شعار قسم مدونات

داود وسليمان في موكب الأنبياء والمرسلين

المسجد الأقصى كان ملتقى الأنبياء (الجزيرة)

عرض القرآن الكريم موكب الإيمان يقوده ذلك الرهط من الرسل من نوح إلى إبراهيم إلى خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، يعرض السياق هذا الموكب ممتدا موصولا، وبخاصة منذ إبراهيم وبنيه من النبيين، ولا يراعي التسلسل التاريخي في هذا العرض، كما يلاحظ في مواضع أخرى؛ لأن المقصود هنا هو الموكب بجملته، لا تسلسله التاريخي.

ومن جملة من ذكر في هذا الموكب من الأنبياء والمرسلين: داود وسليمان عليهما السلام.

  • قال تعالى: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين﴾ [الأنعام: 84].
  • وقال تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا﴾ [النساء: 163].

وهذا السياق القرآني يتحدث عن موكب واحد يتراءى عن طريق التاريخ البشري الموصول، ورسالة واحدة بهدى واحد للإنذار والتبشير، وموكب واحد يضم هذه الصفوة المختارة من البشر: نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وعيسى، وأيوب، ويونس، وهارون، وسلميان، وداود، وموسى، وغيرهم ممن قصهم الله على نبيه ﷺ في القرآن الكريم، وممن لم يقصص عليه، موكب من شتى الأقوام، والأجناس، وشتى البقاع والأرضين، في شتى الأزمان، لا يفرقهم نسب ولا جنس، ولا أرض، ولا وطن، ولا زمن، ولا بيئة، كلهم آت من ذلك المصدر الكريم، وكلهم يحمل ذلك النور الهادي، وكلهم يؤدي الإنذار والتبشير، وكلهم يحاول أن يأخذ بزمام القافلة إلى ذلك النور، سواء منهم من جاء لعشيرة، ومن جاء لقوم، ومن جاء لمدينة، ومن جاء لقطر.

إن القرآن الكريم يثبت نبوة داود وسليمان عليهما السلام، وخص الله تعالى سيدنا داود عليه السلام في الآيات من سورة النساء بذكر خاص: ﴿وآتينا داود زبورا﴾ لمكانته عليه السلام وإثبات نبوته بإتيانه الحكمة المفسرة بالنبوة

ثم من جاء للناس أجمعين محمد رسول الله ﷺ خاتم النبيين كلهم، تلقى الوحي من الله فما جاء بشيء من عنده، أولئك الرسل -من قص الله على رسوله منهم ومن لم يقصص- اقتضت عدالة الله ورحمته أن يبعث بهم إلى عباده يبشرونهم بما أعده الله للمؤمنين الطائعين من نعيم ورضوان، وينذرونهم ما أعده الله للكافرين العصاة من جحيم وغضب، كل ذلك ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾، ولله الحجة البالغة في الأنفس والآفاق، وقد أعطى الله البشر من العقل ما يتدبرون به دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق، ولكنه سبحانه وتعالى، رحمة منه بعباده، وتقديرا لغلبة الشهوات على تلك الأداة العظيمة التي أعطاها لهم -أداة العقل- اقتضت رحمته وحكمته أن يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين يذكرونهم، ويبصرونهم، ويحاولون استنقاذ فطرتهم وتحرير عقولهم من ركام الشهوات التي تحجب عنها أو تحجبها عن دلائل الهدى وموجبات الإيمان في الأنفس والآفاق ﴿وكان الله عزيزا حكيما﴾، عزيزا: قادرا على أخذ العباد بما كسبوا. حكيما: يدبر الأمر كله بالحكمة، ويضع كل أمر في نصابه. (في ظلال القرآن،5/ 805-806).

ونقف أمام عظمة العدل الذي يرتب للناس حجة على الله لو لم يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، هذا ما احتشد كتاب الكون المفتوح، وكتاب النفس المكنون بالآيات والشواهد على الخالق ووحدانيته، وتدبيره وتقديره وقدرته وعلمه.

ومع امتلاء الفطرة بالأشواق والهواتف إلى الاتصال ببارئها والإذعان له، والتناسق والتجاوب والتجاذب بينه وبين دلائل وجود الخالق في الكون والنفس، ومع حبة العقل الذي يملك أن يحصي الشواهد ويستنبط النتائج، ولكن الله سبحانه مما يعلم من عوامل الضعف التي تطرأ على هذه القوى كلها، فتبطلها، أو تفسدها، أو تطمسها، أو تدخل في حكمها الخطأ والشطط، قد أعفى الناس من حجية الكون وحجية الفطرة وحجية العقل، ما لم يرسل إليهم الرسل، ليستنقذوا هذه الأجهزة كلها، مما قد يدخل عليها. وليضبطوا بموازين الحق الإلهي الممثل في الرسالة، هذه الأجهزة فتضح أحكامه حين تستقيم على الإقرار والطاعة والاتباع، أو تستحق العقاب. (في ظلال القرآن، 8-806)

إن القرآن الكريم يثبت نبوة داود وسليمان عليهما السلام، وخص الله تعالى سيدنا داود -عليه السلام- في الآيات من سورة النساء بذكر خاص: ﴿وآتينا داوود زبورا﴾ لمكانته -عليه السلام- وإثبات نبوته بإتيانه الحكمة المفسرة بالنبوة، في قوله تعالى: ﴿وآتاه الله الملك والحكمة﴾، وذكر الله تعالى تفضيل سيدنا داود -عليه السلام- على بعض النبيين إجمالا: ﴿وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داوود زبورا﴾ [الإسراء: 55]؛ وبتنكير "زبورا" في الآية دلالة على عظمته وتشريفه وتأثيره في النفوس، فإنه قد ورد أن داود -عليه السلام- كان إذا جلس يقرأ الزبور للوعظ والتذكير بآياته بكى واستبكى واجتمع الجن والإنس والطير والدواب والوحوش حوله. (البداية والنهاية، 2/11).

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.