شعار قسم مدونات

عندما تحدث علي الطنطاوي عن شيوخه وأساتذته!

بيان الطنطاوي
الشيخ علي الطنطاوي وابنته الدكتورة بيان (الجزيرة)

لقد كثر اليوم الأساتذة من حملة الشهادات وأصحاب "الدكتورات"، ولكن ذلك الطراز لم يعد له وجود.. من وحي هذه الكلمات التي قالها علي الطنطاوي وُلِد هذا المقال للحديث عن شيوخ الطنطاوي وأساتذته، وهم كثر، ولكنني أفردت المقال هنا للحديث عن أبرزهم وأكثرهم ذكراً خلال ذكريات الطنطاوي نفسه.

وما سيرد في هذا المقال ما هو إلا نقل لما ذكره الطنطاوي نفسه عن أساتذته في ذكرياته وكتاباته، فكان أن ولد هذا المقال وهذه الكلمات..

لما دخلنا مكتب عنبر (وهي مدرسة في دمشق) وجدنا في درس العربية مفاجأتين: رجلين من نوادر الرجال. ولقد قلت مرة إن المهذب الاجتماعي كالنسخة المطبوعة من الكتاب، منها آلاف وآلاف، أما أمثال المبارك وسلام فكالنسخ المخطوطة؛ قد يكون فيها خرم أو غموض ولكنها أثمن من كل المطبوع لأنها مفردة ليس لها نظير. وأحببت أستاذنا سليم الجندي حب الولد أباه وعرفت قدره، فكنت لا أكف عن سؤاله، أسأله في الصف وألحقه في الفرصة وأدخل معه غرفة المدرسين، أشرب من معين علمه ولا أرتوي.. "علي الطنطاوي".

الشيخ عبد الرحمن سلام فما رأيت من هو أطلق منه لساناً وأحلى بياناً؛ لقد كان عجباً من العجب، إذا احتاج أن يتكلم في موضوع لم يكن عليه إلا أن يفتح فمه ويحرك لسانه

عبد الرحمن سلام

أما الشيخ عبد الرحمن سلام فما رأيت (وما أظن أنني سأرى) من هو أطلق منه لساناً وأحلى بياناً؛ لقد كان عجباً من العجب، إذا احتاج أن يتكلم في موضوع لم يكن عليه إلا أن يفتح فمه ويحرك لسانه، فإذا المعاني في ذهنه، والألفاظ على شفتيه، والسحر من حوله، والأنظار متعلقة به، والأسماع ملقاة إليه، والقلوب مربوطة بحركة يديه! وكان يرتجل الشعر كما يرتجل الخطب، وكان يرمي الكتاب (كتاب النحو) لا يباليه، ويتكلم من أول الساعة إلى آخرها في اللغة وفي الأدب وفي كل شيء.. كان يريد أن يربينا على السليقة العربية بالمحاكاة والمِران وينفخ فينا من سحره ليجعلنا أدباء قبل الأوان.

وفي يوم من الأيام سنة 1923 دخل علينا الشيخ عبد الرحمن سلام، ولكن لا كما كان يدخل كل يوم، وألقى خطبة، ولكن لا كما كان يلقي؛ دخل حزيناً وألقى خطبة الوداع، وذهب وذهبت معه قلوبنا.

لم يكن الشيخ يقتصر في درسه على الفقه، بل كان فيه مع الفقه تفسير وحديث وقواعد أصولية يسوقها بعبارات موجزة بليغة، يلقيها ويرددها ويكتبها بخط الثلث على اللوح

عبد القادر المبارك

لقد كان المبارك الإمام في اللغة والمرجع فيها، قيد أوابدها وجمع شواردها وحفظ شواهدها. وكان أعلم العرب بالعرب، عرف أيامهم، وروى أشعارهم، وكان المفرد العلم في بابته. لا أعرف له نظيراً في العلماء، تحس إذ تجالسه وتسمع منه كأنه الأصمعي وأبا عبيدة قد تمثلا في جبته، وكأن ما كنت تقرؤه من أخبار الرواة والحفاظ قد عاد لك حتى رأيته بالعيان. أما حفظه فقد صدقت منه ما يروى عن حماد الراوية وابن الأنباري والمعري.

وما رأيت (وما أظن أني سأرى) مدرساً له مثل أسلوبه في الشرح والبيان، وفي امتلاك قلوب الطلاب، وفي نقش الحقائق في صفحات نفوسهم بهذه الضوابط المحكمة العجيبة التي تلخص في جملة واحدة بحثاً من البحوث.

والغريب أنه لم يكن يدرسنا العربية بل الفقه، يقرئنا "مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح".

ولم يكن الشيخ يقتصر في درسه على الفقه، بل كان فيه مع الفقه تفسير وحديث وقواعد أصولية يسوقها بعبارات موجزة بليغة، يلقيها ويرددها ويكتبها بخط الثلث على اللوح (السبورة) بعرض الحوارة. ولطالما دلنا على كتب قرأتها وانتفعت بها، وهي رأس مالي في العلم والأدب، ولولاه ما سمعت بها.

ثم درّسنا "الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية" لقدري باشا، فكان يشرحه شرحاً عجيباً تجعل لكل حكم من أحكام الزواج والطلاق "قصة" يؤلفها كما يؤلف الأديب قصصه، ويجعل لها قواعد فلا تنسى.

ثم درسنا السيرة فجاء بشيء ما رأيت والله ولا سمعت بمثله، يصور الوقائع ويصف أمكنتها، ويشرح ما قيل فيها ويدل على مراجعها، فكأننا كنا فيها.

وكان الأول (عبد الرحمن سلام) هو الذي جرّأني على امتطاء صهوات المنابر ومقارعة الفرسان في ميادين البيان، وكان الثاني (عبد القادر المبارك) هو الذي أخذ بيدي فأطلعني على كنوز الثقافة العربية وطبع نفسي بطابعه، حتى لأستغرق أحياناً في الدرس فإذا بي أتكلم بلسان المبارك ولهجته وأتحرك مثل حركته.

متواضع حيي، غاض الطرف والصوت، حاضر النكتة، صافي القلب، حسن المعشر، رضي الخلق، مستقيم لا تستطيع مغريات الدنيا أن تحوله عن طريقه..

سليم الجندي

أما الجندي فقد كان أعلم علماء العربية في هذا العصر، وكان واحداً من أعلام العربية الأولين، ولكنه ضل طريقه في بيداء الزمان فجاء في القرن الرابع عشر الهجري لا في القرن الرابع!

أحببت الأستاذ سليم الجندي حب الولد أباه وعرفت قدره، فكنت لا أكف عن سؤاله، أسأله في الصف وألحقه في الفرصة وأدخل معه غرفة المدرسين، أشرب من معين علمه ولا أرتوي، أتزود من هذا المنهل العذب لسفري الطويل في صحراء الحياة، أسأله عن الغريب فلا تغيب عنه كلمة منه، كأنه قد وعى المعاجم وغيبها في صدره، وأسأله عن التصريف والاشتقاق فيجيب على البديهة ما يعيي العلماءَ جوابُه بعد البحث والتنقيب، وأسأله عن النحو فإذا هو إمامه وحجته، وألقي عليه بالبيت اليتيم وجدته في كتاب فإذا هو ينشد القصيدة التي ينمى إليها ويعرف بالشاعر الذي قالها.

وكشفت فيه – يوماً- بحر علم آخر لم أكن أعرفه من قبل؛ سألته عن مسألة من الدين فإذا هو فقيه أصولي يروي الحديث ويعرف المقالات. ومن هنا، من هنا يا سادة، جاء حفاظه على اللغة ومعرفته بقدرها وغيرته عليها.

وهو على ذلك كله متواضع حيي، غاض الطرف والصوت، حاضر النكتة، صافي القلب، حسن المعشر، رضي الخلق، مستقيم لا تستطيع مغريات الدنيا أن تحوله عن طريقه.

ولقد سار على هذا المنهج حياته كلها، ولكنه قاسى في هذا السير الأهوال. لم يكن يوضع برنامج للعربية في المدارس ويبدل أو يؤلف كتاب أو يعدل إلى دعوا الجندي، فإذا جاء وجد أعداء العربية وخدمة الاستعمار متربصين له، يريدون أن يجهلوا أبناء العربية بالعربية حتى يبعدوهم عن القرآن فيسلبوهم أقوى سلاح يحاربون به الاستعمار، يسلكون لذلك أدق المسالك ويتخذون لذلك أخفى المكر، وكان عليه أن يحاربهم وحده، يدفه مكرهم بأخفى منه ويسلك لذلك أدق من مسالكهم، فينال ذلك من أعصابه ومن صحته.

خلاصة

خلال كتاباته وذكرياته تحدث علي الطنطاوي عن الكثير ممن أخذ عنهم العلوم في الشام أيام كانت دمشق تعيش أحلك ظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فكانت وهي كذلك عاصمة العلوم ومنارة الهدى، تهدي الضال وترشد الحائر، وتُصدِّر للدنيا نجوماً يهتدي بها السائرون وينيرون الدروب في دياجير الظلام.. ترى هل تصور لنا الدراما يوماً دمشقَ كما كانت حقاً يومها بعيداً عن خناجر المتعاركين في الحارات وبعيداً عن التزوير والتزييف الذي يسعى الساعون من خلاله إلى تشويه صورة دمشق.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.