شعار قسم مدونات

كيف تسهم في إثراء ذاتك الحضارية؟

التسويق بالعمولة يعتبر من أكثر الأعمال ممارسة على الإنترنت
تميزك الإنساني والحضاري في المجال العام الافتراضي يتمثل في قدراتك على أن تقدم للناس المعرفة التي يمكن أن تعطي حياتهم معنى وقيمة (شترستوك)

فتحت ثورة الاتصال مجالات جديدة لبناء القوة الاتصالية والإعلامية للدول، لكن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى تفكير إستراتيجي لتوظيف الثروة البشرية في بناء صورة إيجابية للدولة، وبناء علاقات طويلة المدى مع الشعوب عن طريق إدارة الحوار والمشاركة في الكفاح ضد الاستعمار الثقافي.

وكل فرد يمكن أن يقوم بدور في البيئة الاتصالية الجديدة، عندما يتمكن من معرفة الفرص التي وفرتها له ثورة الاتصال للتفاعل مع الآخرين، وإنتاج المعرفة وتبادلها معهم؛ فأهمّ ما يميز وسائل الإعلام الجديد هو مشاركة المستخدمين، حيث أصبح الاتصال يتدفق في اتجاهين، ويعبّر المستقبل عن رأيه في الرسالة التي يتلقاها، وهذا يتيح للمرسل أن يقوم بتعديل رسائله وإعادة بنائها وصياغتها ليتمكن من زيادة تأثيرها. فماذا يعني ذلك؟!

وفّرت التفاعلية للصحافة الإلكترونية الكثير من الإمكانيات لتطوير مضمونها وعلاقتها بالجمهور، مثل غرف الحوار الحي وندوات النقاش والأسئلة الموجهة للخبراء، فقرّاء هذه الصحف يمكن أن يستجيبوا للمادة التي يقرؤونها بإرسال الرسائل للمحرر

بناء علاقة جديدة مع الجمهور

من أهم التطورات التي يمكن أن تساهم في تغيير العالم، أن الاتصال أصبح يقوم على التفاعل، وفرَض ذلك على الصحافة ووسائل الإعلام أن تبني علاقة جديدة مع جمهورها، وأن تعرف خصائص الجمهور، وتطور مضمونها لإشباع احتياجات المستخدمين، وتوجيه الأسئلة التي يريدها الأفراد للمسؤولين والخبراء. لذلك يستطيع كل فرد أن يساهم في تطوير المضمون الذي تنشره أو تذيعه وسائل الإعلام. لذلك أنت تستطيع الآن أن تفرض على وسائل الإعلام التقليدية (الصحافة والإذاعة والتلفزيون) أن تعبر عنك، وأن تستجيب لآرائك، فنجاحها أصبح يعتمد على قدرتها على أن تقيم علاقة إيجابية معك.

لذلك وفرت التفاعلية للصحافة الإلكترونية الكثير من الإمكانيات لتطوير مضمونها وعلاقتها بالجمهور، مثل غرف الحوار الحي وندوات النقاش والأسئلة الموجهة للخبراء. فقرّاء هذه الصحف يمكن أن يستجيبوا للمادة التي يقرؤونها بإرسال الرسائل للمحرر، واقتراح تغطية أحداث معينة أو طلب المعلومات، كما أن المستخدم يمكن أن يرسل إلى الصحفي/المحرر في الصحافة الإلكترونية بيانات عن اهتماماته، ويتلقى المواد التي تتفق مع هذه الاهتمامات.

لذلك فإن أهم ما يميز صحافة المستقبل أنها صحافة تفاعلية تفتح مجالا للحوار والمناقشة في مختلف أنواع القضايا، وهذا الحوار يساهم في زيادة ثراء وتميز المضمون الذي تقدمه.

في ضوء ذلك، أصبحت الصحف الإلكترونية والمواقع الإخبارية قادرة على تطوير مضمون متميز يتناسب مع اهتمامات الجمهور ويشبع احتياجاته، ويتم صياغته طبقا لاستقراء التغذية المرتدة أو رجع الصدى، ومساهمة القراء (المستخدمين) في النقاش والحوار.

ولم تكن الصحافة الورقية طوال القرن العشرين تستطيع أن تقدم هذا المضمون، أو تتيح لقرّائها أن يشاركوا في بناء المضمون وصياغته.

الإعلام الجديد بما أتاحه من إمكانيات للتفاعل بين مستخدميه، وإنتاج المضمون الذي يستجيب لرغباتهم، أتاح لوسائل الإعلام التقليدية أن تطور نفسها وتستفيد من التفاعل مع جمهورها في تقديم مضمون جديد يشارك الجمهور في إنتاجه

المستخدم وحرية اختيار المضمون

إن التفاعلية يمكن أيضا أن تساهم في تحقيق حرية الاختيار للجمهور، حيث يمكن أن يحصل الفرد على المضمون الذي يشبع احتياجاته، وأن يطرح الأسئلة ويحصل على إجابات بشكل سريع، وهذا يشكل علاقة جديدة بين الصحافة ووسائل الإعلام ومستخدميها.

أما قنوات التلفزيون، فقد واجهت التحديات الجديدة بالعمل على الاستفادة من مواقعها على الإنترنت للحصول بشكل سريع على التغذية الاسترجاعية وإذاعة تعليقات الجمهور وآرائهم. وهذا يعني أن التفاعلية ساهمت في تطوير المضمون الذي تقدمه وسائل الإعلام التقليدية، وأتاحت لها أن تجدد نفسها، وأن تبني علاقة جديدة مع جمهورها.

كما أن الإعلام الجديد بما أتاحه من إمكانيات للتفاعل بين مستخدميه، وإنتاج المضمون الذي يستجيب لرغباتهم، أتاح لوسائل الإعلام التقليدية أن تطوّر نفسها وتستفيد من التفاعل مع جمهورها في تقديم مضمون جديد يشارك الجمهور في إنتاجه.

لكن كيف يمكن أن تستجيب الدول لهذه التطورات، وتقوم بتأهيل كوادرها للتأثير على المضمون الذي تقدمه وسائل الإعلام، وتعدّ نفسها لمرحلة جديدة تتحقق فيها ديمقراطية الاتصال؟!

التفاعل في البيئة الاتصالية الجديدة ونقل المضمون للآخرين يمكن أن يزيد قيمتك وأهميتك المجتمعية، عندما تنطلق عبر الفضاء الإلكتروني لتنشر رسالة تساهم في زيادة المعرفة

تفاعل.. لكن لماذا وكيف؟

وفّرت الإنترنت إمكانيات التفاعل مع الآخرين في مجال عام افتراضي واسع، وهناك الملايين من الأشخاص يتفاعلون بشكل مستمر عبر الشبكة. لكن أسأل نفسك أولا: لماذا تتفاعل؟!

هناك الكثير ممن يتفاعلون بحثا عن التسلية، ويتبادلون مع الآخرين مضمونا رديئا توفره صناعة التسلية الغربية، ولذلك فإن تبادل هذا المضمون يزيد قوة هذه الصناعة، ويوفر لها إمكانيات السيطرة على العقول والأرواح. وهذه التسلية يمكن أن تؤدي إلى التقليل من قدراتك على الكفاح لتحقيق أهداف عظيمة، لذلك لكي تكون فعالا ومؤثرا في المجال العام الافتراضي، لا بد أن تحدد من أنت؟ وما هويتك؟ وما الأهداف التي تريد أن تحققها من خلال هذا التفاعل؟ وما نوعية المضمون الذي تريد أن تتبادله مع الآخرين؟ وهل يساهم هذا المضمون في أن يجعل لحياة الآخرين معنى ويساعدهم على الاكتشاف وزيادة العلم والمعرفة؟

إن التفاعل في البيئة الاتصالية الجديدة، ونقل المضمون للآخرين يمكن أن يزيد قيمتك وأهميتك المجتمعية عندما تنطلق عبر الفضاء الإلكتروني لتنشر رسالة تساهم في زيادة المعرفة وتساعد الآخرين على تطوير حياتهم.

لكن قبل أن تتفاعل، يجب أن تعلم أن الحضارة الغربية أغرقت البشرية في التسلية والمضمون الرديء الذي يقوم في معظمه على التجارة بجسد الإنسان العاري. وهذا المضمون أدى إلى زيادة التفاهة والسطحية والجهل، وقلل من قدرة الإنسان على الكفاح من أجل الحرية.

لذلك، فإن تميزك الإنساني والحضاري في المجال العام الافتراضي يتمثل في قدراتك على أن تقدم للناس المعرفة التي يمكن أن تعطي حياتهم معنى وقيمة وأهمية، وتحررهم من سيطرة صناعة التسلية الغربية.

كيف تفتح للناس آفاقا جديدة؟

لذلك، فإن المستخدم الذي يفهم تميّزه الحضاري، ويريد أن يبني قوة دولته، يمكن أن يفتح للبشرية بتفاعله عبر وسائل الإعلام، ومشاركته الفعالة في المجال العام الافتراضي آفاقا جديدة، ويوفر للآخرين المعرفة التي حرمهم الغرب من حقهم في الحصول عليها طوال القرن العشرين، وهي المعرفة الإسلامية.

وبتقديم هذه المعرفة للآخرين، يمكن أن تزيد أهميتك وتميزك الإنساني والحضاري، فهناك الكثير ممن يتبادلون مواد التسلية الرديئة، لكن أنت الذي تقدم لهم المعرفة المتميزة التي يمكن أن تساعدهم في توفير معنى لحياتهم، وزيادة قدرتهم على الكفاح ضد الرأسمالية والاستعمار القديم والجديد والاستبداد والجهل والفقر.

بذلك تستطيع أن تساهم في بناء قوة الأمة الإسلامية، وبناء صورة إيجابية للإسلام، وقيادة الشعوب بالمعرفة، وتصبح فاعلا في بناء المستقبل.

تفاعل مع الأحداث، واربط رسالتك بها، واستخدم الأحداث الآنية في البرهنة على المعاني التي تريد توصيلها

التفاعل والقيادة القائمة على المعرفة

لذلك، قبل أن تتفاعل، حدد أهدافك بوضوح، فأنت قائد المعرفة في زمن جديد يحتاج فيه الناس إلى نوعية من المضمون أرقى وأعلى من تلك التي توفرها صناعة الإعلام والمعلومات والتسلية الغربية.. ولكن كيف؟!  لكي تتمكن من جذب انتباه الآخرين لرسائلك، وتحفزهم لتبادلها ونقلها للآخرين، يجب أن تراعي ما يأتي:

  • الاختصار: فالسرعة من أهم سمات العصر، وأنت تتنافس مع الكثير من الأشخاص والمؤسسات على انتباه الناس، لذلك حدد الفكرة التي تريد أن توصلها للآخرين، وعبّر عنها دون إطالة أو حشو أو إطناب لا مبرر له.
  • الوضوح: فكلما كانت رموز الرسالة واضحة، وتدخل في إطار الخبرة المشتركة مع الذين تريد أن تنقل الرسالة لهم، زادت إمكانيات تأثيرها. لذلك تجنب الغموض واستخدام المصطلحات الصعبة والكلمات المهجورة، كما يجب أن تهتم بصياغة العبارات القصيرة.
  • تفاعل مع الأحداث: واربط رسالتك بها، واستخدم الأحداث الآنية في البرهنة على المعاني التي تريد توصيلها، حيث يزيد تأثير الرسائل كلما زاد تشابكها مع هموم الناس ومشكلاتهم والقضايا التي تشغلهم والأخطار التي تواجههم.
  • ادرس احتياجات الذين تتفاعل معهم: وحاول أن تشبعها بالرسائل التي تنقلها لهم، وبالمعرفة التي تتقاسمها معهم، فكلما زاد فهمك للذين تتفاعل معهم زادت قدرتك على إشباع احتياجاتهم برسائلك.
  • استخدم كل الإمكانيات التي تتيحها لك الإنترنت: فيمكن أن تستخدم النص والصورة والفيديو والأشكال البيانية، والبرهنة على صحة رسالتك بالأبحاث العلمية، والمواد التي تنشرها وسائل الإعلام الأخرى.

الكثير من التجارب في الثورات العربية تؤكد أهمية تحقيق التكامل بين الفضاء الإلكتروني والميادين التي يتفاعل فيها الناس بشكل مباشر

تفاعل في المجال العام الواقعي أولا!

إن التفاعل في المجال العام الافتراضي ليس بديلا عن التفاعل مع الآخرين باستخدام الاتصال المباشر. والتركيز على التعبير عن آرائك داخل الفضاء الإلكتروني يمكن أن يؤثر على قدراتك على الحوار مع الآخرين بشكل مباشر.

لذلك فإنك لا بد أن تدرك أن حضورك بين الناس والتفاعل معهم في المجال العام الواقعي يزيد قدراتك على التفاعل عبر وسائل الإعلام. لذلك اعمل دائما على تحقيق التكامل بين حضورك الواقعي والافتراضي بين الناس، حيث يمكن أن تنقل عبر الفضاء الإلكتروني تغطيتك للأحداث التي شاهدتها في الواقع، وتجاربك الإنسانية في التفاعل الحقيقي مع الآخرين والحوار معهم.

هذا التكامل يمكن أن يفتح لنا مجالا واسعا لتطوير صناعة المضمون. وعلى سبيل المثال، فإن مشاركة الكثير من الفلسطينيين في المظاهرات والمقاومة، ثم نقلهم للصور وتغطيتهم للأحداث، ونقلهم للتجربة الكفاحية الإنسانية المتميزة للشعب الفلسطيني، وفرّ للبشرية مضمونا يمكن أن يساهم في زيادة قدراتها على الكفاح لتحقيق أهداف طويلة المدى، وللنضال ضد الاحتلال والاستبداد والغطرسة الاستعمارية، كما أن مشاركة الكثير من المستخدمين في ثورات الربيع العربي، وفّر لهم إمكانيات كبيرة للتأثير في المجال العام الافتراضي، وأدى إلى زيادة جاذبية رسائلهم.

وهناك الكثير من التجارب في الثورات العربية التي تؤكد أهمية تحقيق التكامل بين الفضاء الإلكتروني والميادين التي يتفاعل فيها الناس بشكل مباشر، وهذا يفتح مجالات جديدة لتطوير كفاح الشعوب في القرن الحادي والعشرين، وزيادة قدراتها على تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة.

عندما تعرف البيئة الاتصالية الجديدة، وما يمكن أن تفتحه لك من مجالات لتطوير صناعة المضمون، يمكن أن تساهم في توفير معرفة متميزة لشعوب العالم عن الإسلام

ابدأ العمل لزيادة قوة دولتك

لذلك، لا بد من العمل على تأهيل الأفراد لتحقيق هذا التكامل بالمشاركة في كفاح شعوبهم، ونقل التجارب الإنسانية المتميزة للآخرين عبر التفاعل معهم في الفضاء الإلكتروني.

واستخدام الهاتف المحمول بكل إمكانياته يمكن أن يتيح النقل المباشر لهذه التجارب الإنسانية، وتغطية الأحداث، ومشاركة الآخرين في نقلها ونشرها. ويمكن أيضا إرسالها إلى وسائل الإعلام التقليدية مثل قنوات التلفزيون والمواقع الإخبارية ومواقع الصحف.

وأنت عندما تعرف البيئة الاتصالية الجديدة، وما يمكن أن تفتحه لك من مجالات لتطوير صناعة المضمون، ونقل المعرفة للآخرين في المجال العام الافتراضي، فإنك يمكن أن تساهم في توفير معرفة متميزة لشعوب العالم عن الإسلام، وعن دولتك، ويمكن أن تتحدى بهذه المعرفة صناعة الإعلام والمعلومات والتسلية الغربية، والاستعمار الجديد.

لكن، لكي يقوم الفرد بدوره في زيادة قوة دولته الناعمة، فإنه يحتاج إلى تعليم وثقافة إعلامية. لذلك يجب أن تعمل الدول على إعداد كوادرها وتأهيل أبنائها للمساهمة في الحوار والنقاش وتبادل المعرفة في المجال العام الافتراضي، الذي يجب أن يتكامل مع المجال العام الحقيقي الذي تكافح فيه الجماهير لتحقيق الحرية والديمقراطية، وتقاوم الاستعمار والاستبداد والسيطرة الغربية.

فهل يمكن أن تقوم الجامعات العربية بدورها في تأهيل جيل جديد يكون فاعلا في بناء المستقبل بنقل المعرفة عن الإسلام، ويصور كفاح الشعوب العربية، ويدير النقاش مع الآخرين، ويقدّم رسائل توفر لهم المعرفة؟!

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.