شعار قسم مدونات

إعادة هندسة العلاقة الأورومتوسطية من منظور الأمن الطاقوي

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يجتمع مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (الأناضول)

عرف العالم وأوروبا خصوصا بعد الحرب الروسية الأوكرانية أزمة في الطاقة والغاز على وجه التحديد، فأصبح موضوع تأمين الطاقة من بين المواضيع الرئيسية في الوقت الراهن، حيث تتسارع كل الدول لضمان أمنها الطاقوي خاصة الدول المتقدمة بما يتماشى مع احتياجاتها وإستراتيجياتها.

وتعد أوروبا الغربية من بين أهم الدول التي تكبّدت خسائر كبيرة من تداعيات التهديدات الروسية بقطع الإمداد بالغاز، وفي مقابل ذلك اتجهت دول مثل إيطاليا إلى جنوب المتوسط -تحديدا إلى الجزائر- لضمان أمنها الطاقوي، وهو ما ترجمته الاتفاقيات العديدة التي أبرمت بين الجانبين، وأهمها ضمان إمداد إيطاليا بالغاز الطبيعي وزيادة حصتها أيضا.

التحولات التي أفرزتها الحرب الروسية الأوكرانية وتزايد مؤشرات التضخم العالمية مع تزايد الطلب على الغاز والنفط وارتفاع أسعاره دوليا، جعل دول الاتحاد الأوروبي تتجه في سباق مع الزمن من أجل التموقع في السوق الطاقوية خاصة مع دول جنوب المتوسط

لكن إذا رجعنا إلى الاتحاد الأوروبي كتكتل سياسي واقتصادي قوي، نجد أن هذا الاتحاد الذي تحكمه علاقات قوة وتعاون من المفروض أنها تقوم على التنسيق والتعاون في القطاع الاقتصادي، الذي يعتبر من بين أهم القطاعات التي قام عليها الاتحاد الأوروبي في ظل نظرية التكتل التي تعرف بالنظرية الوظيفية الجديدة، والتي أسهمت في تشكل ما نراه اليوم تحت مسمى: الاتحاد الأوروبي، والذي حدد أيضا شكل علاقاته مع دول جنوب المتوسط من خلال اتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية. إلا أن ما نلاحظه مع بروز أزمة الغاز هو أن دول الاتحاد الأوروبي أصبحت تسعى إلى حل هذه المشكلة بعيدا عن المقاربة الجماعية الأوروبية، وهذا ما تشكل من خلال صورتين هما:

  • الأولى: التباين الإيطالي الإسباني تجاه الجزائر فكل دولة تعاملت مع الجزائر كشريك طاقوي مهم، وذلك باعتبار وجود خط أنابيب ناقل للغاز باتجاه الدولتين، ففي الوقت الذي راهنت فيه إسبانيا على الوقوف إلى جانب المغرب لحسم المعضلات الأمنية على حساب أمنها الطاقوي وهو ما قد يراه البعض سوء تقدير للموقف وقد جاء في توقيت خاطئ، بحيث ورد متزامنا مع التهديدات الروسية لأوروبا بقطع إمدادات الغاز وارتفاع أسعاره، نجد في المقابل إيطاليا التي اتجهت إلى الجزائر من خلال دعم علاقاتها ووضع أولوية الأمن الطاقوي على حساب ملفات أخرى كالهجرة غير الشرعية، بل استطاعت أن تفوز بصفقات كبيرة في ظل الفراغ الذي تركته فرنسا وإسبانيا نسبيا.
  • الثانية: غياب رؤية أوروبية مشتركة في مجال الأمن الطاقوي، وهذا ما أهمل من طرف أوروبا خاصة أن بعض الدول تتجه نحو الاقتصاد الأخضر مثل ألمانيا، إلا أن التغير المناخي والأزمة الأوكرانية أدت إلى بروز عيوب أوروبا في مجال الطاقة، فكل طرف يعتمد على مقاربة خاصة، إذ نجد أن فرنسا عادت إلى رفع إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية والبعض الآخر إلى رجع الغاز المميع.

وبالتالي فإن التحولات التي أفرزتها الحرب الروسية الأوكرانية وتزايد مؤشرات التضخم العالمية مع تزايد الطلب على الغاز والنفط وارتفاع أسعاره دوليا، جعل دول الاتحاد الأوروبي تتجه في سباق مع الزمن من أجل التموقع في السوق الطاقوية خاصة مع دول جنوب المتوسط؛ والمقصود الجزائر بالأساس ثم ليبيا بدرجة أقل دون تنسيق أو تعاون فيما بينها.

وهنا نطرح تساؤلات حول جدوى الاتحاد الأوروبي خاصة مع أزمة الطاقة، وقد عرف الاتحاد أزمة من قبل خلال جائحة كورونا مع حرب الكمامات التي عانت منها إيطاليا تحديدا، وبالتالي نحن أمام لحظة حاسمة لإعادة هندسة علاقة الاتحاد الأوروبي مع نظرائه في جنوب المتوسط وأيضا فيما بين دول الاتحاد نفسها، للتكيف مع التحولات المستقبلية التي تراجعت فيها قيم الهيمنة الأوروبية على دول الجنوب.

لا بد من إعادة تقييم العلاقات الأورومتوسطية وفق منظورات تحكمها المصلحة الخاصة بكل دولة، ووفق احتياجات الاقتصاد الذي يقوم على الطاقة والغذاء في ظل تغير المناخ

ولهذا يمكننا أن نحدد سيناريوهين لهذه العلاقة وهي:

  • السيناريو الأول: تراجع الاتحاد الأوروبي ككيان موحد في القضايا الأمنية من خلال اتجاه بعض أعضائه خاصة إيطاليا وفرنسا إلى بناء علاقات طاقوية مع دول أخرى بعيدا عن المنظور الأوروبي الجماعي، والعمل على تعزيز التعاون الثنائي مما يرهن مستقبل الاتحاد ومضامين اتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية ويفقدها قيمتها أمام المصالح الخاصة بالدول، خاصة إذا استطاعت دول الجنوب كالجزائر وليبيا أن تحسّن التفاوض واستغلال الوضع لصالحها.
  • السيناريو الثاني: وهو اتجاه دول الاتحاد الأوروبي إلى وضع تصور جديد مع حل الأزمة الأوكرانية من خلال تراجع فكرة التمدد الجغرافي على حساب الأمن الطاقوي لأوروبا، فدول غرب أوروبا تدرك الآن أن التمدد شرقا في أوروبا فتح لها باب المشاكل الأمنية خاصة مع اللاجئين السوريين والأوكرانيين مما أرهق الاقتصاد الأوروبي، هذا مع التراجع الأميركي، وبالتالي فإن وضع سياسة أمنية أوروبية مشتركة أصبح مطلبا أساسيا وضروريا في الوقت الحالي والمستقبلي.

وفي الأخير، نقول إنه لا بد من إعادة تقييم العلاقات الأورومتوسطية وفق منظورات تحكمها المصلحة الخاصة بكل دولة، ووفق احتياجات الاقتصاد الذي يقوم على الطاقة والغذاء في ظل تغير المناخ وما يفرضه من تحديات مصيرية تتعلق بالأمن الغذائي والمناخي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.