شعار قسم مدونات

كيف واجه المماليك مأزق شرعية الحكم؟

التاريخ الإسلامي - إصلاح دولة المماليك
المأزق الآخر الذي واجهه المعز اعتراض الأيوبيين ومطالبتهم بحقهم الشرعي في الحكم (الجزيرة)

كانت قضية الشرعية من القضايا التي أرّقت المماليك في بداية حكمهم باعتبارهم كانوا مدركين أنهم مغتصبون للسلطة من الأيوبيين أولًا، ولـما اشتمل عليه حكمهم من متغيرات جعلت قضية إسباغ الشرعية على حكمهم قضية ملحّة ثانيًا.

وقد تناول الفقهاء قديمًا الحديث عن الطرق الشرعية التي تنعقد بها الإمامة، ويضمن بها الإمام طاعة الرعية له، وكان من أوائل من تكلم عن ذلك الإمام الماوردي (ت: 450هـ)، ثم صار مصدر إلهام لكل من جاء بعده من العلماء ينهلون منه، ويبنون على ما ذكر، أو يزيدون عليها استجابة لضغط الواقع، والتذرع بالحفاظ على وحدة الكلمة وتماسك الأمة. وقد ذكر الماوردي أن الطرق الشرعية التي تنعقد بها الإمامة هي التي تمَّت في العصر الراشدي، وفي الدولتين الأموية والعباسية، فإما أن تنعقد الإمامة بإجماع أهل الحل والعقد كما حصل لأبي بكر الصديق ومَن بعده من الخلفاء الراشدين، أو أن يعهد الخليفة لمن بعده بالحكم كما كان زمن الأمويين والعباسيين أيضًا.

رأى الماوردي أن شرعية تلك الدويلات السلطانية تتوقف على شرطين اثنين هما: تفويض الخليفة للسلطان حكم إقليم ما، وألا يخالف ذلك السلطان أحكام الشريعة في سياسته.

كان هذان الطريقان هما اللذان ذكرهما الماوردي لانعقاد الإمامة، ثم زاد أبو يعلى الحنبلي (ت: 458هـ) عليهما طريقة ثالثة رأى أن الإمامة تنعقد بها أيضًا ألا وهي التغلب، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: "ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إمامًا عليه، برًّا كان أو فاجرًا، فهو أمير المؤمنين"، ثم صارت الطريقة الثالثة محل اتفاق الحنفية والمالكية والحنابلة، وصارت الإمامة عندهم تنعقد إما بالإجماع، أو بالعهد، أو بالتغلب.

ولكن الماوردي الذي نظَّر لطرق انعقاد الإمامة وما يتعلق بها لم يغفل وغيره من الفقهاء الحديث عن إيجاد مخرج شرعي للدويلات السلطانية المتسلطة على الخلافة العباسية التي بدأ ظهورها في عصر الدولة العباسية الثاني (232هـ) وصار وجودها أمرًا واقعًا ممثلًا باستيلاء الأتراك على الحكم الفعلي في دولة الخلافة أولًا، ثم البويهيين بعدهم، ثم السلاجقة الذين عاصرهم الماوردي، ثم استمرَّ وجود الدولة السلطانية ذلك حتى إسقاط الخلافة العباسية في القاهرة على أيدي العثمانيين.

فرأى الماوردي أن شرعية تلك الدويلات السلطانية تتوقف على شرطين اثنين هما: تفويض الخليفة للسلطان حكم إقليم ما، وألا يخالف ذلك السلطان أحكام الشريعة في سياسته، ورأى الماوردي انعقاد إمارة الاستيلاء اضطرارًا، لأن فيها: "حفظ القوانين الشرعية، وحراسة الأحكام الدينية ما لا يجوز أن يترك مختلًا مخذولًا، ولا فاسدًا معلولًا".

وهذا ما جرت عليه الدويلات السلطانية بعد الماوردي أيضًا، كالدولة الزنكية والأيوبية في بلاد الشام ومصر والحجاز، ودولة المرابطين في المغرب الإسلامي، وغيرها من الدويلات كانت كلها تسعى لأخذ تفويض من الخليفة العباسي في بغداد يضفي عليها الشرعية، ويضمن به السلطان طاعة الرعية له، ولم يكن للخليفة في تلك الدويلات إلا أن يدعى له مع السلطان على منابر الجمعة، ويحضر المناسبات الدينية كالعيدين، والاحتفال بالمولد النبوي، وغيرها من المناسبات.

وقد كانت دولة المماليك واحدةً من تلك الدويلات، وكان الأصل أن تأخذ شرعيتها بتلك الطريقة التي درجت عليها الدول السلطانية، ولكن ثمة متغيرات طرأت في هذه الدولة أحرجتها، وجعلت قضية الشرعية مأزقًا كبيرًا لا بد من العمل للخروج منه، وقد تمثلت تلك المتغيرات في أن أصل حكام هذه الدولة رقيق جلبان، وأن الدولة التي استولوا على حكمها تواجه خطرين كبيرين: الصليبيين والتتار، وأن الخلافة العباسية المشرّعة في بغداد قد سقطت.

ولقد أغضب المسلمين في مصر تولية المماليك شجرة الدر حاكمة عليهم أولًا، وأن يكون أصل الذين يحكمونهم رقيقًا، وقد حاولت شجرة الدر طلب ودّ الخليفة العباسي في بغداد لتضفي على حكمها الشرعية ولكنها لم تفلح في ذلك، وكان أن عُزلت شجرة الدر دون أن تأخذ للمماليك شرعية لدولتهم من الخليفة في بغداد، وتولى حكم المماليك زوجها: المعز آيبك.

كانت أنظار المماليك قد توجهت بعد عين جالوت إلى الخليفة: المستنصر بالله الحفصي (ت: 675هـ) -الذي بايعه شريف مكة خليفة للمسلمين- لإضفاء الشرعية عليهم كما كان حال خليفة بغداد.

ثم إن أهل مصر دائمًا ما كانوا يسمعون المماليك بداية حكمهم أنهم لن يعترفوا بسلطان مسّه الرق، وكانوا يهتفون بجانب موكب السلطان المعز آيبك: "لا نريد إلا سلطانًا رئيسًا مولودًا على فطرة الإسلام"، وذلك مأزق آخر أرَّق المماليك، وكان المعز آيبك يواجهه بإغداق المال على المصريين، ولكن ذلك كله لم يرضِ المصريين وظلوا يسمعونه ما يكرهه إلى أن مات.

ثم كان المأزق الآخر الذي واجهه المعز اعتراض الأيوبيين ومطالبتهم بحقهم الشرعي في الحكم، وكان أن نصب المماليك طفلًا من الأيوبيين، وجعلوا المعز آيبك وصيًّا عليه؛ علَّ ذلك يرضي الأيوبيين، ولكن الخلاف بينهم تفاقم، ثم نجح الخليفة العباسي في عقد الصلح بينهم، وقضى بأن للماليك مصر والأردن، وللأيوبيين باقي بلاد الشام، فأضفى ذلك الصلح الشرعية على المماليك.

وكان الحدث الأبرز الذي أضفى الشرعية على حكم المماليك بعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد انتصارُهم في عين جالوت عام 658هـ، وكسرهم شوكة التتار فيها، واستمرارهم في جهاد التتار والصليبيين؛ فدان لهم بعدها المسلمون في مصر والشام وغيرهما.

وكانت أنظار المماليك قد توجهت بعد عين جالوت إلى الخليفة المستنصر بالله الحفصي (ت: 675هـ) -الذي بايعه شريف مكة خليفة للمسلمين- لإضفاء الشرعية عليهم كما كان حال خليفة بغداد، ثم إن موقف الخليفة الحفصي من الحملة الصليبية على تونس قد جعل بيبرس ينخلع من التبعية له، ويخاطبه قائلًا: "مثلك لا يصلح أن يلي أمور المسلمين"، وبعد ذلك وصل إلى القاهرة أحد أبناء البيت العباسي ممن نجوا من مذبحة بغداد، فما كان من بيبرس إلا أن أشهد أعيان الدولة على صحة نسب الأمير القادم إلى القاهرة، ثم بايعه خليفة للمسلمين، وقلَّد الخليفةُ بيبرسَ حكم الشام ومصر، والحجاز واليمن، وذلك هو الإجراء الأكبر الذي أنقذ المماليك من مأزق الشرعية طوال حكمهم.

كان من الإجراءات الجريئة التي عملها السلطان بيبرس لإضفاء الشرعية على حكم المماليك أيضًا؛ الانفتاح على المذاهب الفقهية بتنصيب قاضي قضاة لكل مذهب، ولم يكن قبل ذلك في دولة المماليك إلا قاضي قضاة واحد على مذهب الشافعي.

وقد قام في القاهرة 15 خليفة عباسيًّا لم يكونوا أحسن حالًا من أسلافهم في بغداد إبان حكم البويهيين أو السلاجقة، بل لقد كانوا في القاهرة أسوأ حالًا منهم في بغداد، ولم يكن للخليفة في القاهرة سوى حضور المناسبات الدينية كحفل المولد النبوي، والأعياد ونحو ذلك، وفي ذلك يقول المقريزي: "فصار من بعده (بيبرس) ملوك مصر الأتراك يقيمون رجلًا يسمونه الخليفة، ويلقبونه بلقب الخلفاء، وليس له أمر ولا نهي ولا نفوذ كلمة، بل يتردد إلى أبواب الأمراء وأعيان الكتاب والقضاة، لتهنئتهم بالأعياد والشهور".

وكان الخليفة إذا ما أراد أن يمارس شيئًا أكثر مما ذُكر؛ فإن المماليك كانوا يعمدون إلى إهانته إما بالسجن، أو بالنفي، أو بالعزل، ومن ذلك ما ذكره السيوطي (ت: 911هـ) عمَّا وقع من السلطان الناصر بن قلاوون (ت: 741هـ) للخليفة المستكفي بالله (ت: 740هـ) قال: "وفي سنة ست وثلاثين وقع بين الخليفة والسلطان أمر، فقبض على الخليفة واعتقله بالبرج، ومنعه من الاجتماع بالناس، ثم نفاه في ذي الحجة سنة سبع إلى قوص هو وأولاده وأهله، ورتب لهم ما يكفيهم، وهم قريب من مائة نفس فإنا لله وإنا إليه راجعون".

وظل حال الخلافة العباسية في القاهرة على تلك الصورة حتى دخل العثمانيون مصر عام 923هـ، واستولوا على حكم المماليك، فاعتُقل خلال ذلك الخليفة العباسي، وسيق سجينًا إلى القسطنطينية، وظل فيها إلى أن مات عام 950هـ، وبموته أسدل الستار على الخلافة العباسية في القاهرة.

وكان من الإجراءات الجريئة التي عملها السلطان بيبرس لإضفاء الشرعية على حكم المماليك أيضًا؛ الانفتاح على المذاهب الفقهية بتنصيب قاضي قضاة لكل مذهب، ولم يكن قبل ذلك في دولة المماليك إلا قاضي قضاة واحد على مذهب الشافعي، إضافة إلى اهتمام سلاطين المماليك بعلماء الدين، وبإقامة الاحتفالات الدينية كالاحتفال بالمولد النبوي، والعيدين، وببناء المساجد والمدارس؛ كل هذا وغيره أسهم في إخراج المماليك من مأزق الشرعية، وجعل الناس عمومًا يدينون لهم بالطاعة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.