شعار قسم مدونات

عبر البوسنة.. تاريخ في البلقان يلد حاضرا في فلسطين (4)

تحتضن مدينة بريزرن بكوسوفو العديد من المباني التاريخية العائدة للحقبة العثمانية (وكالة الأناضول)
  • الطريق إلى زينيتسا.. في صحبة مقاتلي العرب في البلقان.
  • سر تمرد المجاهدين العرب على الجيش البوسنوى بالإصرار على زيهم الأسود؟!..
  • مقاتل عربي: الأنانية طلبا للشهادة.. تهمة لا ننفيها وشرف نسعى إليه..

في اليوم الثاني في صحبة تلك الثلة من المجاهدين العرب المكونة من 22 مقاتلا من أصل 150 مقاتل تم الزج بهم في منطقة وسط البوسنة – دار ذلك الحوار الغريب بيني وبين قائد المجموعة الذي قدم لي نفسه باسم عبد القادر، وإن كنت متأكدا من أنه ليس اسمه الحقيقي.

فيما يتعلق بالسرية المطلقة لتحركاتنا وهجماتنا، فإننا نحافظ عليها بشكل صارم إلى حد معين، وقبيل الهجوم بدقائق – تقل وتكثر على حسب الحالة والهدف – فإننا نفصح للعدو عن وجودنا كمجاهدين عرب وليس قوات الجيش البوسنوى فى المنطقة!

ففي اليوم السابق كان محور الحديث حول التناقضات التي بدت لي من عدم توازن في ميزان القوة النيرانية والبشرية من جانب المجاهدين من ناحية، ومن جانب القوات الصربية من ناحية أخرى، وبين الانتصارات المبهرة التي يحققها الجانب الأضعف على الأقل بالمقاييس المتعارف عليها عسكريا.

وقد انبرى عبد القادر في شرح كيفية تعويض هذا الفارق المادي، مستخدما في ذلك بعضا من النماذج العملية التطبيقية، فقال: "من المتعارف عليه أن سرية الهجوم هي من بين أفضل وسائل تأمين نجاحه والتقليل من خسائر القوة المهاجمة، إلا أننا فى تلك الحرب غير التقليدية كسرنا الكثير مما هو تقليدي من قواعد العلوم العسكرية".

واستطرد قائلا: "فيما يتعلق بالسرية المطلقة لتحركاتنا وهجماتنا، فإننا نحافظ عليها بشكل صارم إلى حد معين، وقبيل الهجوم بدقائق -تقل وتكثر على حسب الحالة والهدف- فإننا نفصح للعدو عن وجودنا كمجاهدين عرب وليس قوات الجيش البوسنوى فى المنطقة!".

وأوضح أن أساليب إفصاح المجاهدين العرب عن وجودهم ونيتهم في الهجوم، تختلف في كل مرة حسب ظروف العملية نفسها، مشيرا إلى أنى سأرى نموذجا عمليا تطبيقيا على ذلك خلال الهجوم الذي سيتم غدا على الموقع الصربي الثاني فى المنطقة. أما عن السبب فى كسر تلك القاعدة العسكرية الذهبية بسرية الهجوم، أوضح الرجل إنه بالتجربة، تأكد أن ذلك له أثر نفسي هائل على العدو الصربي الذي أدرك أن المجاهدين العرب مختلفون فى كل شيىء عن عدوهم التقليدي من البسنويين. فشراسة المجاهدين العرب فى القتال تتجاوز مثيلتها لدى إخوانهم من البوسنويين بمراحل، كما أنهم أدركوا أن كل مذبحة يرتكبونها فى حق المدنيين من مسلمي البوسنة، سيقابلها ذبح مماثل من المجاهدين العرب للعسكريين الصرب، ومن دون الاحتفاظ بأسرى.

عند هذا الحد تذكرت رجاء الجنرال خليلوفيتش قائد عام الجيش البوسنوى الذي حملني إياه بشأن ما يراه من عدم التزام المجاهدين العرب بالعديد من أوامر القيادة العليا.

عن الالتزام بتسليح ذي أعيرة تتناسب مع تسليح العدو، فقال الرجل: إن أحد الأهداف الرئيسة من عمليات المجاهدين العرب هو الاستيلاء على ما بحوزة الجانب الصربي على أسلحة وذخائر وفيرة من حيث الكميات والأنواع والأعيرة

تكتيك فريد!

طرحت على عبد القادر جميع تلك التساؤلات والتحفظات، وقد استمع صابرا وعلى وجهه ابتسامة كانت تضيق وتتسع حسب كل تحفظ، وذلك قبل ان تختفي الابتسامة تماما لكي ينبري في الرد، قائلا: "نحن نتفهم موقف إخواننا البوسنويين، إلا أن المشكلة تتمثل في أنهم هم الذين لا يتفهمون دوافعنا، وأسلوب تفكيرنا، وأساليب تعاملنا مع المواقف العسكرية المتغيرة غير التقليدية التي تواجهنا، ولكن دعني أرد على التحفظات التي حملتها عن الجنرال خليلوفيتش".

واستطرد قائلا: "عندما تصر قيادة الجيش على أن التزم الزي العسكري للجيش البوسنوى، بدلا من زي المجاهدين العرب الأسود، فإنها بذلك تسقط سلاحا نفسيا ماضيا نستخدمه لفت عضد المعتدى الصربي الذي أصبح الزي الأسود مقترنا في ذهنه بالموت، وهو الأمر الذي يجعله يخسر 50% من المعركة من قبل أن تبدأ بالفعل. وكما ترى، فإن تلك النتيجة أهم بكثير من مجرد الالتزام بقواعد جيش نظامي، ناهيك عن أهمية تلك النتيجة عن مجرد مزيد من التأمين لنا نحن المجاهدون العرب بذلك الزي العسكري المموهة زراعيا في الصيف، أو الأبيض فى الشتاء المثلج".

أما عن الالتزام بتسليح ذي أعيرة تتناسب مع تسليح العدو، فقال الرجل: إن أحد الأهداف الرئيسة من عمليات المجاهدين العرب هو الاستيلاء على ما بحوزة الجانب الصربي على أسلحة وذخائر وفيرة من حيث الكميات والأنواع والأعيرة، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق بأن يستعين المجاهدين العرب بتسليح ثقيل أو متوسط اثناء هجماتهم، والذي يمكن خلال المعارك أن يؤدى إلى تدمير مخازن أسلحة العدو، مشيرا إلى ان تلك المخازن التي يستولى عليها المجاهدون فى حالة سليمة تعد مصدرا رئيسيا لتسليح الجيش البوسنوى في ظل الحصار الخانق الذي تفرضه صربيا ومن ورائها الغرب والشرق عليه.

وبالنسبة لشكوى الجنرال خليلوفيتش فيما يتعلق بعدم الاحتفاظ بأسرى من العسكريين الصرب، قال الرجل، إن ذلك التكتيك يتم استخدامه ضد المواقع الصربية فى المناطق التي يقدم فيها العسكريون الصرب على ذبح المدنيين من المسلمين العزل، موضحا أن الهدف من قتل جميع الجنود الصرب هو إيصال رسالة لا لبس فيها مفادها إن قتل المدنيين، سيواجه بالذبح للعسكريين، وأنه لن توجد فرصة للوقوع في الأسر حتى لو تم الاستسلام.

وأكد عبد القادر إن ذلك التكتيك من الحرب النفسية نجح في أن يجعل الصرب يفكرون غير ذي مرة في مواصلة جرائمهم بذبح المدنيين، وبالتالي انخفضت معدلات المذابح التي يرتكبونها نسبيا بعد فترة من استخدام هذا التكتيك معهم.

أكد عبد القادر إنهم لن يغفلوا عني خلال الهجوم، وانهم سيحاولون تأميني بقدر المستطاع، إلا أنه يجب على أن أستعد لجميع الاحتمالات، بما في ذلك أن يفشل الهجوم، بكل ما يعنى ذلك من احتمالات تبدأ من القتل وتصل إلى الوقوع في الأسر.

وعندما وصلنا لاتهام الجنرال خليلوفيتش للمجاهدين العرب بالأنانية لأنهم يسعون للموت طلبا للشهادة، بدلا من المحافظة على أرواحهم لنصرة إخوانهم البوسنويين، انفجر عبد القادر في الضحك بصوت عال لأول مرة منذ قابلته، وهو يربت على ظهري بشدة، مكتفيا بقوله: "هذه التهمة بالتحديد لا ننفيها، بل هي شرف نحاول أن ندعيه بالفعل، فنحن جئنا هنا لطلب الشهادة في المقام الأول، وهو ما يصعب على الجنرال خليلوفيتش وغيره أن يفهمونه، وإذا ما فهموه، يصعب عليهم أن يقبلوه، ولكن ليس لدينا حيلة في هذا الأمر!".

فيما بعد طلب منى القائد عبد القادر أن استعد لمصاحبتهم خلال هجوم الغد، حيث أوضح لي أن الموقع الصربي المستهدف هو أكبر من الموقع الذي تم الاستيلاء عليه منذ يومين، ومن أن الموقع به مخازن سلاح ضخمة ينبغي الاستيلاء عليها في حالة سليمة قدر المستطاع. وانشغل عبد القادر بمراجعة التفاصيل الأخيرة لخطة الهجوم مع أركان قوته.

كنت أدرك أنى سألتزم مؤخرة الهجوم، إلا انه بالنظر إلى أن القوة المهاجمة لن تتجاوز الـ 40 – وذلك بعد أن أنضم إلينا في الساعات التي سبقت الهجوم 18 من عناصر مجاهدين عرب أخرين لتعزيز القوة الأصلية – فإنه يسهل إدراك أن المؤخرة فى هذه الحالة ليست بعيدة عن المقدمة، وإنما فى الواقع العملي وفى أثناء الاشتباك، فإن المؤخرة والمقدمة يمكن أن يكونوا صفا واحدا، فهذه ليست حرب جيوش نظامية حيث تبعد المؤخرة عن المقدمة فى بعض الحالات عشرات الكيلومترات.

لا أدرى هل كان الدافع من وراء عودة عبد القادر لطمأنتى حول هجوم الغد؛ مشاعر قلق تسربت من نفسي إلى وجهي؟ حمدت للرجل شهامته، وشكرته، وإن كنت صارحته بما يدور في ذهني. شجعني الرجل مؤكدا أن ما سأشاهده يعد تسجيلا حيا نادرا لتاريخ لن يشهده سوى صانعوه الذين قد لا يتاح لهم سرده للأجيال القادمة، سواء لرحيلهم عن هذه الدنيا أو لعدم امتلاكهم القدرة على التعبير، ناهيك عن وسائط النشر.

وأكد عبد القادر إنهم لن يغفلوا عنى خلال الهجوم، وانهم سيحاولون تأميني بقدر المستطاع، إلا أنه يجب على أن أستعد لجميع الاحتمالات، بما في ذلك أن يفشل الهجوم، بكل ما يعنى ذلك من احتمالات تبدأ من القتل وتصل إلى الوقوع في الأسر.

ولعل القائد العربي استشعر بأن الجرعة كانت زائدة عن الحد، ومن أنها يمكن أن تؤدى إلى نتائج سلبية، فأردف قائلا: "لا تقلق، فإننا بإذن الله منتصرون، والدليل على ذلك أننا والفضل لله لم نخسر حتى الآن أي معركة، ولعله من المفيد أن تجلس إلى الأسرى الصرب الذين وقعوا في أيدينا منذ يومين، وانا واثق من أن حديثهم معك سيبعث في نفسك الثقة".

وعلى الفور استدعى القائد عبد القادر أحد معاونيه وأمره بإتاحة الفرصة كي أجالس بعضا من الأسرى الصرب. حين هممت بالذهاب قال لي عبد القادر: "ستبقى بإذن الله على قيد الحياة لتسجل هذا التاريخ وترويه بعد ذلك بسنوات طويلة". وها أنا ذا أرويه كما حدث تماما.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.