شعار قسم مدونات

الانتخابات التركية.. الصراع بين هويتين

كليجدار و اردوغان وكليجدار أوغلو في نهاية حملتيهما الانتخابية في المسجد وأمام ضريح أتاتورك
أردوغان (يسار) وكليجدار أوغلو في نهاية الحملة الانتخابية في المسجد وأمام ضريح أتاتورك (الجزيرة)

يدرك كل من يتابع الانتخابات التركية الحالية أن مسألة الهوية هي أحد الوجوه البارزة التي يدور حولها الصراع الانتخابي الجاري بين رجب طيب أردوغان وحزبه من ناحية والمعارضة وعلى رأسها كمال كليجدار أوغلو من ناحية أخرى.

فلا يزال صراع الهوية على أشدّه في تركيا منذ أن عمل مصطفى كمال أتاتورك بعد انتهاء ما سمي بحرب الاستقلال وإعلان قيام الجمهورية سنة 1923، أي قبل قرن من الزمان، على طمس ومحو كل ما له علاقة بالإسلام واللغة العربية في تركيا والدعوة إلى الأخذ بكل ما هو غربي حتى لو تصادم مع عقيدة أهل البلاد وهويتهم الإسلامية.

ففي أعقاب الحرب العالمية الأولى التي انتهت بهزيمة الدولة العثمانية واحتلال قوات الحلفاء لأراضي تركيا ترسخت لدى النخبة التركية ولا سيما أولئك الواقعين تحت تأثير الفكر الغربي قناعة مفادها عدم جدوى أي إصلاح في ظل دولة الإسلام والخلافة وضرورة الأخذ الكامل بالنموذج الغربي العلماني بحلوه ومرّه.

وعلى وقع النجاحات التي حققتها المقاومة التركية ضد القوات الغازية قد استبشر آنذاك كثير من العرب والمسلمين بمصطفى كمال أتاتورك خيرًا حينما رأوه يقود الأتراك في حرب التحرير (1918-1923) ويحرز النصر تلو الآخر على جيوش الحلفاء التي كانت قد احتلت البلاد، حتى إن أمير الشعراء أحمد شوقي ظنه مجددًا لمجد الإسلام فمدحه بقصيدة يقول مطلعها:

الله أكبر كم في الفتح من عجب .. يا خالد الترك جدد خالد العرب

لكن الرجل الذي قاد الترك نحو الانتصار العسكري سرعان ما خيّب آمال كثيرين به حينما عمل ومن معه على محو كل ما له علاقة بالإسلام والخلافة من بلاده التي ظلت مقرا لها طوال 500 سنة تقريبًا. فبعد عقد معاهدة لوزان سنة 1923 ألغت الدولة التركية الخلافة الإسلامية عام 1924 ولم يعد الإسلام هو دين الدولة وتم تبنّي مبدأ العلمانية وحرّم ارتداء الطربوش لأنه كان يلبس في العهد العثماني واستبدل بالقبعة، كما استبدلت الحروف العربية التي كانت تكتب بها اللغة التركية بالحروف اللاتينية. وقد نزلت هذه التغييرات وغيرها كالصاعقة على رؤوس كثيرين ممن استبشروا خيرًا بمصطفى كمال أتاتورك وصحبه.

فكان لسقوط الخلافة الإسلامية أثر الزلزال ودوي كبير لا تزال تتردد أصداؤه حتى يومنا هذا في مختلف أصقاع العالم الإسلامي. وكتب شوقي ينعاها ويؤنب نفسه على مدحه السابق لمصطفى كمال أتاتورك ويعيب عليه وعلى رفاقه بأنهم قد هتكوا بأيديهم ملاءة فخرهم ونزعوا عن الأعناق خير قلادة. وقد جاء في مطلع قصيدته التي يرثي فيها الخلافة:

ضجت عليك مآذن ومنابر  .. وبكت عليك ممالك ونواح

الهند والهة ومصر حزينة  .. تبكي عليك بمدمع سحاح

والشام تسأل والعراق وفارس  .. أمحا من الأرض الخلافة ماح؟

لم يستسلم المجتمع التركي لهذه الهزيمة الثقافية ولهذا الانبطاح أمام كل ما هو غربي ومعاداة كل ما هو إسلامي وتبنّي نموذج علماني متطرف في عدائه للدين على غرار اللائكية المطبقة في فرنسا.

ولئن كان نظام الحكم في دولة الخلافة الإسلامية قد بدأ نظامًا شوريًّا في عهد الخلفاء الراشدين إذ كان يتولى الحكم فيها خلفاء جاء اختيارهم بالبيعة الحرة، إلا أنها تحولت بعد انتهاء حكمهم إلى ملك عضوض ونظام وراثي في عهد الأمويين والعباسيين ثم العثمانيين. وعلى الرغم من أن أيا من هذه الدول لم تنكر أن الإسلام يفرض قيام الحكم على أساس البيعة فلم ينل هذا المبدأ الذي توجبه قاعدة الشورى الاحترام أو التفعيل. وأيًّا كانت المثالب التي صبغت حكم هذه الدول، فإن الخلافة الإسلامية ظلت في ضمير كثيرين رمزًا لوحدة المسلمين وعزتهم وحارسةً لشريعتهم.

لم يستسلم المجتمع التركي لهذه الهزيمة الثقافية ولهذا الانبطاح أمام كل ما هو غربي ومعاداة كل ما هو إسلامي وتبنّي نموذج علماني متطرف في عدائه للدين على غرار اللائكية المطبقة في فرنسا التي تقصي الدين من المجال العام وتعدّه شأنًا شخصيًّا خاصا، فظهرت بين الفينة والأخرى جماعات أو أحزاب وأفراد عملوا على استعادة الهوية الإسلامية المسلوبة والتخفيف من غلواء العلمانيين، لكن الجيش التركي الذي عدّ نفسه حارسًا للقيم الأتاتوركية والعلمانية كان لهم دائمًا بالمرصاد، فكان الانقلاب تلو الآخر لوأد أي حركة أو محاولة تسعى لاستعادة الهوية المفقودة.

فحينما شرع رئيس الوزراء الأسبق عدنان مندريس في بناء مدارس إسلامية وسمح بإعادة الأذان باللغة العربية مثلما كان انقلب الجيش عليه وحوكم وأعدم سنة 1960.

ثم توالت الانقلابات بمعدل انقلاب كل 10 سنوات تقريبا، وكان آخر تلك الانقلابات الناجحة ضد الشخصيات والأحزاب ذات الميول الإسلامية هو ذلك الانقلاب الناعم الذي أجبر رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان على الاستقالة عام 1997. وكان أربكان قد أسس 4 أحزاب، فكان كلما تم الحكم بحلّ حزب له يسارع إلى إنشاء حزب جديد. وفي عام 2001 قام رجب طيب أردوغان ورفاقه، وهم مثل أردوغان ممن تتلمذوا على أيدي أربكان ونهجه السياسي، بإنشاء حزب العدالة والتنمية.

وقد استطاع الحزب أن يحقق الفوز في الانتخابات التركية قبل قرابة 20 عامًا، ولا يزال يقود الدفة في البلاد منذ ذلك الحين. وعلى الرغم مما يوجّه لأردوغان من انتقادات مثل التسلط والاستبداد وغيرها من الاتهامات التي دفعت بعض أقطاب حزبه إلى الانشقاق عنه، فإنه يحسب له ولحزبه الكثير من الإنجازات. فقد استطاع أن يضاعف الدخل الفردي والناتج المحلي لتركيا في سنوات قليلة، وهذه الإنجازات الملموسة كانت عونًا له يوم الانقلاب الذي وقع في عام 2016 فخرجت جموع كثيرة إلى الشوارع مقاومةً للانقلاب حتى فشل.

لا ريب أن أردوغان وصحبه قد اتعظوا من رأس الذئب الذي طار ومن تجارب من سبقوهم فلم يتورطوا في رفع شعارات إسلامية زاعقة تدخلهم في مواجهة مباشرة مع الجيش أو النخب العلمانية التي نشأت وترعرعت على مدى عشرات العقود من الزمان في ظل بيئة سياسية ترى في العلمانية الأيديولوجية الرسمية للدولة.

ولئن كان أردوغان وحزبه لا يعدّان، حسب لغة الخطاب المستعملة والشعارات المرفوعة، حزبًا إسلاميا بالمعنى المتعارف عليه في الدول العربية والإسلامية، فإن الحزب من خلال أفعاله وإنجازاته يجوز وصفه بذلك. فعلى خلاف الحركات والأحزاب المنضوية تحت لواء ما يسمى بالإسلام السياسي التي تنبذ وترفض رفضا كاملا مبدأ العلمانية وتطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية، نجد أن حزب العدالة والتنمية لا يقبل فقط، بل يعلن تمسكه بخط كمال أتاتورك ومبدأ العلمانية. بيد أنهم في الحزب عملوا على إعادة تعريفها على نحو يقيهم من مثالبها، وذلك بأن قالوا إنهم يفهمونها باعتبارها منظومة تكفل الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان بما فيها الحريات الدينية.

ولا ريب أن أردوغان وصحبه قد اتعظوا من رأس الذئب الذي طار ومن تجارب من سبقوهم فلم يتورطوا في رفع شعارات إسلامية زاعقة تدخلهم في مواجهة مباشرة مع الجيش أو النخب العلمانية التي نشأت وترعرعت على مدى عشرات العقود من الزمان في ظل بيئة سياسية ترى في العلمانية الأيديولوجية الرسمية للدولة والتي لا محيص عنها، فكان من هذا المنطلق حرصهم على إعلان التزامهم بمبدأ العلمانية في حكم البلاد. وعلى صعيد العلاقات الخارجية حرص حزب العدالة والتنمية على إقامة علاقات سياسية متوازنة مع الغرب، اتسمت بقدر من الندّية وذلك على خلاف سياسة الانبطاح الكامل سياسيا وعسكريا التي كانت تنتهجها تركيا في علاقاتها مع الغرب وابتعادها عن محيطها العربي والإسلامي.

ومما يحسب لحزب العدالة والتنمية اقترابه من قضايا العرب والمسلمين، فحينما وقعت الأزمة السورية فتح أردوغان أبواب بلاده أمام الأشقاء السوريين الفارين من لهيب حرب أجبرت الملايين منهم على ترك بلادهم. لكن يبدو أن سياسة اليد الممدودة هذه تجاه اللاجئين والتي توجبها قواعد القانون الدولي وتفرضها الدوافع الإنسانية وتحتمها وشائج القربى والأخوة في الإسلام لم ترق لأولئك المقتفين لخطى أتاتورك الرافض لكل ما هو عربي وإسلامي، فراحوا يتعهدون في زمرة الانتخابات بضرورة ترحيل اللاجئين الأجانب وفي مقدمتهم السوريون في غضون عامين في حال فوزهم في الانتخابات، مثلما أعلن زعيم المعارضة كمال كليجدار أوغلو.

وقد لا يجد هذا الصراع المتعلق بالهوية التركية بين هؤلاء المدافعين عن هويتها الإسلامية وأولئك المتشبثين بالخط العلماني الأتاتوركي المتشدد صورة أكثر تعبيرًا من ذلك المشهد الذي اختتم به حملته الانتخابية كل من رجب طيب أردوغان وكمال كليجدار أوغلو قبل بداية انتخابات الجولة الأولى، فبينما اختتم أردوغان حملته بزيارة مسجد آيا صوفيا وقام بأداء صلاة المغرب والعشاء فيه جماعة وسط تكبير وتهليل المصلين، أنهى أوغلو حملته بزيارة ضريح مصطفى كمال أتاتورك.

ومعنى الزيارتين ورمزيتهما ليسا بحاجة إلى توضيح.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.