شعار قسم مدونات

لماذا أخفقت أولى محاولات الإصلاح في تونس؟

الظروف شجعت أحمد باشا للإسراع في الإصلاحات لحماية دولته قبل فوات الأوان، فحاول التقرّب إلى فرنسا ليتقي شرها ويستمدّ منها الأفكار الإصلاحية (الصحافة الفرنسية)

يتزامن هذا الشهر مع ذكرى تأسيس المدرسة الحربية في مدينة باردو بالعاصمة تونس في مارس/آذار 1840، التي تعد أحد أهم إنجازات ملك تونس المصلح أحمد باشا باي وكانت أول خطوة لـ"عصرنة" البلاد وتحديثها والتي توّجها بإعلان منع تجارة الرق. رغم ذلك عرفت خطته الإصلاحية إخفاقا في نهاية الأمر، فما الأسباب؟

ولد أحمد باشا باي في الثاني من ديسمبر/كانون الأول 1806، واشتهر بحبه لتونس وتفانيه لجعل "الإيالة" (المستوى الأعلى في التقسيم الإداري العثماني) العثمانية دولة متطورة وحديثة.

تولّى مقاليد الحكم إثر وفاة والده مصطفى باي في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 1837 في وقت كان العالم يعيش ظروفا خاصة، فمن جهة كانت أوروبا قد خطت خطوة كبيرة في العلوم مقارنة بالعرب والمسلمين حتى صارت قوة عالمية ومن جهة ثانية فرنسا كانت قد احتلت الجارة الجزائر ومن جهة ثالثة إسطنبول عاصمة الخلافة التي ينتمي لها أحمد باي قد بدأت في الترهل ولم تستطع حماية إيالتها الجزائرية ومن جهة رابعة وصلته أخبار محمد علي باشا الذي قضى على المماليك في مصر وبدأ في إصلاحات من دون العودة بالضرورة إلى الباب العالي في إسطنبول.

كانت أولى الخطوات التي قام بها زيارته لفرنسا فانبهر بتقدمها وبناياتها، وعاد إلى بلاده مصمما على اللحاق بأوروبا، فأنشأ معامل للصناعات المحلية كالزيت والصابون، وأسس مصرفا وطنيا بتمويل تونسي صرف، وافتتح في مارس/آذار 1840 المدرسة الحربية في مدينة باردو

هذه الظروف شجعت أحمد باشا للإسراع في الإصلاحات لحماية دولته قبل فوات الأوان، فحاول التقرّب إلى فرنسا ليتقي شرها ويستمد منها الأفكار الإصلاحية واستعان بمستشاره المصلح أحمد بن أبي الضياف صاحب كتاب "إتحاف أهل الزمان". وكانت أولى الخطوات التي قام بها زيارته لفرنسا فانبهر بتقدمها وبناياتها، وعاد إلى بلاده مصمما على اللحاق بأوروبا، فأنشأ معامل للصناعات المحلية كالزيت والصابون، وأسس مصرفا وطنيا بتمويل تونسي صرف، وافتتح في مارس/آذار 1840 المدرسة الحربية في مدينة باردو والتي كانت ثورة في وقتها وخطوة كبرى في "عصرنة" التعليم، حيث تخرج منها سياسيون وضباط ورجال دولة تعلموا الفنون العسكريّة الحديثة وصناعة الأسلحة والسفن والفيزياء واللغات والحضارة والشعر، واستقدم لها أفضل الأساتذة في العالم.

وتخرجت من تلك المدرسة نخبة من رجال الدولة المصلحين كخير الدين باشا والجنرال رستم. وكان أهم وأجرأ قرار أخذه هو منع تجارة الرقيق عام 1846، حيث كانت تلك التجارة منتشرة في البلاد، وأعلن أنّ كل مولود في تونس هو مواطن مثله مثل أي مواطن آخر له نفس الحقوق والواجبات، سابقا بذلك الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن الذي حاكاه في قراراته.

توفي أحمد باشا باي في 30 مايو/أيار 1855، إلا أن إصلاحاته لاقت رواجا تاريخيا واسعا، وانتهت أغلبها بالإخفاق وذلك لعدّة أسباب أهمها:

  • أولا: كانت المشاريع ضخمة جدا وكان يعتمد كليا على خزينة الدولة التي كانت فارغة أصلا مما أوقف عدّة مشاريع قبل اكتمالها.
  • ثانيا: لم يجد رجال دولة يدعمونه، فقد كان أغلب أعيان الدولة يعتاشون من الفساد كمدير البنك الوطني الذي نهب كل أموال البنك وفرّ لفرنسا.
  • ثالثا: اعتماده على خبرة فرنسا التي عملت كل ما في وسعها لإفشال مشاريعه تمهيدا لاحتلال البلاد.
  • رابعا: دخوله في مشاريع فاشلة أصلا كحرب القرم التي خسر فيها كل الجيش الذي بناه وقصر المحمدية التي كانت غرورا مبالغا فيه أفرغ به ميزانية البلاد، حتى قبل أن يكتمل.
  • خامسا: حتى الإنجازات التي نجحت تم طمسها عمدا من قبل نظام ما بعد الاستقلال لتبدو فترته فترة مظلمة ولإقناع الشعب بصواب قرار إلغاء الملكية وتأسيس الجمهورية.

إذن لا تكفي رغبة الحاكم في الإصلاح، بل ولا يكفي حتى الانطلاق في تنفيذ هذه الرغبة، إن لم يصاحبها تخطيط محكم واختيار الرجال المناسبين لذلك. وهو ما كان ينقص المشير أحمد باشا باي، الذي لم يخفق في خططه الإصلاحية فحسب، بل كان ذلك الإخفاق تمهيدا لدخول البلاد في دوامة من الأزمات الاقتصادية انتهت باحتلالها بعد 25 سنة من وفاته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.