شعار قسم مدونات

الصديقة والكذاب

الكذب والخيال لدى الأطفال
يتغلغل الكذب اليوم في كل مظاهر الحياة ويتلبس بها لا مجال ينأى عن الكذب وينفرد للحق مطلقا (مواقع التواصل الاجتماعي)

متحلقين حول "عويد الليل" بعد أن يعم الظلام "فيلاج هونضو" بتندرارة التي لا يسمع عنها خبر، سوى ما كان من وعود خلابة نقرؤها بتقارير إعلامية عن قرب انسياب غازها الطبيعي يصنع للبلاد عزا وتنمية ـ نرجو ذلك- نرمي وسط الظلام عودا ونتفرق للبحث عنه. كانت ألعابنا وقتها بسيطة سهلة تمتحن حواسنا العادية، ولأن الإنسان جبل على أن يدخل على القواعد البسيطة قواعد مركبة ووضعيات أعقد، فقد اقتضى دهاؤنا أحيانا ألا يعلن عن العثور على العود، وأن يدس في منأى ليترك اللاعبون في حيرة يحرثون الأرض بحثا عنه.. وكانت فرصة ممتازة لاكتشاف الكذابين، أولئك الذين يأتون بعود مشابه، ربما قد دسوه سابقا داخل بعض أسمالهم، يدعون العثور على العود الموعود، وربما أرفقوا إعلانهم بأغلظ الأيمان. كان ذلك إن وقع، وغالبا ما كان يقع، إيذانا بأن الليلة لن تمر هادئة، وأن سيلي "عويد الليل" الحط” أو "الرنك" أو"كوك" أو "هنغالة" وكلها ألعاب خشنة، وحروب صغرى، لها ضحاياها جرحا وضربا..

يبدو أن ديفيد هيوم كان له نصيب من الحق، يوم دافع عن فلسفة الحس الإنساني القادرة على مخاطبة الإنسان في شكله البسيط والارتقاء به وتخليص العقل من جوهرانيته المزعومة.

غير أننا كأي حكماء "حروب"، كنا قبل أن يتفاقم الوضع، نعقد مجلسا لكشف الكذب في بداية شرارات المواجهة، وكانت آلية الريق كاشفه المعتمد.. يعقد الحكيم من المجموعة أصابع يده الخمسة، ويضع على الأعلى ريقا، ثم ينفخ في أصابعه من أسفل، إلى أن تستوي على الأصابع فقاعة من هواء، نتحلق في دائرة، ثم نمررها على الجميع، ونحن نردد: "لي فشها وشها"، "لي فشها وشها"، "لي فشها وشها".. نؤكد لفظيا ونخلص نياتنا، أن من تنفجر أمامه هذه الفقاعةُ كاذب، ويا ويل من تنفجر عنده، كان ينعت كاذبا بإجماع.. وكان يرافق الإجماع سيل من الاستهزاء به لكذبه، وهو يقسم على براءته وربما بكى وانصرف. أما "البيش" فقد كان يطلقها حارقة لا يرف له جفن، لا نحتاج معه إلى آلية كشف، قد كتب عندنا كذابا..

يبدو أن ديفيد هيوم كان له نصيب من الحق، يوم دافع عن فلسفة الحس الإنساني القادرة على مخاطبة الإنسان في شكله البسيط والارتقاء به وتخليص العقل من جوهرانيته المزعومة. ويبدو أنها طبيعة إنسانية مشتركة أن يدرك الإنسان بفطرته الخير والشر، ويقترح بعفوية "آليات" ضبطهما، ويدافع عن شرفه وما يلحق به من ضرر. أبكي وإياكم أيام "لي فشها وشها"، أيام الصفاء ووعاء العطاء، قبل أن تعدو عليه عوادي الإعلام و"حضارة" الحداثة، فيصبح في وعينا المزيف اليوم مجرد ذكرى صبيانية وعلامة تخلف..

يتغلغل الكذب اليوم في كل مظاهر الحياة ويتلبس بها، لا مجال ينأى عن الكذب وينفرد للحق مطلقا، الأسرة وعلاقاتها، وعالم الاقتصاد والثقافة والسياسة بكل تأكيد.. المشاعر والمظاهر والأفكار والأفعال، الحاضر والتاريخ، كتب جاك دريدا "تاريخ الكذب"، يطل على الظاهرة ويرصدها، دفعه لذلك كذب التاريخ، وكتب محمد مهدي علام "فلسفة الكذب"، وكتب الفيلسوف الفرنسي بول ريكور كتاب "الذاكرة والتاريخ والنسيان"، يشخص الكذب ويبحث عن تفسيراته السيكولوجية، وقوفا على حقيقة أن الكذاب شخص يتألم، فهو يكذب لينسى سعيا للذة أو يكذب بقصد ووعي تام تزويرا وتزييفا..

صاغ أهلي المغاربة لأنهم حكماء منذ وجدوا، ضمن أمثالهم الشعبية، منظومة من القيم والضوابط الحكيمة، منها قولهم "وصل الكذاب لباب الدار" وقولهم: "الكذاب نسيه وسولو" أي دع الزمان يكشف كذبه بسؤاله بعد أن ينسى، لأن الحقيقة بنت الزمان، أو هي "مفعول الزمان" بتعبير الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، وقالوا رضوان الله عليهم، دالين على أفضل ما يتعافى به مبتلى بالكذب ويرتاح: "الصراحة راحة".

ليس أخس في طبع الإنسان من الكذب، ولا أشد فتكا بالروح وصفائها منه، ولا أسرع منه هدا للصلة بالرقيب سبحانه.. الصلة بالرقيب!! الفتك بالروح!!  دعك من هذا الآن..

دعك الآن من حاسة الروح التي قد تقدم لها جميع الشواهد والدلائل والحجج مقنعة بمعطى تلفظه هي وتأباه وتكذبه، حاسة الأمهات المؤمنات، والمربين الأجلاء، حاسة الصديقين يصدقون ويتحرون الصدق حتى يكتبوا عند الله صديقين.

الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، أهل غزة الكرام بلا منازع، يحيون في البشرية حاسة الصدق والشهادة. ليس غريبا أن يرتبط الصدق بالشهادة وترتبط الشهادة بالصدق، كشفت غزة “السنوات الخداعات، يصدق فيها الكاذب ويكذب الصادق"، وتهاوى على منصة الأحداث الكبرى، كذب وبهتان الرويبضة السياسيين والإعلاميين والإنسانيين والفلاسفة..

لقد مر بالبشرية حكماء تنسموا عبير الصدق والموضوعية، أشاروا منذ أمد بعيد إلى كذب وافتراءات الكيان الصهيوني وبنائه مظلمته على مزاعم وأساطير بعبارة الحكيم الفرنسي روجيه غارودي.

يا لحسرة هابرماس!!

إن الجهد الفلسفي مهما كان "ساميا" يخسر مصداقيته حين لا يدعم الفضيلة والخير مطلقا ويصطف إلى جانبها، إن الجهد الفلسفي الذي لا يستند إلى "سيرة فلسفية" بعبارة طه عبد الرحمن، إلى "تجربة شخصية" ومواقف راسخة لا يغيرها الزمان، لا يعدو أن يكون خداعا، يكشفه الزمان، بعبارة هايدغر، تماما كما كشف الزمان هايدغر نفسه، داعم النازية وموالي هتلر. ذات يوم من أيام هتلر، قال جوزيف غوبلز، بوق الإعلام النازي: "اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس"، اعتمدت خطة غوبلز زمنا طويلا ولا زالت، لكن الصديقة غزة لقوة صدقها كشفت كل زيف، وبقوة نورها أضاءت كل مظلم.. دعك من حاسة الروح إن شئت، ولنستدع السمع والبصر، شاهدين. لأن العيون شواهد أكثر دقة  على حد تعبير هيراقليطس. شاهدت عيون البشرية كلها فضائع وفاشية ما ارتكب بساحة الصديقة غزة، ومجت القلوب والأرواح كذب وافتراءات الآلة الإعلامية التي أسقط في يدها، وبارت بين أيديها خطة غوبلز. وأظهرت إجراءاتها وأنظمة عملها وتدابيرها أن الكيان مهد الكذب وأصله وفصله، واضحك إن شئت من خبر إقرار رئيس وزراء الكيان، قانونا يسمح بإخضاع الوزراء، نخبة الكيان، لجهاز كشف الكذب!!

لقد مر بالبشرية حكماء تنسموا عبير الصدق والموضوعية، أشاروا منذ أمد بعيد إلى كذب وافتراءات الكيان الصهيوني وبنائه مظلمته على مزاعم وأساطير بعبارة الحكيم الفرنسي روجي جارودي. تزيد أحداث اليوم أقوالهم صدقا، حتى ليشك كثيرون في ضوء أحداث غزة، في كل رواية قيلت عن هتلر ومحرقته، ويتحرر بعض الألمان أنفسهم من لعنة المحرقة التي أرغمتهم على الخضوع مدة طويلة..

ذكر الله بكل خير صديق الطفولة "البيش"، فقد كان يطلق الكذبات حارقات، ثم ما يلبث بعد مدة أن يعترف بالصدق، مستهلا بيانه بتوكيد لفظي: الصراحة، الصراحة .. فعلت كذا وكذا..

لم تخطر ببالنا أيامها ونحن نسمعه "مفارقة الكذاب" السوفسطائية، ولم نتساءل عما إذا كان "البيش" صادقا أو كاذبا عندما يعترف بكذبه. كان يكفينا منه الاعتراف ولا يحلو لنا لعب بغير وجوده في رقعة اللعب. في رقعة العالم المشتركة اليوم، هل يحلو عيش بغير اعتراف؟ هل يصح بغير آليات كشف فقاعات الكذب الكبيرة الظاهرة للعيان؟ التي انفجرت في وجه الكيان، رغم كل ما بذل من جهد، انفجرت الفقاعة في وجهه على مرأى من البشرية جميعا؟ هل نكون نحن البشر المعاينون، على أي قدر من "البشرية" والإنسانية، إذا لم نصرخ في وجه الكذاب "لي فشها وشها"؟؟

إن استمرار قيم الكذب والبهتان، بغير رادع ولا كاشف فاضح، لا تنبئ سوى باستمرار المواجهة، ولا تأذن بغير حروب "الرنك" و"الحط" و"هنغالة".. لأن كثيرا من القلوب والأرواح، لا تجد معنى لوجودها على هذه الأرض، إن لم تكن ضد الكذب، مع الحق، مدافعة عن الحق، شاهدة بالحق، شهيدة للحق، "ويعلمون أن الله هو الحق".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.