شعار قسم مدونات

ما أثر الضغوط والكروب على الطفل؟

الأطفال الذين تربوا في بيئات بعيدة عن التعرض لكروب وضغوط مزمنة أقدر في التعامل مع "اضطرابات" الحياة (بيكسابي)

من أكثر ما يدمي قلبي ويفجر دموعي أن أرى طفلًا يعيش في كرب أو تحت ضغوط سببها أمه أو أبوه، فأتوجع وأقول في نفسي ما ذنب هذا الصغير ليُسقط عليه والداه عُقدهما النفسية وإخفاقاتهما في الحياة؟ فما الذي اقترفه كي يعيش في تخوف دائم من الكروب والضغوط؟ يا ليتني أستطيع التخفيف عنه حتى يُقبل على الحياة بنفس سوية تكاد تخلو من العُقد النفسية! فيا ليتني يسعني أن أمنحه الأمن فلا يخاف إلا الله!

لكن يا حسرة ليس ذلك في الإمكان، هذا أمر مرتبط بالأب والأم أو من يقوم برعاية الصغير. فلا يسعني إلا أن أدعو الله -خالقه- أن يخفف عنه ويرشده إلى سواء السبيل، لكن جُل ما يوجعني هو أن معاناة الطفولة يصعب محو تأثيرها عندما يكبر الطفل. فيا ليت كل أب وأم يدركان مدى الأذى الذي يصيب مخ ابنيهما عندما يجعلانه يعيش في كرب متواصل وخوف دائم!

يشبه دكتور جاك شونكوف (Jack Shonkoff) مدير مركز هارفارد لنمو الطفل -كما ورد في كتاب "30 مليون كلمة" الذي ترجمته مؤخرًا- نمو مخ الطفل الصغير ببناء المنزل، فيقول "توفر الوراثة خطة أساسية لنمو المخ.. تمامًا كما يوفر المهندس المعماري مخططا لبناء منزل. وتضع الخطة الجينية القواعد الأساسية لربط الخلايا العصبية.. مُقدمةً خطة البناء الأولية للهندسة المعمارية للمخ"، مُحددةً في نهاية المطاف ما يميز كلًّا منا من حيث التطور والنمو.

الاستقرار جزء مهم من التغذية الاجتماعية التي تبيّنت ضرورتها الآن لتحقيق النمو الأمثل للمخ. والمخ في مرحلة النمو شديد الحساسية لكل المثيرات في بيئته

وما يقصده شونكوف هو أنه لا قيمة لأي مخطط لبناء منزلٍ مهما عظُم ما لم تتوافر له مواد خام عالية الجودة، ومقاولون وعمال مهرة. فمن دون هؤلاء لن يكون المنتج النهائي كما تصوره المهندس المعماري، ولن يكون المنزل على النحو الذي اُفترض أن يكونه.

وينطبق هذا على الطفل الصغير. والشيء الوحيد الذي يشترك فيه الأطفال الصغار كلهم هو الاعتماد الكلي على الغير في كل شيء بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وعادة ما يُعرف ذلك بالحاجة إلى التغذية وهي اللبن ليعيشوا وينموا. ويقول: الآن فحسب بدأنا ندرك أنه، بالإضافة إلى الطعام الضروري لنمو الجسم، ثمة حاجة مماثلة للتغذية الاجتماعية المُثلى لضمان النمو العقلي للطفل. وكلتا الحاجتين تعتمد كليًّا على الذي يتولى الرعاية.

والاستقرار جزء مهم من تلك التغذية الاجتماعية التي تبيّنت ضرورتها الآن لتحقيق النمو الأمثل للمخ.  والمخ في مرحلة النمو شديد الحساسية لكل المثيرات في بيئته. وقد تبين أن البيئة "السامة" التي تعمها مستويات عالية من الكروب والضغوط في الطفولة المبكرة تُشكل "عوامل ضغط" داخلية في صغار الأطفال تمثل العوامل المُعوِّقة الأولى لنمو مخ الطفل الصغير، مستحوذةً على انتباه المخ، ومن ثم ينصرف عن التعلم.

وما من شك في أن بعض الكروب أو الضغوط يعد جزءًا من حياة كل البشر حتى صغار الأطفال، فتأخر الطعام أو البكاء قبل النوم خير مثال على تأزم الطفل. لكن عندما تكون مستويات الكرب ثابتة لا تتغير وعالية باستمرار، فإن "هرمونات التوتر" مثل الكورتيزول تغسل مخ الصغير، فتُغير هندسته المعمارية إلى الأبد. وتتضمن العواقب التي تقع على المخ المتغير باستمرار من أثر الضغوط، مشكلات سلوكية مزمنة ومشكلات صحية وصعوبات في التعلم.

ومن المفارقة أن الأطفال الذين تربوا في بيئات بعيدة عن التعرض لكروب وضغوط مزمنة أقدر في التعامل مع "اضطرابات" الحياة بوسائل بناءة إيجابية.

والعلاقة بين الطفل والشخص الذي يقوم على رعايته هي أهم عنصر في نمو المخ، فهي التي تحوي محيط البيئة اللغوية. فمن ذا الذي كان يخطر في باله أن غناء أغنية لطيفة لطفل صغير بدأ للتو في التركيز يكون له هذا القدر من الأهمية؟! وعند توالي عبارات الإعجاب بالطفل من نحو "لكم تحبك ماما!" و"يا لجمالك!" تصبح محفزًا لربط مليارات الخلايا العصبية لخلق الدائرة العصبية المعقدة التي تنتهي بتحقيق قدرات الطفل العقلية.

فعندما يتوافر السيناريو الأمثل بالغناء والابتسام والهدوء والسكينة ينمو المخ على نحوٍ رائع. وعندما لا تتوافر هذه الظروف المُثلى، أو الأسوأ من ذلك عندما تكون البيئة صاخبة ومنعزلة سيتأثر المخ على نحو خطير وبشكل سلبي.

عندما تنتاب أهل البيت الضغوط والكروب التي تدوم، فيصبح التواصل اللفظي فظًّا يتخلله الاتهام والتخويف، يكون ملاذ مخ الطفل هو "اليقظة المفرطة"، فيحفز نفسه على التصدي لأي هجوم وشيك

إن البيئة المبكرة المشحونة بالانفعالات والكروب والضغوط التي تتضمن، على سبيل المثال وليس الحصر، حديثا أبويًّا سلبيا ومتقلبًا، تؤثر بالسلب على نمو قشرة الفص الأمامي للمخ؛ مما يُقزِّم التنظيم الذاتي والوظائف التنفيذية، فيصل في النهاية إلى المساس بقدرة الطفل ثم الشخص البالغ على التعامل مع ضغوط الحياة.

على الرغم من أن الأطفال كلهم سريعو التأثر، فقد بيّنت الإحصائيات أن الأطفال الذين يولدون في فقر، خاصة الذكور منهم، معرضون للخطر على نحوٍ خاص. لماذا؟ ثمة افتراض لأسباب متعددة، فالفقر نفسه وما يصاحبه من فقدان للأمل ومن تعقيداته المُتعبة كلها باعث على التسبب في الضغوط والكروب. فضلًا عن أن البيئات التي يعيش فيها الفقراء غالبًا ما تجتاحهم الضغوط والكروب مع قابلية أن تنشب أعمال تتصف بالعنف.

فعندما تنتاب أهل البيت الضغوط والكروب التي تدوم، فيصبح التواصل اللفظي فظًّا يتخلَّله الاتهام والتخويف، يكون ملاذ مخ الطفل هو "اليقظة المفرطة"، فيحفز نفسه على التصدي لأي هجوم وشيك.  ونظام التهيؤ للدفاع هذا الذي أحيانًا ما يُشار إليه بمبدأ "قاتل أو اهرب" ما هو إلا محاولة المخ للدفاع عن النفس. وتبقى المشكلة في أن المخ يظل في حالة تهيؤ للدفاع دومًا لدرجة أنه في النهاية يفقد القدرة على التمييز بين التهديد الوشيك وعدم وجود تهديد أصلًا، فكل طاقته مستهلكة في التصدي للمجهول، الذي يؤثر على نموه على نحوٍ خطير.

وينتج عن هذه الخسارة في نمو المخ لانشغاله التام بالدفاع عن النفس قدرة قاصرة للغاية على التعلم المجرد، بما في ذلك الأشياء الأساسية مثل "أ ب ت" و"واحد زائد واحد يساوي اثنين". إنها خسارة تتفاقم عامًا بعد عام، ويوغل هؤلاء الأطفال، حتى وهم في سن المراهقة وبلوغهم سن الرشد، في التخلف عن أقرانهم أكثر فأكثر.

وأخيرًا أود أن أقول لكل أم ولكل أب رفقًا بابنك ولتهيئ له البيئة الآمنة التي تجعل منه شخصا سويًّا خاليا من العُقد. وإذا كنت تفتقر إلى صفة تود أن يحظى بها ابنك، فلتحثه عليها، ومن مفاهيم علم النفس أن فاقد الشيء -لو شاء- هو أفضل من يعطيه. ولو أنك عانيت في طفولتك فلا تورثه المعاناة فتحزن عليه، وتجمل أمامه ولا تُقحمه في مشكلاتك ولا تُحمله فوق طاقته حتى تراه على حالٍ أفضل من حالك فتفرح به، وعندئذ فقط سيكون ابنك هو مشروعك الناجح.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.