شعار قسم مدونات

"عاش البيدق".. معضلة التضحية الخالدة

في النقلة الأولى سارع الملك لاستهداف وزير القائد الأسود بتقديم قلعته الأولى طعما للوزير (بيكسابي)

توضح الممارسات الدكتاتورية ضرورة فهم طرائق نشأتها ضمن سياقها التاريخي والوظيفي الباعث لها، وأهمية معرفة إمكانات تمركزها واستمراريتها في فرض نمط اجتماعي قائم على الخوف والقهر، فقوة الأخ الأكبر تتشكل من هيمنته على السلطة واستلابه العنيف للمؤسسات الأمنية والإدارية، والهيمنة تقتضي تضحية المهمش والفقير والأسود وإن بدت عليهم علامات التمرد، وهي إنّما تمنح القائد الأوتوقراطي -الشخص الواحد المتفرد بالحكم- ضمانات كافية لمجابهة المخاطر المحدقة به، حيث تكون التهديدات الداخلية ممن ساندوا الثورة كأداة فاعلة للتغيير، أو النخبة التي تقود عملية الانقلاب العسكري، لكن ثمة جدلية مرتبطة بقضية مناهضة الأوتوقراطية الفردية والمؤسساتية، والمتعلقة بمدى أهمية التضحية والخلاص اللذين يتعزز دورهما في إعادة إنتاج الأبوية التاريخية؟

تتجلى التضحية لدوافع دينية/اجتماعية وتاريخية/سياسية، كما أنّها تنعقد من الذات البشرية حينما تعيش اغترابا يفقدها التواصل مع الأشياء وعالمها، فالأديان أقرّت فعل التضحية لنيل الغفران والخلاص بدل الخطيئة

عن التضحية والخلاص

إنّ ما يميز التضحية كسلوك فردي واجتماعي، تلك الرمزية المربكة والناجمة عن دوافعه، فبذل النفس والمال وكل ما يمكن وصفه بالغالي والثمين في حق الإنسان، هو بمثابة ارتقاء روحي للذات البشرية في تعاطيها مع الآخر، وحتى مع ذاتها التي تبحث لها عن الخلاص الأبدي، ولعل ثنائية العبد والسيد التي تدور رحاها في السيطرة والخلاص، لا تكاد تنفك إلا إذا انحلت حالة الاستلاب العنيف، واستبدال العنف بآليات اتصال فاعلة بين من يفرض تملكه للحقيقة، والعبد الذي تخلى عن السعي في طلب حريته وكرامته.

وقد تتجلى التضحية لدوافع دينية/اجتماعية وتاريخية/سياسية، كما أنّها تنعقد من الذات البشرية حينما تعيش اغترابا يفقدها التواصل مع الأشياء وعالمها، فالأديان أقرّت فعل التضحية لنيل الغفران والخلاص بدل الخطيئة، كما أنّ المجتمع بأعرافه تشتد به عقدة الطلب بين الراغب والمرغوب فيه، وبين الكافل والمتكفل به، فلا تلين وتنحل بسبب التراكم التاريخي الذي يدفعه لأن يراهن على "التخلي عن الحياة"، في سبيل الفوز بما لا تدرك قيمته، فأن ينتحر شاب بنار القهر والذل، مقابل أن يحرق حاكم بلدا بأكمله للبقاء على عرشه، لهو فعل تجاوز عتبة القيم بإلغائه الأحكام الظنية المسيئة، ولعل اعتبار "تضحية البوعزيزي" خلاصا فرديا من طغيان نظام بوليسي أمعن في انتهاك حقوق شعبه، كان رفضا قويا لانصياع المجتمع المطلق لقائده، فمعيار الخسارة لن يتوقف عندما تفرضه القيم الأخلاقية على المضحي كونه منتحرا، بل بقابلية الفرد/المجتمع العيش منفيا خارج التاريخ.

وتبدو المفارقة في التضحية بين فعل البوعزيزي والأسد تتجذر معانيها الحقيقية في إحدى أعظم نقلات الشطرنج عبر التاريخ، إنّها تلخص ماهية أن يقوم الحاكم بتقديم كل ما يملك لخصمه للاحتفاظ بعرشه، فالبوعزيزي ربما اختلف عن الحشود المنادية "عاش الملك" بارتكاب فعلته التي أوقفت عجلة التاريخ في لحظة استثنائية تنادت لها حناجر الانتفاضات العربية، لقد آثر التضحية بإحراق جسده قربانا لتتحرر نفسه من واقع أنهكته العذابات، حرية كتب إيقاعها الموسيقار النمساوي كونراد بايير (1828-1897) عبر "النقلات التسع" كتجسيد مبهر للتضحية، ضمن ثنائية الأبيض الحاكم والأسود العدو، ووفق بناء محكم ومتوازن لمعضلة التضحية بجميع الأحجار القوية حماية لبيدق الملك.

في النقلتين الرابعة والخامسة كانت عملية استهداف العدو أكثر إيلاما من طرف الوزير الأبيض، إذ تم تحريك الأخير من طرف سيده لدفع الخصم نحو مركز اللوحة حيث يرابط الملك الأبيض في الصف الخامس لا يفصل بينهما سوى مربعين

نحو النقلة التاسعة

حيث الضعف تكمن القوة المتخفية خلف جدار الخوف والقهر، هذا ما استلهمته لعبة الشطرنج في أحدى المشكلات الخالدة التي ألّفها كونراد بايير، والمتمثلة في استماتة الملك الأبيض للحفاظ على "البيدق الأخير"، ففي النقلة الأولى سارع الملك لاستهداف وزير القائد الأسود، بتقديم قلعته الأولى كطعم للوزير الذي كان يرابط لحماية ملكه، لكن ما من شيء يمكن التخلص من تهديدات القلعة سوى تحطيمها وفتح المجال للأسقف كي يشكل تهديدا مباشرا للخصم، حيث أصبح الأسقف الأبيض طعما لاستدراج الخصم نحو مصيدة الأبيض، فالأمر لم يتوقف عند التضحية بأسقفه، إذ النقلة الثالثة أدت إلى تحريك قوة الوزير الأبيض الهائلة لحجب اختيارات الأسود، ودفعه نحو المزيد من الانتصارات الوهمية، فالطريق باتت خطرة لدرجة "فقدان القدرة على الاختيار الآمن، وما من منفذ إلا بالإطاحة بالفرس الأبيض ضمن إستراتيجية محكمة فرضتها عبقرية التضييق المستمر على العدو بإيهامه بمزيد من الأطماع.

في النقلتين الرابعة والخامسة كانت عملية استهداف العدو أكثر إيلاما من طرف الوزير الأبيض، إذ تم تحريك الأخير من طرف سيده لدفع الخصم نحو مركز اللوحة حيث يرابط الملك الأبيض في الصف الخامس لا يفصل بينهما سوى مربعين، حينها بدت ملامح حصار الأبيض ضد خصمه تتكامل مع استهداف وزيره للعدو وتقديم القلعة السوداء لدفع تهديدات الوزير، في تلك اللحظة سارع الملك الأبيض لتقديم البيدق ما قبل الأخير محميا من القلعة كتهديد لا يمكن التخلص منه إلا إذا أطاح به الأسقف الأسود، وكان ذلك فعلا.

الموسيقار كونراد بايير كان ذكيا في فرض أحجية النقلة التاسعة بجعلها مشكلة خالدة للعبة الشطرنج، إلا أنّها مثّلت صور معاناة وقهر الفلاحين والمهمشين والعمال في زيادة سطوة وثروة الأخ الأكبر

وبعدها التقم الوزير الأبيض الفرس الأسود لإنهاء حمايته للملك، كي يرد الأسقف الأسود الثاني بالتخلص من الوزير الأبيض في نقلة سابعة، لا تفصلها عن نهاية اللعبة الاستثنائية سوى تحريك القلعة البيضاء كتهديد مباشر للملك الأسود، ليتخلص منها بيدق الملك الأسود فاتحا أسوار مملكة سيده لأعظم نقلة رسمت المعضلة الخالدة في لعبة الحياة، في تلك اللحظة من الضعف التي تروم الملك الأبيض وبيدقه الوحيد، تحققت آية النصر باستهداف فريد من نوعه مع تحريك الملك الأبيض البيدق الأخير لاستهداف عدوه كي يموت مخنوقا، محاصرا، لا قبل له.

وحينما تكاملت لوحة النصر للملك الأبيض كان الوزير الأسود مرابطا بعيدا عن سيده، لا يملك حيلة للدفاع عن سيّده، فقواعد اللعبة الحربية التي فرضها الأبيض خضعت لمبدأ الاستباقية الذي حال دون تفطن الخصم لحيلة الهجوم التي أُوهم بها، والحقيقة كان الأسود يدافع عن نفسه مع انتصاراته الوهمية، وبدل البحث عن مخرج يعيد له أسبقية الهجوم، ظلت قرارته تنطلق من هيمنة الأبيض في فرض حركته التالية.

وحيث ترفع رايات النصر، تتهاوى معها أسطورة الأبوة التاريخية وتضحيات أتباعها، ومع أنّ الموسيقار كونراد بايير كان ذكيا في فرض أحجية النقلة التاسعة بجعلها مشكلة خالدة للعبة الشطرنج، إلا أنّها مثّلت صور معاناة وقهر الفلاحين والمهمشين والعمال في زيادة سطوة وثروة الأخ الأكبر، والحفاظ على سلطانه بالتنازل عن حقهم في الحرية والحياة، فالجشع في امتلاك المزيد من الثروة وعدم تقسيمها بما يسمح للعدالة الاقتصادية أن تنتج مجتمعا متكاملا، ومتنوعا، ومؤمنا بفعالية التغيير الحضاري والديمقراطي، ليس له إلا صورة لخّصها كونراد من عالم تشوبه خيبات الماضي وتعتريه لعنات المستقبل، فشعار "عاش الملك" قد استنفد حلوله حينما تقدم البيدق الأخير معلنا ولاءه المطلق لسيّده ليس كقربان في قائمة البراميل المتفجرة، بل كمفتاح للخلاص الذي يأمله الملك لاستمرارية حكمه.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.