شعار قسم مدونات

ليكونا لنا أمواتًا أحياءً

blogs الوالدين في الكبر
أين نحن من بر الوالدين وهما بأمسّ الحاجة إلينا؟! (مواقع التواصل الاجتماعي)

كنت جالسا وحدي في منتصف الليل فسألت نفسي، لماذا عندما يكون الوالدان أو أحدهما على قيد الحياة، نعمل جاهدين لنيل رضاهما والقيام على خدمتهما والسعي على راحتهما، وبعد مماتهما لا يكون برهما إلا في المناسبات والأعياد وجمعة الأهل والأحباب، فنذكرهم ونترحم عليهم.. وغير ذلك لا شيء.

بالرغم من أنهما في أمسّ الحاجة لنا عند مماتهما أكثر من وجودهما على قيد الحياة، هذا ما أظنه وهو رأي شخصي. لأنهما في حياتهما كانت لهما القدرة على عمل الصالحات والقيام بالطاعات، ولكن لم يستطيعا تقديم الغالي والنفيس لله عز وجل، فكيف وهم أموات.

عطاء الوالدين قبل وبعد الممات

فقلت في نفسي، ألا يحتاجان منا العطاء المضاعف في إيصال ما يبرد عليهما قبرهما، وتبدل سيئاتهما، ويخفف حسابهما، وتستنير وجوههما؟! أم هو نوع من الطمع وحب النفس والذات فيما قمنا به لهما في الدنيا؟! نطلب منهما الرضى حتى نكون نحن من يوفقنا الله، ونطلب منهما السماح حتى يغفر الله لنا ولا يعاقبنا، ونسعى لإرضائهما حتى نكسب أجر الجنة، ونقبل الأيادي والأرجل حتى يغفروا لنا تقصيرنا، ولكن أليس هذا كله من أجلنا نحن؟!

إذا لم نكن قد أحسنا برهما في الدنيا، أليس لهما الحق علينا في أن نبرهما بعد انتقالهما إلى خالقهما؟ أليست حاجتهما للحسنة الواحدة وهم في القبور تساوي الدنيا وما فيها

أعمال يجب القيام بها

أين هي الأعمال التي يجب أن نقوم بها في الدنيا لأجلهما قبل مماتهما؟! أين هي الصدقة باسميهما، الدعاء لهما، ضيافتهما، تقبيل رأسهما وأيديهما، ذكر محاسنهما، مشاورتهما، حسن الاستماع لهما، وأين إهداؤهما، وإقامة المناسبات لهما، ومدحهما، وأخذهما لأداء مناسك الحج والعمرة، حسن الاستماع لهما، عدم رفع الصوت عليهما، أو ذكرهما بصدقة جارية كتوزيع مصاحف في المساجد، أو تبني طالب علم، أو المساعدة في بناء مسجد وغير ذلك الكثير.

بر الوالدين في الآخرة

وإذا لم نكن قد أحسنا برهما في الدنيا، أليس لهما الحق علينا في أن نبرهما بعد انتقال روحهما إلى خالقهما؟ أليست حاجتهما للحسنة الواحدة وهم في القبور تساوي الدنيا وما فيها، وهم عن اكتسابها عاجزون؟ أليسا بحاجة إلى أعمال لا تنقطع عند الممات وأهمها ولد صالح يدعو لهما، كما جاء عن المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له). مع العلم أن ما نقوم به من أعمال فنحن أيضا مأجورون عليها ولن تذهب هباء منثورا كما يظن البعض، ولذلك تجدهم منطوين في عمل الخيرات لهم ولعوائلهم ويا ليتهم قاموا حتى بحق أنفسهم وما يقومون به!

أردنا بر الوالدين في الدنيا لننقذ أنفسنا في الآخرة؟! وبعد مماتهما عملنا على التثبيت والتأكيد على أنانيتنا وحبنا لأنفسنا بأن قطعنا والدينا وهما بأمسّ الحاجة لنا

هل هي أنانية وحب نفس؟

أين نحن من بر الوالدين وهم بحاجة لنا في مماتهما أكثر من حياتهما؟ ألا يظن البعض منا عندما نفكر قليلا أننا فعلا قد كنا من الأنانية متمرسين، ومن حب الذات والنفس طامعين، وعلى حالنا أمام الله مشفقين، فأردنا بر الوالدين في الدنيا لننقذ أنفسنا في الآخرة؟! وبعد مماتهما عملنا على التثبيت والتأكيد على أنانيتنا وحبنا لأنفسنا بأن قطعنا والدينا وهما بأمسّ الحاجة إلينا.

رد المعروف

هل حاولت أن تفكر كيف عليك أن ترد معروف وفضل والدك في تعبه وشقائه عليك طوال فترة حياتك كلها؟ فقد وفر لك الطعام والشراب، والتعليم، والوقوف إلى جانبك وقت الحاجة، وحارب العالم كله لأجلك، ووضع حملا ثقيلا عليه لأجل سعادتك، وسهر الليالي حتى يوفي باحتياجاتك، وسعى جاهدا ليحل مشاكلك.

أم تريدني أن أقول لك عن أمك؟ هل تستطيع أن تنسى والدتك فطلقة واحدة أو وجع ولادتك؟ أم تعبها وشقاؤها في حملك 9  أشهر في بطنها، أم الوقوف بالساعات لتحضر لك الطعام الذي تشتهيه، والساعات حتى تغسل لك ملابسك، وسهر الليالي على راحتك ونومك في سريرك مرتاح البال، أم إذراف الدمع ووجع القلب حين تكون مريضا تدعو الله أن يكون ما بك يكون فيها، أم دموعها وقت فرحك وهي من هذا إلى ذاك ترحب بالقريب والغريب، أم وجعها وكأن جزءا منها ومن قلبها قد ذهب حينما ودعتك، أليس هذا كله يستحق منا أن نتنازل ولو بالقليل عن أنانيتنا، وننظر إلى من هم أعظم منا قدرا ومكانة في الدنيا والآخرة عند الله وخلقه، فنعمل على برهما في حياتها من دون أن ننتظر المقابل منهما؟

كلما قصرت في بر والديك في الدنيا فسوف يكون لك من الأولاد من يقومون بنفس عملك الذي قمت به. وبر الوالدين في مماتهما هو الفاصل ما بين حبك لذاتك وانبثاق أنانيتك، وبين حبك لوالديك حقا

كما تدين تدان

ألا تعلم أن ما تقدمه بيدك اليمنى سوف تلقاه بيدك اليسرى من ابن أو بنت لك؟

اسمع.. كان هناك رجل وابنة له يعيشان في بيت متواضع، وكان لهذا الأب ابن يدرس في الخارج، في يوم من الأيام جاء السقاء الذي يسقي لهم الحليب دائما فدق الباب، فتحت له البنت كالعادة ولكن فجأة، اقترب منها وقبلها.

انصدمت البنت على ما اقترف هذا السقاء من عمل مشين لم يكن ليقوم به في السابق، فأغلقت الباب سريعا وذهبت لإخبار والدها على ما صدر منه، قال الوالد لها مباشرة أعطيني الهاتف لأتصل بأخيك، فاتصل الأب بابنه فسأله الأب بعد الاطمئنان عليه، إذا ما فعل أمرا مشينا في غربته؟ وبعد حديث قصير، اعترف الابن بأنه قد قبل إحدى الشابات. فقال له الأب مباشرة: يا بني “دقة بدقة… ولو زدت لزاد السقاء”، أي لو زاد الابن عن القبلة لزاد السقاء عن قبلته لأخته أيضا.

فكلما قصرت في بر والديك في الدنيا فسوف يكون لك من الأولاد من يقومون بنفس عملك الذي قمت به. وبر الوالدين في مماتهما هو الفاصل ما بين حبك لذاتك وانبثاق أنانيتك، وبين حبك لوالديك حقا.

علينا مجاهدة أنفسنا على جفائنا في برهما، فلا نلقي عليهما ترابا فوق التراب، وهم بحاجة إلى من يخفف عنهم ضمة القبر ووحشته

ليكونا لنا أمواتًا أحياءً

فلنتعامل معهما وكأنهما أموات أحياء وكأنهما أمامنا الآن، فنقوم بما كانا يقومان به في حياتهما ويفرحان به، فنعمله لهما في مماتهما، كزيارة أصدقائهما، والذهاب إلى المساجد فنصلى ونترحم عليهما، نقرأ القرآن لهما، نزور الأهل والأقرباء كما كانوا يفعلون، نتصدق بالمال عنهما، نقوم بشراء الحاجيات فنقدم بعضه للفقراء والمساكين بصفة مستمرة صدقة جارية، ونذكر محاسنهما في تجمع العائلات، وندعو لهما في كل صلاة ونزيد، ونقوم الليل وندعو بالأسحار كما كانوا يفعلون لنا، ونساعد العاجز والمسن صدقة عنهما، ونحج عنهما ونعتمر ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.