شعار قسم مدونات

المقاومة بين تكتيكات الانفعال وإستراتيجيات القتال

blogs منظمة التحرير الفلسطينية
منظمة التحرير تمسك بتلابيب قيادة الفلسطينيين الرسمية مستغلة مساعدة بعض القوى بالمنطقة (الجزيرة)

بات واضحا مستوى الركود الذي أوصلتنا إليه مغامرات منظمة التحرير الفلسطينية المستمرة لعقود، والأوضح أنها رغم كل هذا الركود ما زالت تصر على نفس السياسات القاتلة، والأكثر وضوحا أنها لا تتورع عن الإمساك بتلابيب قيادة الفلسطينيين الرسمية، مستغلة مساعدة بعض القوى الرسمية في المنطقة لتجسيدها وإبقائها جاثمة على حلم التحرر الفلسطيني، ولأخذ الفلسطينيين وقضيتهم لحالات أكثر ظلما وظلاما مما يعيشونه اليوم، وإذا أرادت المقاومة أن تعيد القضية الفلسطينية لمساراتها الصحيحة بحق؛ فعليها أولا تولي زمام قيادة المشروع الوطني وبلا تردد؛ وعليها بالتوازي مع ذلك ادخار القوة ما استطاعت إليه سبيلا، وعدم تفريغ بطاريات شحن طاقتها الوطنية كلما تعرضت لاحتكاك مقصود من العدو هنا أو هناك، لكون ادخار هذه الطاقات ومراكمتها هو ما سيشكل فيزيائية الفلسطينيين على كافة الصعد؛ إذ أضحى وجود القضية الفلسطينية يقوم حاليا على محصلة الجهد الفلسطيني والقليل من بقايا جهود غالبا ما تكون موجهة وليست بمعزل عن مشاريع أخرى بالمنطقة.

ومن الطبيعي أن تكتسب قوى المقاومة زخمها السياسي جراء انعكاس فعالية مقاومتها العسكرية، إذ أثبتت أن ضرباتها للاحتلال مؤثرة، ما أكسبها مكانة فرضتها رقما سياسيا مهما بعد جولات قتال كانت أشبه بالحرب الشاملة خاضتها بكل بسالة وحرفية أدهشت الكثيرين، وصحيح أن أثمان هذه الحروب ليست بالهينة ولكنها مثلت ضرورة وطنية لم يكن هنالك مفر منها آنذاك، ولكن مثل هذه الأثمان يجب أن تدفع بطريقة أخرى في إطار الإستراتيجية الكلية للصراع، إذ بات عليها أن تخرج من نطاق رد الفعل إلى نطاق التخطيط الإستراتيجي المنضبط انفعاليا والمدروس تفاعليا.

سيحاول العدو غالبا اختيار أوقات تتصاعد فيها الروح القتالية لدى الفلسطينيين تلقائيا، كونها مناسبات مرتبطة بتفكيرهم العقائدي، أبرزها شهر رمضان المبارك المرتبط بصور الانتصارات تاريخيا

إن الدخول في مواجهة عسكرية واسعة النطاق في غزة حاليا يُمثل خطأً إستراتيجيا يجب عدم الوقوع فيه، لكونه لا يحقق ذلك الشحن المطلوب لترسيخ المقاومة قائدا للمشروع الوطني الفلسطيني، حيث يفرغ بطاريات طاقة المقاومة في حين يجب مراكمتها للوصول إلى عتبة التأثير السياسي ابتداء؛ كما أن التجربة علمتنا بأن مثل هذه المواجهة ستكون بمثابة مخدر موضعي للفعل الثوري في ساحات المواجهة الفلسطينية الأخرى كالضفة والداخل المحتل؛ ناهيك عن كونها تمثل فرصة ذهبية لتصدير أزمة حكومة نتنياهو الداخلية للساحة الفلسطينية.

وسيحاول العدو غالبا اختيار أوقات تتصاعد فيها الروح القتالية لدى الفلسطينيين تلقائيا، كونها مناسبات مرتبطة بتفكيرهم العقائدي، أبرزها شهر رمضان المبارك المرتبط بصور الانتصارات تاريخيا؛ ويحاول العدو الضغط مكانيا بتجاوز خطوط حمراء تجاه أماكن مقدسة، يعرف العدو أنها ستحرك نبض الفداء الفلسطيني بكل أطيافه، فيضمن بذلك غالبا تحقيق مآربه من فرض مواجهة واسعة النطاق بالشكل التقليدي مع المقاومة كلما أراد ذلك، مواجهة لن تكون ذات مردود يستحق أثمانها لما ستفرضه على الفلسطينيين من ظروف  يتضح أغلبها في الأفق السياسي المنظور.

حاليا وحالا، مطلوب تغليف المقاومة العسكرية بمقاربة توعوية جديدة تقوم على قراءة مقياس عوائد النفع المرحلية مطروحا منها مستوى الضرر والأهم مدى إمكانية تعويضه؛ وكذلك ملاحظة تأثير هذا الفعل على مستويات الفعل الثوري في الساحات الوطنية وانعكاساتها الإقليمية، ومدى سريان مفعول تأثيرها زمنيا وصولا لحالة استثمار أمثل.

وفي هذه الحالة على المقاومة أن تتجنب أية مواجهة تدعى إليها حتى لو كانت لوازمها اللوجستية جاهزة على أكمل وجه؛ فليس كل قوة مدخرة جاهزة للصرف وليست كل قوة تحوزها يحب أن تستعملها حالا، خصوصا إذا كان الاستعمال الكلي لها محفوفا بمخاطر الاستهداف الوجودي اللاحق، كما أن دواعي الاستعمالات السابقة للقوة الكلية وإن حققت الكثير من الأهداف إلا أنها مثلت معادلة يجب الخروج منها، والمتمثلة باعتماد العدو إستراتيجية الشحن والتفريغ مع المقاومة العسكرية في غزة كون أثمان التفريغ مقبولة لديه إذا ما قيست في السياق الزمني الكلي للصراع مقارنة مع ما تمثله قدرات المقاومة من مخاطر على وجودية كيانه إذا ما تراكمت واستثمرت في سياقات ربط الفعل العسكري المقاوم بتحقيق الأهداف السياسية ضمن أُطر المعادلة الوطنية الكلية.

طبيعة الرد ومستواه هما ما يجب أن يدرسا جيدا وبعناية، كي لا يفضي لتحقيق أهداف المحتل في السياق التلقائي للأحداث، وبصورة أوضح يجب أن تفكر المقاومة في توجيه ضربات مدروسة ومؤثرة للعدو عبر عمليات نوعية محددة

في المقابل، كان وسيبقى تجسيد معادلات المشاغلة اليومية بجميع الساحات الفلسطينية، لاستنزاف الاحتلال وتعظيم أثمانه هو عين النجاح لمحصلة الجهد الوطني الفلسطيني، وهو ما يتحقق جزئيا في أغلب ساحات المواجهة مع عدو لا يتورع عن ارتكاب الحماقات يوميا، والشعب الفلسطيني كان دوما على قدر التحدي وفي مستوى المسئولية؛ إلا أن حالة غزة التي اعتادت الاعتماد على الأذرع العسكرية لمجابهة حماقات العدو، تحتاج للمزيد من الجهد لتركيز اعتماديتها على معادلة المشاغلات اليومية دون الوصول بالحالة لمستوى المواجهة العسكرية التقليدية واسعة النطاق والتي قد تشوش على مشاغلات الساحات الأخرى للعدو؛ والمطلوب في هذه المرحلة ادخار قوة الأذرع العسكرية ومراكمة قوتها لأعلى مستوى، والتركيز على استنزاف الاحتلال بالمشاغلة كونها تدعم الساحات الأخرى معنويا، ولأنها تؤكد انخراط الكل الفلسطيني بكافة مستوياته في المشاغلة كل حسب ما يناسب طاقته من أدوار تتكامل في المحصلة لرسم لوحة النضال في هكذا ظروف.

وفي حال اعتداء الاحتلال، من الطبيعي أن ترد المقاومة ولا تقف مكتوفة الأيدي فقد ادخرت طاقتها وحشدت قدرتها للذود عن حمى المقدسات وترسيخ الثوابت ولا شك في ذلك، ولكن طبيعة الرد ومستواه هما ما يجب أن يدرسا جيدا وبعناية، كي لا يفضي لتحقيق أهداف المحتل في السياق التلقائي للأحداث، وبصورة أوضح يجب أن تفكر المقاومة -في حال الرد على الاعتداء- في توجيه ضربات مدروسة ومؤثرة للعدو عبر عمليات نوعية محددة، ومن ثم احتواء رد الفعل الصهيوني بكل الطرق الممكنة؛ وعدم الانسياق وراء سيناريو الحرب الشاملة في أي ظرف وتحت أي تأثير، كون هذه الضربات تحقق مستوى الردع المطلوب للعدو لثنيه عن جرائمه دون دفع أثمان أكبر خارج السياق المطلوب ولكونها أيضا تحقق للمقاومة الحفاظ على أسبقية الفعل والتأثير في سياق الاحتفاظ بالطاقات القتالية ومراكمة القوة كتوجه ضروري نحو إدارة الصراع.

نتفق جميعا على أن المقاومة فرضت نفسها رقما صعبا في مراحل فارقة وقدمت وبذلت جهدا حافظ على القضية الفلسطينية من التصفية في أوقات بغيضة من التآمر والاستهداف، ومثلت حينها صمام أمان للكل الفلسطيني؛ وهي من خلفت حالة نعيشها اليوم لنجد أنفسنا مطالبين فيها بالمزيد من نوعية الأداء المناسب لسمات المرحلة، فلا يمكن بكل حال أن تعيش المقاومة حربا شاملة مع كل انفعال صهيوني يميني متطرف ولكن يمكن أن يعاقب الصهيوني على هذا الانفعال بضربات محددة زمانا ومكانا.

المقاربة الإستراتيجية لا تقلل من قيمة تأثير المقاومة، كونها الرافعة الأولى لبرنامج التحرر الوطني، إنما تريد هذه المقاربة ترشيد صرف قوتها بل والحرص على مراكمتها لتصل لمستوى الآمال غير الممكنة حاليا

ومن باب أهمية الموازنة بين الروح الوطنية مرتفعة السويّة وبين متطلبات ومعطيات الواقع، بات واجبا على الفلسطيني أن يُخرج من عقليته فكرة الضربة القاضية لحسم الصراع، والتي تعتبر خيالا منفصلا عن واقع موازين القوى، وعليه أن يدرك أولا وآخراً أنه يمثل مقاومة لشعب مكلوم وليس قوة دولية أو إقليمية، وأن حدود معالم الاشتباكات لهذه المقاومة لها خصوصياتها المختلفة عن القوى الدولية التقليدية حتى وإن استطاعت مقارعتها، فهي في النهاية آلة تعمل وفق أفق سياسي مقرون بأهداف تكتيكية ونواظم إستراتيجية، ومن العبث أن يقوم أي فعل لها على قاعدة الانتصار اللحظي المُفضي للتحرير النهائي.

والمقاربة الإستراتيجية لا تقلل من قيمة تأثير المقاومة، كونها الرافعة الأولى لبرنامج التحرر الوطني، إنما تريد هذه المقاربة ترشيد صرف قوتها بل والحرص على مراكمتها لتصل لمستوى الآمال غير الممكنة حاليا؛ كما أن المتغيرات السياسية على الساحة الدولية يجوبها الكثير من الضباب ويكتنفها المزيد والمزيد من الغموض التلقائي والمقصود، وليس من الحكمة التحرك على قاعدة صرف كل الجهد في هكذا ظروف قد تسفر عن انفراجات وقد تسفر عن معادلات أكثر تعقيدا وخطورة.

ولعل تأمل بعض الحالات في الساحة الدولية يصل بنا للإضاءة أكثر على  ما وراء القصد؛ حيث أدركت دول ما تصنعه أميركا من مطاحن لطاقتها على حدودها فأحجمت عن التورط فيها وآثرت ادخار قوتها بعكس ما أريد لها؛ فيمكننا النظر لإحجام تركيا إزاء كل الإشارات الداعية ضمنا وعلنا للولوج في المطحنة السورية على نطاق أوسع، إلا أنها أدركت فالتزمت مبدأ ادخار القوة وصرفها عند الضرورة فقط وبالطريقة الأمثل والأكثر جدوى رغم عِظم مقدراتها؛ كما أن الصين مثالا ماثلا بعدم ولوجها للمطحنة المُعدة لسحق طاقاتها في تايوان، فأحجمت رغم حجم قدراتها كقطب عالمي؛ فليس مهما كمية القوة التي تمتلكها إنما الأهم هو كيفية صرف هذه القوة ومدى نجاعة هذه الكيفية في تحقيق الأهداف، وعليه فإن الذهاب باتجاه المعارك الحربية على غرار السابق مع الاحتلال صفحة يجب طيّها إلى ما شاء الله، فهي ما كانت لتعدو عن كونها محاولات العدو الهادفة لتغييب المقاومة عن مشهد الصراع، وهذا زمان ولى ويجب ألّا يعود.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.