شعار قسم مدونات

كيف تجعل ابنك عبقريا؟

الأطفال الذين يتلقون التعليم باللغة التي يتكلمون بها في المنزل يزيد احتمال إتقانهم مهارة فهم النصوص والرياضيات وغيرهما (بيكسلز)

نشرت جريدة "نيويورك تايمز" عام 2014 مقالًا بعنوان: "لماذا الأميركيون فاشلون في الرياضيات؟"، وقد أوضحت كاتبة المقال إليزابيث جرين أنه في ثمانينيات القرن العشرين حاول ألفريد توبمان صاحب سلسلة مطاعم "إيه آند دبليو" (A&W) للبرغر استمالة عملاء من مطاعم ماكدونالدز بإعلانه أن برغر مطاعمِه له المذاق الأفضل مقارنة ببرغر ماكدونالدز، وأن الشريحة الواحدة منه تزن ثلث رطل، في حين أن شريحة برغر ماكدونالدز تزن ربع رطل وبالسعر نفسه.

لكن مع الأسف أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، وفشلت الحملة التسويقية في استمالة العملاء، ولما استقصى توبمان أسباب الفشل من خلال الاستعانة بشركته التسويقية الرائدة تبيّن أن المشاركين في الاستبيان فضلوا بلا تردد طعم برغر "إيه آند دبليو" على برغر ماكدونالدز؛ لكن نجمت مشكلة صغيرة سببها تساؤل أحدهم "لماذا ندفع السعر نفسه لثلث رطل من اللحم في مطعم إيه آند دبليو، في حين أننا ندفع الثمن نفسه لربع رطل في مطعم ماكدونالدز؟"، وتمثلت المشكلة في أن البعض لا يعلمون أن الثلث أكبر من الربع بما أن العدد 3 أقل من 4، فمعنى هذا أن مطاعم إيه آند دبليو تسرقهم في الواقع!

للقدرات الفطرية في الرياضيات دور، إذ يبدو أن أوجه التفاوت في البيئات اللغوية في السنوات الثلاث الأولى ذات فاعلية في تحديد مَن مِن الأطفال تكون له مهارات أعلى في الرياضيات عند الالتحاق بالمدرسة بحيث ستضعهم على مسار إيجابي فيها.

الأمر الذي يؤكد أن الأميركيين يعانون من مشكلة في الرياضيات تبدأ من طفولتهم، مما دفع الدكتورة دانا ساسكيند كاتبة كتاب "30 مليون كلمة" -الذي انتهيت من ترجمته مؤخرًا- لاستقصاء الأمر باستفاضة حتى وجدت حلًا للمشكلة، يتلخص في أنه من الضروري للوالدان تعليم ابنهم الأرقام في سنٍّ مبكرة من خلال عد أي شيء أمام الطفل بدءًا بحبات الحلوى، مرورًا بأصابعه ووصولًا إلى درجات السلم، بحيث يرى الطفل أن "واحدا" (1) يعد شيئًا واحدًا واثنين يعدان شيئين و3 يمثل ثلاثة أشياء، فمن شأن ذلك أن يجعل مخ الطفل يُخزن الأعداد والكلمات الدالة عليها في سبيلها نحو حساب التفاضل والتكامل في الرياضيات المتقدمة والقضاء على المشكلة.

ولا بد للوالدين من أن يتحدثا عن القدرة المكانية التي تعتبر من مهارات الرياضيات، وهي تشير إلى ارتباط الأشياء ببعضها ماديًا، كطريقة ملاءمة قطعة البازل مع قطعة أخرى لتكوين صورة. وقد أشار بحث إلى مدى تأثير "الكلام المكاني" للوالدين على إدراك الطفل للعلاقات المكانية بين الأشياء كاستخدام كلمات: دائرة، مربع، مثلث، أكبر، مستدير، مدبب، طويل، قصير إلخ.

وعلى الرغم من أن للقدرات الفطرية في الرياضيات دورًا، فإنه يبدو أن أوجه التفاوت في البيئات اللغوية في السنوات الثلاث الأولى ذات فاعلية في تحديد مَن مِن الأطفال تكون له مهارات أعلى في الرياضيات عند الالتحاق بالمدرسة بحيث ستضعهم على مسار إيجابي فيها.

وأود أن أشير إلى ضرورة استخدام اللغة الأم إبان السنوات الأولى من عمر الطفل، أو على نحوٍ أدق حتى ينتهي من مرحلة التعليم الأساسي، إذ إن قاعدة بيانات اليونسكو العالميّة بشأن التفاوت في مجال التعليم تُظهر أنّ الأطفال الذين يتلقون التعليم باللغة التي يتكلمون بها في المنزل، يزيد احتمال إتقانهم مهارة فهم النصوص المقروءة في نهاية المرحلة الابتدائية بمقدار 30% عن الأطفال غير الناطقين بلغة التدريس على مستوى العالم. وتُبيّن الأدلّة أيضاً أن التعلم باللغة الأولى أو باللغة الأم يحسّن مهارات الأطفال الاجتماعية.

لا بد أن يتعلم الطفل الحساب والعلوم بلغته الأم، وللأم والأب أن يتصورا مدى التعطيل الذي يطول وظائف مخ ابنهما بسببهما لقناعتهما بهذا النهج الداعم للغة الأجنبية والغافل عن اللغة الأم.

"إنّ اليونسكو، وإذ تسعى إلى المساعدة في مواجهة الأزمة العالمية الراهنة التي تعصف بقطاع التعلم، مع الحفاظ على التعدد اللغوي باعتباره عنصرا ثقافيا أصيلاً، تحثّ الحكومات على انتهاج التعليم المتعدد اللغات القائم على اللغة الأم منذ سنوات الدراسة الأولى. وإننا لعلى يقين بأنّ التعلم القائم على اللغة الأم يحقق نتائج ملموسة، وثمّة أدلة عمليّة تبرهن على أنها تساعد الأطفال على التعلّم".

هذا في الوقت الذي أسمع فيه بعض الأمهات عندما يعلمن أولادهن العد يقلن لهم "وان، تو، ثري" وهكذا، وعندما يعرِّفونهم بالشكل الدائري يقلن لهم (circle) والمربع (square)، وهكذا؛ ظنًا منهن أنهم قد علموا 1 و2 و3 والدائرة والمربع بالفطرة، وهو الأمر الذي أثبت العلم خطأه، فالطفل لا بد أن يتعلم الحساب والعلوم بلغته الأم، وللأم والأب أن يتصورا مدى التعطيل الذي يطول وظائف مخ ابنهما بسببهما لقناعتهما بهذا النهج الداعم للغة الأجنبية والغافل عن اللغة الأم.

وأود أن أشير إلى عبقرية الدكتور فاروق الباز في الحساب عندما عمل في وكالة ناسا الفضائية الأميركية للمساعدة في التخطيط للاستكشاف الجيولوجي للقمر، كاختيار مواقع الهبوط على سطح القمر حين قال إنه لا يستطيع إجراء العمليات الحسابية في عقله إلا بلغته الأم (العربية)، على الرغم من مكوثه الطويل في أميركا.

وأخيرًا يهمني أن يدرك كل أب وكل أم أهمية تعليم أولادهم الحساب منذ الصغر من خلال عدّ الأشياء التي تحيط بهم، والتعريف بأشكالها لكن باللغة الأم، فهذا جدير بأن يجعل من ابنك عبقريًّا ليس فقط في الرياضيات، بل في المعارف كلها بصفة عامة، وعندها سوف تتيقن أن ابنك مشروعك الناجح بحق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.