شعار قسم مدونات

السومانية.. تجربتي الأدبية

السومانية يمكن وصفها بأنها مغادرة مؤقتة للهوية لصالح هويات أخرى (شترستوك)

قد يكون هذا المقال ترفا، أو خارجا عن سياقات الأزمة السودانية، لكنني أكتبه الآن لئلا تبقى الكتابة عن السودان محصورة في أزمته، وإنّ فكرا ينحصر في حدود الأزمة سيغدو مأزوما، وعلى أي حال، فإن السومانية ذلك المفهوم المشير للكتابة عن الهويات المجاورة، والذي تناوله تقرير على الجزيرة نت، إذ يتناول تقمص الهويات عند الأدباء بصورة من الصور، وسك هذا المفهوم بعض أدباء اليمن المقيمين في السودان، أو المتسودنين.

يمكن القول بأن السومانية ليست حالة فردية، ولا حصرية باليمنيين في السودان، ولا بالسودانيين المتأثرين باليمن، بل هي حالة عامة يمكن وصفها في السياق العام بأنها نتاج البحث عن التشابهات، والمقارنات، والأزمات العابرة، والاستمتاع باستكشاف الهويات المجاورة.

شخصيا، وفي مجموعتي القصصية "أهو هو؟" كنت أمارس السومانية من دون وعي بمسماها، ولا أدعي سبقا في هذا الباب، فإسماعيل فهد إسماعيل تناول وهران والجزائر في إحدى رواياته، وكذلك فعل سعود السنعوسي في روايته "ساق البامبو"، إذ حدثني شخصيا أنه سافر للفلبين، واضطر لأكل الموز المشوي، والتعرف على رائحة الأشياء، ليتمكن من كتابة قصته بشكل دقيق، وصحيح، والأهم معبِّر.

ما حدث لي شخصيا هو نتاج خبرات ذاتية مع تنوع الصداقات من القطريين، للعراقيين، والفلسطينيين، مرورا بالسوريين، انتهاء بالمصريين، تعريجا على التخصصات العابرة كمقارنة الأديان، والاهتمامات الأدبية، وهنا تتكون لدى الكاتب ذخيرة فكرية، ولفظية تتفاعل مع خبراته الأخرى، وتقدم منتجه الجديد، ولهذا فإن الشكل النهائي للمنتج كشخصيات، وحبكات، وتفاصيل لا ينضبط، أو ينحصر إنما يتحكم فيه العنصر الأساسي وهو المحتوى الفكري المكون من العاطفة، والانفعال من جهة، والأفكار الأولى التي تتشكل منها الأعمال الأدبية، إذ تقرر هذه الجزئية الشكل النهائي الذي يظهر في صورة مجسدة عبر شخصيات متنوعة.

مثلا في حالة "أهو هو"، التي تناولت معاناة البجاوي في شرق السودان، وغربة العراقي بعيدا عن وطنه، وانتظار الفلسطيني على المعابر، وغرق السوري في البحر، ومحاولات النازح من أي بلد ليعيد صياغة وجوده وكيانه من جديد، هناك بالتحديد لم تكن الفكرة بالضرورة معاناة س أو ص، لكنها الانفعال بمعاناة س أو ص في لحظة ما توافق تراكما لدى الكاتب، فيتفاعل معها، وينتقل من موقف المتفرج لموقف المتفاعل، لموقف المنفعل، ثم يتحول لمستكشف للهوية الأخرى التي يكتب عنها، وكلما كانت معايشته قريبة تمكن من إنتاج عمل أدبي مقنع.

لا يمكنك الكتابة عن شيء لم تعشه، أو لم تعايشه، أو لم تعايش ما يشبهه، لكن خروج الكاتب من معايشة الشبيه لمعايشة الخبرة كما هي، وعيشها لاحقا هو ما يسمح له بالكتابة بعمق.

وفقا لسعود السنعوسي، فإن إسماعيل فهد إسماعيل الروائي الكويتي المميز، ذهب للجزائر فقط ليشعر برائحة البحر هناك في وهران، وحسب تجربة السنعوسي فقد زار الفلبين، وتجول فيها بحرية، سمح لنفسه بتلك اللحظات المجهدة ليحصل على الخبرة التفاعلية التي تسمح له بعبور ذاته نحو الذوات الأخرى، وتقمصها ما أمكن.

السومانية يمكن وصفها بمغادرة مؤقتة للهوية لصالح هويات أخرى، والعودة، لكن العودة تكون في العادة مجازفة إبداعية، فعملية التخلص من الشخصيات، والانسحاب من عالمها مسألة هامة، وتحتاج وقتا، يصعب أن يكتب شخص بعمق، ثم يكتب أشياء أخرى.

ولهذا فإن السومانية على أي حال نتاج طبيعي للتجاور، والتشابه، والتقاربات، والخبرات المشتركة، والرغبة في الاكتشاف المتبادل، والمهم ألا يتحول الأمر لانسلاخ هوياتي، لأن هذا يبعد الأديب عن مهمته كمثقف، وشخصيا أؤمن بالمثقف العضوي ذي الرسالة الثقافية المجتمعية، فالأدب الذي يكتب للذات، يبقى أسيرها، وما ينفع الناس يمكث في الأرض.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.