شعار قسم مدونات

ألمانيا.. وقصة كفاح

مدينة كونكس برون الألمانية
مدينة كونكس برون الألمانية (شترستوك)

كان من حسن حظي أن أحمل صوت السوري في المنصات السياسية البافارية، وكان من حسن حظي أيضا أن أتسلم منصبا مهما في كلا الوزارتين التعليم العالي والداخلية الألمانية، ومن حسن حظي أن أنخرط في دوائر الثقافة بمدينة كونكس برون الجميلة وأن أعمل فيها وأتعايش مع ساكنيها، وقبل هذا وذاك كان شرفا لي أن أكون في بلد يسمى ألمانيا.

تملّكني شعور قوي بفضل المحنة التي كنا فيها نحن السوريين في بلدنا الأم أن أستخدم فعل الصهر على شعب عاش الهزيمة والفقر في يوم من الأيام، فنقتهُ من معظم العيوب السياسية لينتج في بلد أوروبي مهم شعب واع كل الوعي بحاضره ومستقبله.

مُطعم نفسه بكل ما هو ممكن من تطعيم وأمصال وترياقات حتى لا تتكرر التجربة القاسية التي حدثت في الحرب العالمية من إحياء روح النازية أو ذكراه.

كانت تلك الحرب بداية لنهاية شرارة الفكر التعصبي لمشروع ازدهار ألمانيا من الناحية العسكرية ونهاية النزاع المسلح الأكثر شراسة في التاريخ المعاصر، نظرا إلى الأبعاد الإقليمية الهائلة للصراع والتنوع الهائل في أسلحة الحرب المستخدمة وعدد ضحاياها والعواقب التاريخية المفجعة للبشرية، وصولا إلى حقبة التخطيط للتخلص من هذه الفاجعة.

ولا يستقيم الحديث في نفسي من دون أن أتكلم عن بعض رموزها الإنسانية بعيدا عن الدكتاتورية أمثال هتلر وغيره من الدكتاتوريين في تلك الحقبة آنذاك.

ألمانيا سرعان ما انتصرت بفضل ما أكدته وأيدته قواها البشرية الأصيلة والمؤهلة بإتقان العمل والعلم والتطوير، وبالحرص المتناهي على السمعة المتميزة لإتقان العامل الألماني ومهارته.

وبحكم أني سوري عاش سنوات من الحرب أيضا، فإني مغرم بالمقام الأول بالحديث عن أديناور وإيرهارد اللذين تنسب إليهما المعجزة الألمانية بعد الحرب العالمية من نهوض وتوثب، وما أدراك ما النهوض وما التوثب من أسفل القاع! وما أدراك أيضا أن تتشابه الظروف ويكون لبلدي الأم مثل هؤلاء مع الفصل بالفوارق والزمن والظروف التي أدت إلى الحرب في كلا البلدين.

كان على هذين الرجلين أن يواجها مشكلات اقتصادية حادة نجحا في التغلب عليها عقب الهزيمة في الحرب ومجابهة المشاكل المثقلة بالديون الخارجية، وكان من الصعب عليهما تحديد آلية الزمن لتسديد ديون البلد دون أن تتأثر ميزانية هذا البلد المثقل بالالتزامات.

لكن ألمانيا سرعان ما انتصرت بفضل ما أكدته وأيدته قواها البشرية الأصيلة والمؤهلة بإتقان العمل والعلم والتطوير، وبالحرص المتناهي على السمعة المتميزة لإتقان العامل الألماني ومهارته، بتحقيق معدلات النمو الهائلة للاقتصاد الألماني.

لم تكن القوى البشرية هي السلاح الوحيد في تحقيق الازدهار وإنما كانت هناك بالطبع إجراءات اقتصادية ذكية مثمرة على يد هذين الرجلين العظيمين منها وأهمها:

  • الإصلاح النقدي الذي صاحب ولادة العملة الجديدة.
  • إلغاء القيود الحكومية على الأسعار.
  • التخفيضات الضريبية.
  • إلغاء توزيع الغذاء بحصص تموينية محددة، وتدفق الاستثمارات الخارجية على البلاد موثوقة في قانونها والتزامها.

كثيرا ما يقال إن إبعاد الشعب الألماني القسري عن الحرب والسلاح كان نعمة كبيرة على الألمان وهم يعرفون ذلك، كما أن عدم السماح لألمانيا بأن تمتلك أسطول الغواصات المجهزة بالأسلحة النووية يمثل واحدا من أهم الأسباب التي أدت إلى الازدهار النسبي للاقتصاد والمجتمع، أي بصريح العبارة إن إنهاء الحلم الألماني من القوة العسكرية العظمى يقابله ازدهار اقتصادي عظيم على سفح الأرض.

فبذلك أصبحت ألمانيا الموحدة صاحبة رابع أكبر اقتصاد على مستوى العالم وصاحبة أقوى اقتصاد في أوروبا.

الجانب الشخصي

ضمنيا وعلى الصعيد الشخصي، لم تكن ألمانيا أول بلد غير بلدي أعرفه، ولكن كانت البلد الوحيد الذي استمتعت بمشاهداتي في بقاعه وبتجاربي في ربوعه، وقد نمّت في داخلي حبي لها عند قراءة الأدب الألماني مترجمًا، وبقراءة تاريخها ملخصًا، أما عن اللغة فيها فقد كان اعتكافي في مناخها كفيلا بأن تكون أوراق دفتري ممتلئة بحروفها ومتشبعة بالإحساس المبكر بأن ألمانيا تصنع من الأكاديميين والخبراء فيها طبقة راقية عالية.

وإني أدعو الله سبحانه وتعالى أن أكون قد أديت بهذا الذي كتبت بعضًا من واجبي في هذا البلد تماما مثلما أدى هذا البلد واجبه معي.

يعرف الألماني احترام القاعدة واحترام القياس واحترام المتر واحترام الدرجات، ويميز بين الفاعل والمفعول به والمفعول له، ويعرف معنى صلة الموصول ومعنى اكتمال الجملة.

الجانب العملي

أما على الصعيد العملي فقد لاحظت منذ بدايات العمل في ألمانيا حقيقة عنايتهم الفائقة بالتعليم الفني، ليس على مستوى مدارس التعليم الفني أو كلياته ومعاهده وجامعاته وحسب وإنما على مستوى مناهج الدراسة في التعليم العام كذلك؛ فمناهج اللغة مثلا لا تعنى بوصف الربيع والمدرسة الرومانسية وزمن الرواية في المقام الأول ولا الثاني، لكنها تعنى قبل هذا بمفردات الصناعة والتكنولوجيا.

وتدقق في مناهج نحوها بالتدريب الدقيق على استخدام حروف الجر في مواضعها الصائبة ولا تسامح في أي خطأ في هذا الميدان، ولا تعرف قاعدة فاسدة مفسدة كالتي اخترعها بعض مثقفينا في الشرق الأوسط حين قالوا إن حروف الجر تنوب عن بعضها وتؤدي عمل بعضها.

يعرف الألماني احترام القاعدة واحترام القياس واحترام المتر واحترام الدرجات، ويميز بين الفاعل والمفعول به والمفعول له، ويعرف معنى صلة الموصول ومعنى اكتمال الجملة ومعنى الزمن فيها ودلالاته، وينعكس كل هذا على ما يتعلق بتعليمه الفني وثقافته التكنولوجية ويصبح من الوضوح بمكان فضل التعلم الصحيح والجاد للغة الوطنية وأثره المضمون في تحقيق الرقي بالتعليم المتخصص وبالثقافة العامة وهو أمر يبدو مع صعوبته أبسط مما يتصور أي إنسان في أي لحظة من اللحظات.

الحديث عن هذا البلد يطول ولا يظلم القارئ أنه يعرف سلفا ما أكتبه عن ألمانيا والألمان، فالحديث متوقع عن الانضباط واحترام الوقت واحترام النظام وعن الجدية في العمل وعن الأمانة في التعامل وعن النظافة وعن تحقق الرفاهية تلقائيا نتيجة لكل ذلك.

لذا، فإنه ليس من الحكمة أن أبتغي في موضوع كتابتي تلك أن أجعل من ألمانيا دولة جامدة، لكن الحديث عن الثقافة الألمانية الماهرة وتميزها لا يمكن أن يقاوم، وكيف يقاوم مثل هذا الحديث من ينشد مستقبلا أفضل لوطنه ولشعبه؟!

لخصت في مدونتي هذه أجزاء بسيطة عن الحياة في ألمانيا برؤوس أقلام سريعة وغير نمطية عبر صفحتكم المخملية، لتملك أنت وباقي القارئين المعنى الحقيقي عن بلد خاض الازدهار العسكري ومن ثم الحرب وبعدها الفقر ومن ثم الازدهار الاقتصادي، والفروق بين الازدهارين.

إلى هنا تنتهي آخر كلماتي في أولى مدوناتي معكم، ودمتم فخرا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.