شعار قسم مدونات

نواب الشعوب.. في قصر الطاغية السوري

وفد من الاتحاد البرلماني العربي يزور دمشق (رئاسة الجمهورية العربية السورية)

شخصيا لم أتمكن من انتخاب "نائب" يمثلني في المجلس التشريعي الفلسطيني، للتحدث باسمي، ومن أقراني وأبناء جلدتي مئات الآلاف الذين لم يمارسوا هذا الحق من اللاجئين، وفي مجتمعات عربية مماثلة هناك كثير ممن تزور باسمهم انتخابات البرلمانات العربية المتحدثة باسم الشعب، فكل حديث وسلوك لنواب الشعب مرتبط بدوائر السلطات الحاكمة وأجهزتها الأمنية، وكل تغريد خارج هذه الدوائر مصيره معروف بشواهد ودلالات كثيرة في البلدان التي يتآزر فيها النواب مع الطغاة، وخصوصا في التمثيل البرلماني للطوائف المذهبية أو تلك المحسوبة شخصياتها على تيار السلطة الحاكمة.

في كلتا الحالتين التمثيل البرلماني بعيد كل البعد عن مصلحة المواطن العربي ومطالبه وطموحاته وآماله، وإذا أخذنا أحد أسباب اندلاع الثورات العربية بأن جزءا منه كان هذا التهميش لغياب الحق في حرية التمثيل والعمل السياسي والانتخاب بعيدا عن تسلط أجهزة الأمن ومصادرة حرية البشر في وصول من يعبر لمصالحهم لقبة البرلمان.

معظم البرلمانات العربية، في تشكيلتها الحالية، صورية ومزيفة، لغياب الديمقراطية والحرية والشفافية وقتل العمل السياسي، وانعدام المواطنة الحقيقية، مما أفرز نوابا على مقاس الأنظمة حكوماتها وأجهزتها الأمنية، وكما كان في الأنظمة القمعية "فن وأدب" تنفيسي، هناك أيضا نواب التنفيس والتصفيق يتصدرون المشهد بديكورات هزلية وبشعارات مأخوذة من قاموس الطاغية، يمجدون سلوكه وضحكته وخطابه، ويدافعون بشراسة عن جرائمه ويبررونها وينشدون جماعيا نشيد المؤامرة.

في المشهد البرلماني لأنظمة الثورات المضادة المتلاقية مع نواب أنظمة القمع والقهر، يظهر أفق الحياة السياسية بأجواء أكثر سوادا وقلقا في الشارع من التضييق على هامش الحريات وتغول القمع، فبعد انتهاء أعمال مؤتمر البرلمان العربي الـ 34 في بغداد، طار وفد منه إلى دمشق يضم رئيس الاتحاد البرلماني العربي ورؤساء مجالس نواب جل الدول العربية.

عمد الأسد لقتل وتشريد أبناء فلسطين في مخيمات سوريا وقام جيشه "بتعفيش" وسرقة ممتلكات اللاجئين وبنقل حي ومباشر على شاشات التلفزة

المؤسف أن زيارة نواب الشعب العربي، للطاغية السوري، تأتي في توقيت يتوافق مع ما أنجزه النظام السوري من جرائم خلفت مليون قتيل وتشريد نصف سكان سوريا وتحطيم بنية المجتمع، بالإضافة لارتكابه جرائم ضد الإنسانية.

يكفي رصد مواقف رئيس "المجلس الوطني الفلسطيني" وهو مجلس غير منتخب إلى الآن ومعين بشكل صوري، يقدم لرأس النظام السوري أمنيات بعودته "للعمل العربي" وهو الذي عمد  لقتل وتشريد أبناء فلسطين في مخيمات سوريا وقام جيشه "بتعفيش" وسرقة ممتلكات اللاجئين وبنقل حي ومباشر على شاشات التلفزة، وقتل في فرع فلسطين تحت التعذيب آلاف الفلسطينيين بشهادات ووثائق ضخمة ومروعة كان الصادم فيها حفرة التضامن التي أعدم فيها شبان ونساء فلسطين على عجل وبسرعة، هذه الجزئية فقط تكفي للإشارة إلى كم التزوير والتزييف الذي يحمله نواب الشعب بكل سرور وسعادة في بلاط الطاغية السوري، ولم تحرك هذه الجرائم ضمير النائب لمحاسبة المجرم على جرائمه.

يسقط النواب العرب عند أعتاب طاغية عدو للشعب، بينما يراه النواب أملا لهم في المضي بتزوير التاريخ والحاضر والمستقبل

وعلى العكس، يتم إخراس ذوي الضحايا من قبل ممثليهم وإلا سيتم إبلاغ أجهزة أمن النظام عنهم في البلدان التي يعيشون فيها، التي تنتدب ممثليها لنظام الأسد، عبر وفودها البرلمانية السعيدة بلقاء مجرم العصر، ولا تختلف وظائفها في امتهان التزوير والافتراء، لتلميع المجرم والتطبيع معه بهدف طمس جرائمه، النواب يقفون اليوم على قلب طاغية واحد في معظم العواصم العربية، وإن السعي لمحاصرة وعزل كل من ينادي بالحرية والمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان هو مهمة مشتركة بين النواب وأجهزة أمن الطغاة.

أخيرا، يسقط النواب العرب عند أعتاب طاغية عدو للشعب، بينما يراه النواب أملا لهم في المضي بتزوير التاريخ والحاضر والمستقبل، لكن حتى لو أدلى كل برلمانيي العرب بشهاداتهم المتكبرة على ضحايا فرع فلسطين ومجازر الغوطة وضحايا الكيميائي والسارين ومجازر الفروع الأمنية، وحتى لو التزم البعض بصمتهم السعيد في حضرة السفاح، ستبقى الأمنيات العربية بصياغة عربية جماعية نحو الحرية والمواطنة والعدالة الإنسانية، صياغة لن يفهمها نواب التزوير بصفاقة "عربية" للحديث عن شعارات دمرها الطاغية ويحاول نواب التزوير محو آثارها بابتسامات ومصافحة يد الطاغية والثناء على ما أزهقته من أرواح.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.