جزاء من يبدل دينه "القـتل"، ويقول "ومن ثمّ أجمع فقهاء الإسلام على عقوبة المرتد -وإن اختلفوا في تحديدها- وجمهورهم على أنها القتل، وهو رأي المذاهب الأربعة، بل الثمانية".  ويواصل حديثه، وفيها وردت "جملة" أحاديث صحيحة عن الصحابة، ويسرد ثلاثة أحاديث؛ وهي:

  • (مَن بدَّل دينه فاقتلوه).
  • (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا في ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه، المفارق للجماعة).
  • (… رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس).

الحديث الثاني الذي كان صحيحا في 1994 م. حين استشهد به عندما كتب كتابه "المجتمع المسلم الذي ننشده". صار جزءا منه في 2020 م "شريعة يهودية" على حد وصفه. وفي مرئية له منشورة على يوتيوب عن "قتل الثيب الزاني رجما حتى الموت". قال، إنه لا يوجد حد الرجم في الإسلام.

ونحن هنا لا ننظر إلى هذا من باب التناقض، ولا نأخذ ذلك هفوة عليه، كما يفعل كثيرون حين يختلفون مع الآخرين، أو ممن ليسوا على وفاق مع فكره. بل نرى ذلك عين الصواب، وسمة عظيمة تنمّ عن شيخ جليل لا يكابر بل يتبع الحق متى أيقنه عقله، وكلما توسعت معارفه ومداركه مع مرور الزمن. وقلّ من نجدهم من العلماء والمفكرين الإسلاميين بهذه المرونة، والنظرة الثاقبة، التي لا يحركها سوى الحق المبين.

بينما موقفه ورأيه من عقوبة حد الردة، لا يزال كما هو، أو ربما غيّره، في أحد مجلداته في موسوعته. أو كما أشار تلميذه "عصام تليمة" أن هناك كثيرا من الأراء المهمة كان يطرحها في مجالسه أثناء أيامه الأخيرة. وعلى كلّ وإن ظل ذلك الرأي كما هو ولم يجرِ عليه أي تعديل. فسيبقى له مجرد اجتهاد، في مسألة لا يزال الاختلاف والجدل حولها على أشده. ولكن بما أنه قد أنكر جزءا من الحديث الذي استدل به في أواخر القرن الماضي، (عن قتل الثيب الزاني) لا يستبعد أنه يكون قد أنكره كاملا، أو ربما كان قد أعاد النظر في الجزء الآخر منه "عقوبة حد الردة". إذ أن الأمرين بالحديث نفسه معا. وهو ما يجعلنا نحتمل أن تكون له وجهة نظر مختلفة عما سبق واعتقده. والله أعلم.

هناك مفكرون إسلاميون كُثر أعادوا النظر في تلك المسألة. وكان الدكتور طارق السويدان قد قدّم قراءة ربما هي الأقرب للمنطق والصواب. وقال في تصريح مسجل له، "إن ما قام به الصحابي الجليل أبو بكر، حق سياسي مشروع ضد انقلاب مكتمل الأركان على الدولة الإسلامية الوليدة. لم تكن تلك الحرب على أساس ديني؛ لأن كل الآيات الواردة في القرآن الكريم عن هذه المسألة لا تشير بأي إشارة إلى قتله. بل إلى الحرية الدينية والحساب الأخروي". ويستشهد بجملة من الآيات القرآنية قائلا، يقول -تعالى- في كتابه الكريم:

  • ((فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ))، الكهف/29.
  • ((لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ))، الكافرون/6.
  • ((وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ))، البقرة/217.
  • ((فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ))، ق/45.

برغم ذلك لا يزال هناك كثير ممن لهم حججهم وأدلتهم التي يدحضون بها هذا الرأي. ولا تزال المسألة حتى اللحظة عالقة في المنتصف بين رأيين.

ونحن هنا لسنا بصدد الإفتاء بذلك، فلست بشيخ دين ولا عالم في أصول الفقه. ولكننا نتتبع طرق وأساليب الشيخ الجليل يوسف القرضاوي -رحمه الله- في التعامل مع أهم المرويات وأكثرها حساسية. إذ نجده لا يتوانى لحظة حين يدرك الحق ويستبصر الحقيقة عن إعلانها، وإن كان قد سبق وقال شيئا آخر. وتلك طريقته في التجديد، في المدرسة العظيمة التي أرسى قواعدها بكل حكمة.

ربما قد يقفز بعض المتابعين في وجهي غاضبا: من أنت حتى ترى؟ وقبل أن تقفزوا -برغم أن القفز في زمن اليوم زمن المعرفة قد أصبح شيئا من الماضي- فإن بعض الناس لا يزال يمتطي صهوة الجواد ويمارس القفز. أنا إنسان عادي جدا. ولم ير من ذاته، وليس محرما عليه سبر الأغوار والرؤية. ولكنه شخص توفرت لديه وسائل المعرفة، واستخدمها في الحصول على المعلومة، تلك المعلومة التي كانت بالأمس محدودة المصادر. وبمجرد انتشار تلك المعلومات، تتفجر حولها الأسئلة. هذا الأمر بات اليوم أي شخص قادر على فعله بكل سهوله.. حتى أولئك الأشخاص من سريعي "التشنج" والقفز، لولا أنهم قد وضعوا أمام عقولهم "زربة".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.