شعار قسم مدونات

ظالم أم عادل؟!

العقل الإنساني ليس مادة سهلة الفهم، لذا فأحيانا نفعل أشياء تخالف رغباتنا، ومن هنا يأتي تدميرنا لذواتنا
كثيرون يتحدثون عما مروا به من خلال تفسيرهم المغلوط ووفقا لرؤيتهم الخاصة (شترستوك)

نحن ننظر إلى المواقف التي تمر بنا في حياتنا اليومية ونتعامل معها من خلال أفكار معينة، ننطلق منها في تحليلنا لتلك المواقف وتفسيرها وإطلاق الأحكام عليها وفي تعاملنا مع ذواتنا ومحيطنا، وقد لا يخطر ببالنا إخضاعها للنقاش بطريقة علمية موضوعية رغم آثارها الكبيرة على حياتنا. ومن هنا تبرز أهمية التحقق من صحتها.

كيف نتأكد من سلامة أفكارنا؟

إن لكل موقف أكثر من زاوية للنظر، وأكثر من تفسير أو تحليل. ويلزمنا لمعرفة الصواب أن نوسع مداركنا ليتسع لدينا نطاق الرؤية، ولننطلق من أفكار واعية متزنة تمكننا من الفهم السليم، ومن الحكم الصحيح. ويلزمنا أن نتصف بالموضوعية التي تفرض علينا عدم اتباع الهوى لنتمكن من الوصول إلى الحق والصواب، وذلك يتحقق بتنمية الوعي عن طريق التعلم المستمر والحرص على مراجعة قيمة العدل في أفهامنا مراجعة تضمن تطبيقه في سلوكنا تطبيقا سويا.

إن الانطلاق من أفكار خاطئة أو سلبية أو مغلوطة، في التعامل مع ما يمر بنا من أحداث، يؤدي بنا إلى سوء الفهم الذي ينعكس بدوره على مشاعرنا وسلوكنا وطريقة تعاملنا مع ذواتنا وغيرنا.

هل نحن ضحايا ظلم الآخرين أم ضحايا أنفسنا؟

من المشاعر التي قد تتولد لدينا نتيجة سوء الفهم مشاعر الإحساس بالظلم من الغير. فكم نستمع إلى أشخاص يعتقدون أنهم قد ظُلموا من غيرهم، ثم عند التدقيق في أقوالهم نتوصل إلى أنهم قد انطلقوا في تحليلهم للأحداث التي مروا بها من أفكار خاطئة أو سلبية أو حتى مجرد افتراضات وأوهام رسخت في أذهانهم، وتعاملوا معها على أنها حقائق وبنوا عليها مواقفهم، فولدت لديهم الإحساس بالظلم وحكموا من خلالها على الطرف المقابل بأنه ظالم، وقد تكون الحقيقة أنهم هم من تسببوا بالأذية لأنفسهم ولغيرهم من خلال فهمهم الخاطئ وتصرفاتهم المبنية على ذلك الفهم.

إن الكثير من أولئك الأشخاص يتحدثون عن تلك الوقائع التي مروا بها من خلال تحليلهم وتفسيرهم المغلوط لها، فهم يسردونها كما فهموها وفقا لرؤيتهم الخاصة، وطبقا للنتائج التي توصلوا إليها ولا ينقلونها مجردة كما هي.

هل نتمثل قيمة العدل حقا في سلوكنا؟

فكم نجد من يدعي أنه يتمثل قيمة العدل في سلوكه، بل ويحرص على الإحسان أيضا ثم عندما نستوضح منه عن مفهومه للعدل وكيفية تطبيقه له نتوصل إلى أنه يتصرف حسب مفهومه المغلوط عن العدل وليس وفق المعنى الحقيقي له.

إذن علينا أن نتأكد من سلامة أفكارنا التي ننطلق منها ونتعامل من خلالها مع المواقف التي نعيشها في حياتنا اليومية ونبني عليها تصوراتنا وتصرفاتنا، فالانطلاق من أفكار خاطئة يؤدي إلى أحكام خاطئة تقود إلى تصرفات خاطئة.

إن الحكم السليم يكون وفق المنطق السليم دون اتباع هوى، فعن طريق ذلك نستطيع أن نفسر ونحكم ونتصرف بشكل أفضل.

ومن هنا تأتي الدعوة إلى مزيد من الحرص الذاتي على تنمية الفهم ورفع مستوى الوعي من خلال التعلم المستمر ومحاولة تفهم الآخر، وكذلك الحث على تحري المعنى الحقيقي للعدل والإحسان وتمثلهما في السلوك..

قال تعالى: يَٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ (سورة المائدة، الآية 8).

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.