شعار قسم مدونات

هكذا عشت لحظة الزلزال!

جانب من آثار الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا (الجزيرة)

اضطررت على غير عادتي إلى السهر مساء يوم الأحد حتى صباح الاثنين (6 فبراير/شباط 2023) وأنا مغيظة ساخطة على طلب الجهة التي قدمت لها كتابًا مترجمًا، فقد أثارت طلباتهم غيظي إلى حد الاحتقان لتكليفهم إياي فوق طاقتي على حساب وقتي.

ولأنني وددت الانتهاء من الكتاب بأي طريقة وبأسرع وقت لأفرغ نفسي لمهام أخرى نزلت على رغبتهم وقسرت نفسي على أن أنتهي منه في يوم وليلة، فرحت أغالب النوم حتى غلبني بعدما تجاوزت الساعة الثالثة صباحًا، فقد فقدت السيطرة على أصابعي المتحركة فوق لوحة المفاتيح وراح الكلام يهتز فوق الشاشة أمام عيني الناعستين وفقدت التركيز تمامًا، وأنا في الواقع أستشعر قيوميَّة الله عز وجل الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، فأستشعر كوني مخلوقًا ضعيفًا غلبه النوم إزاء رب مهيمن لا ينام، يتولى حراسة هذا المخلوق الضعيف وحفظه ويدبر له شؤونه كلها، لذلك فلا أحد أجدر منه سبحانه بالتوكل عليه والركون إليه.

اهتز سريري اهتزازًا مرعبًا بسبب وقوع زلزال أشعرني بالتجسيم الصنوبري لقلبي كأنه قد فُصل عن بقية جسدي.

نهضت من مكتبي لأذهب إلى فراشي وأنا بحاجة ماسة إلى النوم والراحة بعد تجرع جرعة ليست بالقليلة من كتم الغيظ والتصبر، فضلًا عن سهري غير المعهود حتى هذه الساعة.

وقبل أن أُطبق جفوني اهتز سريري اهتزازًا مرعبًا بسبب وقوع زلزال أشعرني بالتجسيم الصنوبري لقلبي كأنه قد فُصل عن بقية جسدي وصار يردد: "الله أكبر، الله أكبر، اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك، اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك"، ولم أستطع النطق من جسامة الإحساس إلا بكلمة "يا رب".

فنهضت من فراشي بعد انتهاء الهزة الأرضية أو بالأحرى الهزة النفسية، وتبدّد عن عيني النوم بعدما غلبني على أمري وصرت أسترجع عملي، وإذا ما كنت على استعداد للقاء الخالق في أي لحظة؟ وماذا عساي أن أفعل؟ وبماذا أهتم؟ وانتهيت إلى أن المهم أن أراعي الله في كل ما أعمل سواء أتممته أو لم أتمه، ورأيت أن المُكلف به الإنسان هو الإذعان لخالقه إذ إن بيديه تعالى كل شيء، فبإمكانه أن يخسف بنا الأرض في لمحة بصر ولن ينجينا إلا رضاه عنا وقبوله لنا، فاللهم بصّرنا بما يرضيك عنا ويقربنا إليك. غلبني النوم ثم استيقظت على هول ما حدث في سوريا وتركيا من هلاك ودمار فأوجعني المشهد ورحت أتساءل: ما الحكمة من الزلازل؟ ولماذا لا يمنع الخالق عز وجل وقوعها؟

أرى أن الزلازل أحد مظاهر قدرة الخالق عز وجل التي بها يوقظ ضمائر الغافلين لينتبهوا إلى أن التكالب على الدنيا لا يجدي ولا يفيد إذ هي معرضة لأن تضيع في أي لحظة.

إنني أرى أن الزلازل أحد مظاهر قدرة الخالق عز وجل التي بها يوقظ ضمائر الغافلين لينتبهوا إلى أن التكالب على الدنيا لا يجدي ولا يفيد إذ هي معرضة لأن تضيع في أي لحظة، وأن السلامة فيها تكمن في الإذعان لأوامر الله ونواهيه وفقًا لمنهجه حتى نكون على استعداد للقائه متى يشاء. والمسلم الواعي هو الذي تكون الدنيا بما نحققه فيها من نجاحٍ وازدهارٍ بيديه فحسب من حيث تكون الآخرة في قلبه باستعداده للموت في أي لحظة.

وقد تبيّن علميًّا أن الزلازل تقع من وقت إلى أخر لتُعدِّل الجبال عندما تميل ناحية البحر، والجبال هي التي تثبّت الأرض فتوجد لها التوازن أثناء حركتها. إذن، فكارثة واحدة قد تمنع كوارث لا حصر لها.

وأخيرًا لعل وقوع الزلازل فيه خير لمن صحا فيها ولمن مات، فالموتى شهداء عند ربهم ينعمون، أما الأحياء فلعلها لهم عظة وتنبيه لهم للرجوع إلى الله.

وفي النهاية، لله طلاقة القدرة في أن يقيم الدنيا أو يقعدها ويميت الناس أو يحييهم، فهل من منافس له في قدرته؟! سبحانه لا إله إلا هو وحده لا شريك له.

اللهم أنزل الصبر والسلوان على كل المتضررين من جراء هذه الفاجعة، وعُدَّ من قضى منهم في الشهداء والصالحين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.