شعار قسم مدونات

السماحة بوصفها قيمة عظمى في القرآن الكريم

مركز الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود الثقافي الإسلامي (وزارة الأوقاف القطرية على فيسبوك) مواقع التواصل
مركز الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود الثقافي الإسلامي (مواقع التواصل)

السماحة أول أوصاف الشريعة، وأكبر مقاصدها، والسماحة: سهولة المعاملة فيما اعتاد الناس فيه المشادة، فهي وسط بين الشدة والتساهل، ولفظ السماحة هو أرشق لفظ يدل على هذا المعنى.

فتدل السماحة على خلق الجود والبذل، وفي الحديث عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلا سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا اقتضى».

فالسماحة من أكبر صفات الإسلام الكائنة وسطا بين طرفي إفراط وتفريط، وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة».

فرجع معنى السماحة إلى التيسير المعتدل، وهو معنى اليسر الموصوف به الإسلام، قال تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: 185].

كثرة الظواهر تفيد القطع، ولهذا قال الإمام مالك بن أنس في مواضع من كتابه الموطأ "ودين الله يسر"، وحسبك هذه الكلمة من ذلك الإمام، فإنه ما قالها حتى استخلصها من استقراء الشريعة

واستقراء الشريعة يدل على هذا الأصل في تشريع الإسلام، فليس الاستدلال عليه بمجرد هذه الآية، أو هذا الخبر، حتى يقول معترض: إن الأصول القطعية لا تثبت بالظواهر، لأن أدلة هذا الأصل كثيرة منتشرة، وكثرة الظواهر تفيد القطع، ولهذا قال الإمام مالك بن أنس في مواضع من كتابه الموطأ "ودين الله يسر"، وحسبك هذه الكلمة من ذلك الإمام، فإنه ما قالها حتى استخلصها من استقراء الشريعة، إن السماحة أكمل وصف لاطمئنان النفس، وأعون على قبول الهدى والإرشاد، (ابن عاشور، 2005، ص 51)، قال تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: 159].

إن حكمة السماحة في الشريعة أن الله جعل هذه الشريعة دين الفطرة، وأمور الفطرة راجعة إلى الجبلة، فهي كائنة في النفوس، سهل عليها قبولها، ومن الفطرة النفور من الشدة والإعنات، قال تعالى: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا﴾ [النساء: 28].

وقد أراد الله أن تكون الشريعة الإسلامية شريعة عامة دائمة، فاقتضى ذلك أن يكون تنفيذها بين الأمة سهلا، ولا يكون ذلك إلا إذا انتفى عنها الإعنات، فهي بسماحتها أشد ملاءمة للنفوس، لأن فيها إراحة النفوس في حالي خويصتها ومجتمعها (ابن عاشور، 2004، ص 271).

ظهر للسماحة أثر عظيم في انتشار الشريعة، وطول دوامها، إذ أرانا التاريخ أن سرعة امتثال الأمم للشرائع، ودوامهم على اتباعها، كان على مقدار اقتراب الأديان من السماحة

وقد ظهر للسماحة أثر عظيم في انتشار الشريعة، وطول دوامها، إذ أرانا التاريخ أن سرعة امتثال الأمم للشرائع، ودوامهم على اتباعها، كان على مقدار اقتراب الأديان من السماحة، فإذا بلغت بعض الأديان من الشدة حدا متجاوزا لأصل السماحة لحق أتباعها العنت، ولم يلبثوا أن ينصرفوا عنها، أو يفرطوا في معظمها.

وقد حافظ الإسلام على استدامة وصف السماحة لأحكامه، فقدر لها أنها إن عرض لها من العوارض الزمنية أو الحالية ما يصيرها مشتملة على شدة، فتح لها باب الرخصة المشروع بقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ [البقرة: 173]، وبقوله تعالى: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام 119]، وفي الحديث: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه». ومن قواعد الفقه المشهورة: «المشقة تجلب التيسير».

ومن سماحة القرآن الكريم إنكاره على أصحاب النزعات المتطرفة، الذين يحرمون الطيبات والزينة التي أخرج لعباده. (ابن عاشور، 2006، ص 52) قال تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين. قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون﴾ [الأعراف: 31-32].

وفي القرآن المدني، يخاطب الجماعة المؤمنة بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون﴾ [المائدة: 87-88].

وهاتان الآيتان الكريمتان تبينان للمسلمين حقيقة منهج الإسلام في التمتع بالطيبات، ومقاومة الغلو الذي وجد في بعض الأديان، أو عند بعض المتنطعين.

من سماحة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن فتى من قريش جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يستأذنه في الزنا، فثار الصحابة، وهموا به لجرأته على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وقف موقفا أخر فقال: «ادنه» فدنا، فقال: «أتحبه لأمك؟» قال: لا والله،…، وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه»

ومن سماحة الإسلام أيضا ما يتبعه من منهج في الدعوة إلى الله عز وجل، وجدال المخالفين، ففي القرآن الكريم قال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: 125] (عبد العزيز، 2006، ص 370).

ومن تأمل الآية الكريمة يجد أنها لا تكتفي بالأمر بالجدال بالطريقة الحسنة، بل أمرت بالتي هي أحسن، فإذا كانت هناك طريقتان للحوار والمناقشة إحداهما حسنة والأخرى أحسن منها، وجب على المسلم أن يجادل بالتي هي أحسن، جذبا للقلوب النافرة، وتقريبا للأنفس المتباعدة.

من سماحة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن فتى من قريش جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يستأذنه في الزنا، فثار الصحابة، وهموا به لجرأته على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وقف موقفا أخر فقال: «ادنه» فدنا، فقال: «أتحبه لأمك؟» قال: لا والله، جعلني الله فداك؟ قال: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم»، ثم قال له مثل ذلك في ابنته وأخته وعمته وخالته، في كل ذلك يقول: «أتحبه لكذا؟» فيقول: لا، جعلني الله فداك، فيقول صلى الله عليه وسلم: «ولا الناس يحبونه». فوضع يده عليه، وقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه»، فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء.

وإنما عامله النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الرفق، تحسينا للظن به، وأن الخير كامن فيه، والشر طارئ عليه، فلم يزل يحاوره حتى اقتنع عقله، واطمأن قلبه إلى خبث الزنا وفحشه، وكسب مع ذلك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (عبد العزيز، 2006، ص 31).

 

مراجع البحث

  • علي محمد الصلابي، الإيمان بالقرآن الكريم والكتب السماوية، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، 1432هـ/ 2011م.
  • محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، عام النشر: 1425هـ/ 2004م.
  • محمد الطاهر بن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، دار السلام، القاهرة، 1426هـ/ 2005م.
  • عمر عبد العزيز، سماحة الإسلام، المكتبة الذهبية، 1427هـ/ 2006م.