شعار قسم مدونات

"يا حنيّن يا رب".. الدعاء بين العفوية والتنميق

مدونات - الكعبة
الفوز كل الفوز في الصدق والإخلاص وهو سبحانه وحده المطلع على ذلك (رويترز)

المكان: بيت الله الحرام، وبالتحديد حول الكعبة المشرفة.

الزمان: خلال مناسك العمرة، قبل عدة سنوات.

المشهد: مهيب كعادته، وكيف لا وأبطاله هم عشرات وربما مئات الألوف الذين تحققت آمالهم أخيرا، وقدّر الرحمن لهم أن يكونوا من ضيوفه، وينالوا شرف الطواف ببيته العتيق أملا في نيل ما وعدهم به المولى جل شأنه من خير كثير.

كنت فردا بين الحشود، وكنت مشتاقا مثلهم، فرغم أن الله من عليّ بتكرار الحج والعمرة من قبل، لكني كنت أعود إلى بيت الله الحرام تلك المرة بعد غياب استمر عدة سنوات منذ آخر عمرة قمت بها.

وباعتباري من أصحاب التجربة، فقد كان من أهم ما رتبت له هو ألا أجعل زحام الطواف يخرجني عن تركيزي في العبادة والدعاء، ومن أهم ما أوصيت به نفسي ألا أنشغل بما يفعله البعض من حولي، خصوصا وأن المشهد لا يخلو أحيانا من ممارسات لو انشغلت بها لخسرت وقتا وتركيزا أولى به تلك العبادة التي شددت الرحال من أجلها.

أثناء اقترابي من أستار الكعبة إذا بي أسمع صوتا يردد وقد خالطه البكاء: "يا حنيّن يا رب، يا حنيّن يا رب"، كانت سيدة مصرية كما بدا من لهجتها ومنذ تمكنت من الوصول إلى الكعبة وحتى غادرت بعد دقائق قليلة لم تضف أي كلمة أخرى

وفي الحقيقة، ما أتعس أنت تكون في مكان كهذا وتنشغل بغير النظر للكعبة والدعاء والتوسل لصاحب البيت وخالق الخلق، وكما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الترمذي أن الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: "من فُتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سئل الله شيئًا يعطى أحب إليه من أن يُسأل العافية؛ إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل؛ فعليكم عباد الله بالدعاء".

بدأت الطواف وفي حقيبتي الصغيرة كالعادة كتيّب ملئ بالأدعية أحرص على اصطحابه رغم أني نادرا ما أستخدمه، فلطالما انشغلت بالتساؤل حول أيهما أفضل: أن تقرأ أدعية مرتبة منمقة أم تدعو بما يخرج من قلبك ويفتح الله عليك به؟

وسرعان ما جاورني في الطواف جمع من الناس يسيرون خلف دليل يقرأ بصوت عال بعض الأدعية من كتيب يمسك به وهم يرددون وراءه، ولأن الموقف متكرر كنت قد قررت عندما أمر بمثل هؤلاء أو يمرون بي أن أشترك معهم للحظات في ترديد أدعيتهم حتى أسبقهم أو يسبقوني، وفي ذلك ميزة ألا تنشغل بمراقبتهم أو يصرفك ارتفاع أصواتهم أو اختلاف لهجتهم أو لكنتهم، عن تركيزك في مهمتك التي جئت من أجلها.

واصلت الطواف، مراوحا بين توسيع الدائرة لتجنب الزحام وتضييقها من أجل الاقتراب من الكعبة المشرفة وحبذا لو أمكن تقبيل الحجر الأسود أو استلام الركن اليماني أو الدعاء عند باب الكعبة.

وهنا جاءت اللحظة التي لا أنساها رغم مرور السنوات، فأثناء اقترابي من أستار الكعبة إذا بي أسمع صوتا يردد وقد خالطه البكاء: "يا حنيّن يا رب، يا حنيّن يا رب"، كانت سيدة مصرية ريفية كما بدا لي من لهجتها (يستخدم المصريون كلمة حنيّن كمرادف لكلمة حنون)، ولأنها كانت على مقربة مني وجذبتني طريقتها في الدعاء، فقد لاحظت أنها منذ تمكنت من الوصول إلى الكعبة وحتى ابتعدت بعد دقائق قليلة لم تضف أي كلمة أخرى غير مناجاة الله والتماس حنانه.

أريد أن أفاجئكم وأرجو ألا أخذلكم، فبعد قراءات كثيرة وجدت أن الأمر ليس بحاجة إلى كثير كلام، وإن كان من إجابة أو نصيحة أو رأي، فهو الإخلاص، فعندما يكون الدعاء لمن يعلم السر وأخفى، لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فالفوز كل الفوز في الصدق والإخلاص

وجدت نفسي أبكي كالطفل بعد أن وجدت هذه العبارة البسيطة طريقها إلى قلبي، وجسدت أمامي للحظات نموذجا لعبد مسكين يقرّ بأن لا نجاة له ولا معين غير رحمة الله وحنوّه على عباده.

أقول لكم؟ والله لقد استمر أثر هذه العبارة معي طوال الطواف ووجدت نفسي أرددها، بل واعتبرتها من بين مكاسب تلك الرحلة.

يبقى أن أقول لكم إني عندما بدأت كتابة هذه المدونة، كنت أنوي أن أجعل من كل ما مضى مقدمة أدلف بعدها إلى نقطة رئيسية تتعلق بالدعاء وهل من الأفضل أن يكون مرتبا منمقا وباللغة العربية الفصحى؟ أم يكون عفويا تلقائيا ولا بأس أن يكون باللهجة العامية؟

لكني أريد أن أفاجئكم وأرجو ألا أخذلكم، فبعد قراءات كثيرة وجدت أن الأمر ليس بحاجة إلى كثير كلام، وإن كان من إجابة أو نصيحة أو رأي، فهو الإخلاص، فعندما يكون الدعاء لمن يعلم السر وأخفى، لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فالفوز كل الفوز في الصدق والإخلاص والإيمان واليقين، وهو سبحانه وحده المطلع على ذلك.

أما عن تفاصيل الدعاء وكيف يكون، فلا أظنك بحاجة إلى أن تقلق بشأنها إذا امتلكت الصدق والإخلاص وحسن العمل، وأدعو الله أن أكون وإياكم من أهل ذلك.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.