شعار قسم مدونات

لماذا لم تسقط منازل آيدن دروسون مع الزلزال؟

المقاول التركي آيدن دورسون (مواقع التواصل الاجتماعي)

سواء صحّت أو كانت مبالغة من مبالغات التواصل الاجتماعي، فإن حكاية آيدن دورسون تستحق التناول من عدة اتجاهات وجوانب، فقصة متعهد يبني 50 مجمعا سكنيا تضم ألف وحدة سكنية، لم تسقط منها واحدة أو تتضرر ضررا بليغا في أثناء زلزال تركيا قبل نحو أسبوع؛ هي أسطورة حية تستحق الإشادة والإحياء. وهذه تذكرني بأمور كثيرة مهمة ينبغي الإشارة لها.

لا أعتقد شخصيا أن المتعهد المسن خريج جامعي، وحتى لو كان خريجا فمن المؤكد أن لديه الخبرة اللازمة، والمعرفة العملية، وربما تراكم تراث البناء في منطقة عرفت الزلازل، فلا بد أنه وريث لتراث المهنة، ومعايشة الأرض، وفهمها جيدا، ومن المؤكد أنه استمع للقصص الكثيرة حول البناء وأساليبه والزلازل وتقوية المباني لمواجهتها.

ومن الواضح أيضا أنه سمع قصصا كثيرة عن الرزق الحلال، والإتقان في الصناعة، والتجويد فيها، والبعد عن الغش والتدليس والاستسهال أو الإهمال، وكذلك عن أهمية السمعة وشرف المهنة وكثير من قيم المعلمين الذين يجلسون في أماكن عملهم، لا يمتلكون الكثير سوى الخبرة، والقيم الأخلاقية العالية.

دورسون من المؤكد أنه يشرف بنفسه على العمل، وقد يكون من النوع الذي يتأفف من الاستشاريين وحذلقتهم الزائدة وتعبيراتهم

ولست متأكدا ما إن كان دورسون ذا فتوة أو "قبضايا"، لكن بلا شك أنه يمتلك ذاك النمط من القيم الأخلاقية الرفيعة، فهو جار مثالي، ورب عمل مثالي، وغالبا ما يهتم بعملائه، والعاملين معه، ويحل مشاكلهم، ويهتم بهم.

ومن المؤكد أنه يشرف بنفسه على العمل، وقد يكون من النوع الذي يتأفف من الاستشاريين، وحذلقتهم الزائدة وتعبيراتهم، أما موظفو البلدية الرسميون، عشاق الروتين فهم أيضا مثار توتره الشديد، وفي الأغلب الأعم أن أبناء السيد دورسون الذين درسوا في الجامعات الحديثة، يفهمون الكلمات التي يعلكها الاستشاريون.

عموما لست هنا في سياق السخرية من الاستشاريين، ولا من السيد دورسون، لكن أدعو للتصالح بين خبرة أمثال السيد دورسون، وبين المعلومات والمعارف الحديثة والقيم التي يمثلها آيدن دورسون؛ قيم الإتقان والإجادة، والتميز في العمل.

المنازل التي بناها السيد دورسون لم تسقط، لأنها بنيت بإتقان، وليس فقط "من عند الله"، والحقيقة أن هذا مثار نقاش مهم، فقبل 18 عاما تقريبا نجت مساجد في إندونيسيا من تسونامي

إن التاريخ مع الأسف لا يحدثنا كثيرا عن أبطال مجهولين أمثال السيد دورسون لكنه يحدثنا عن العلماء، والمجاهدين، والقادة الاستثنائيين، أما الأبطال العاديون فيختفون ويذوبون في الزحام، يحتفظ بهم العقل الجمعي بطرق مختلفة، ويستعيدهم مرات ومرات، لكن ما لم تدون سيرهم فستتحور، وتتغير، ولو كان آيدن دورسون في زمن مضى لقيلت عن سيرته الأساطير.

وقد أشار البعض من غير العرب، في كلامهم على وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن المنازل التي بناها السيد دورسون لم تسقط، لأنها بنيت بإتقان، وليس فقط "من عند الله"، والحقيقة أن هذا مثار نقاش مهم، فقبل 18 عاما تقريبا نجت مساجد في إندونيسيا من تسونامي، وقيل حينها إنها معجزة إلهية حفظت المساجد، في حين أن المهندسين عندما درسوا هذه المباني اكتشفوا أن طريقة البناء ومادته سمحتا بالتعامل مع تيار الموجة العالي، وتحييد الصدمات القوية برغم ارتفاع الأمواج.

هل هذا ينفي المعجزة؟ أو بين قوسين "الكرامة"؟

لنقل إنه يضيق نطاق الظواهر التي لا يمكن تفسيرها، والتي لا تستقيم مع ما نعرفه من قوانين علمية، ولكن على أي حال؛ القوانين العلمية لها عللها وأسبابها وهي ماثلة للعيان، والله تعالى وضعها، وعلينا تسخيرها لفائدة البشر، والسيد دورسون أيضا درس إمكانية التغلب على الكوارث بإتقان.

الولاية والقرب من الله تعالى ليسا حكرا على نمط أو هيئة أو شكلية في التعبد، بل قد يكون المرء وليا لله، وهو على آلة عمله، يتقن، ويصنع ما ينفع الناس، ويكسب الحلال، ويطعم أبناءه

أمر آخر مهم، إن تفعيل قيم العمل الصالح في مجال الحياة العملية للأفراد، أمر في غاية الأهمية، فسير الصالحين لدينا تحدثنا عن الزاهد العابد قائم الليل صائم النهار، وتذكر كثيرين من معلمي الناس الخير، وممن زهدوا في الدنيا، لكنها لا تذكر أمثال يونس بن عبيد الذي يروى أنه في إحدى المرات تعامل بنزاهة في تجارة القماش مع أحد العملاء، فسأله الرجل عن هويته فأخبره، فقال "يا إلهي إننا عندما يهاجمنا الأعداء في خراسان تعلمنا ممن سبقنا أن نقول يا رب يونس بن عبيد فرج عنا".

ما ينبغي التنبه له هو أن الولاية والقرب من الله تعالى ليسا حكرا على نمط أو هيئة أو شكلية في التعبد، بل قد يكون المرء وليا لله، وهو على آلة عمله، يتقن، ويصنع ما ينفع الناس، ويكسب الحلال، ويطعم أبناءه، وقد يكون الحلال كثيرا للغاية، أو قليلا لكن العبرة بكونه حلالا.

آيدِن دورسون أسطورة حية لنجعلها تحيا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.