شعار قسم مدونات

سيناريوهات استهداف السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر

صورة السفينة التي احتجزها الحوثيين
السفينة الإسرائيلية التي احتجزها الحوثيين (الجزيرة)

في المقدمة لن أطيل، لأن التحليل أهم في استهلال لابد منه؛ فإن قرار جماعة الحوثي الدخول على خط الحرب في غزة، استجابة لنداءات عدة لقادة المقاومة العسكرية بتوحيد الساحات وتوسيع دائرة الحرب، لا ينكر نجاعته إلا جاحد، فلقد استفادت جماعة الحوثي من الموقع الجيوسياسي الذي تتحكم به في مضيق باب المندب وما حوله، في الظهور بمظهر المناصر للمقاومة في غزة، وقد بدأت ذلك بمرحلة قصف موانئ ومدن الكيان المحتل، وهو ما لم يجد نفعا، لتصدي الدفاعات الأمريكية في البحر وفي قواعدها في البلدان المارة بها تلك الصواريخ؛ ومن ثم إسقاطها، لتنتقل جماعة الحوثي إلى مرحلة قطع الطريق أمام السفن "الإسرائيلية" المارة أمام شواطئها أو في مضيق باب المندب لتوقفها وتستولي عليها أو تجبرها للالتفاف حول رأس الرجاء الصالح وتؤخر وصولها أسابيع، ما يعني مزيدا من التكاليف وحرمان الكيان من مواعيد التسليم المجدولة، وتكبيده خسائر اعترف بها بنفسه.

أعلن وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، منذ أيام ومن تل أبيب، إطلاق تحالف "حارس الازدهار"، وهي قوة بحرية متعددة الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر ومضيقه، وضم التحالف دولا غربية بالإضافة إلى البحرين وكيان الاحتلال

يمثل البحر الأحمر أهمية كبيرة اقتصاديا للاحتلال، ويمثل ميناء أم الرشراش أو "إيلات" وهو الميناء الوحيد للكيان المحتل المطل على البحر الأحمر، أهمية كبيرة لاقتصاد تل أبيب، إذ يستخدم بشكل رئيسي لتداول تجارة الاحتلال مع دول الشرق الأقصى، حيث يسمح لتجارته بالوصول إلى المحيط الهندي دون الاضطرار إلى الإبحار عبر قناة السويس، ما يؤكد أن تهديدات جماعة الحوثي للسفن التي لها علاقة بالاحتلال بمثابة ضربة قوية لاقتصاد تل أبيب، فباعتراف مدير عام ميناء "إيلات" جدعون جولبر، منذ أيام قليلة، فإن نشاط الميناء انخفض بنسبة 85% منذ بدء هجمات جماعة الحوثي في البحر الأحمر، ضد السفن التابعة أو المتعاونة مع تل أبيب وهو ما يستوجب التحرك لوقفه.

أعلن وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، منذ أيام ومن تل أبيب، إطلاق تحالف "حارس الازدهار"، وهي قوة بحرية متعددة الجنسيات لحماية الملاحة في البحر الأحمر ومضيقه، وضم التحالف دولا غربية بالإضافة إلى البحرين وكيان الاحتلال، وهنا تبدأ الإثارة الحقيقة، وبناء المواقف وقراءة تبعات الفعل، إذ يمكن قراءة الفعل الحوثي على أنه مدفوع برغبة إيرانية للتلويح بأوراقها أمام أميركا الأكثر تساهلا في عهدة بايدن مع طهران، وهو ما جعل الأخيرة تلوح بأوراق أكثر؛ لجني مكاسب أكثر، فبعد أن لوحت من خلال حزب الله بإشعال الجبهة الشمالية للكيان المحتل، تحرك الآن ذراعها في اليمن، والذي أعلن استهداف السفن "الإسرائيلية" أو السفن المبحرة له، ما يعني أن أي تحالف ضده، سيظهر بمظهر المدافع عن الاحتلال وليس مدافعا عن الملاحة الدولية؛ كما كانت تدعي أميركا وحلفاؤها للتمركز في البحر الأحمر ضد هجمات تنظيم الدولة أو القاعدة من قبله، أو في الصومال قبلهما.

لذا فإن السيناريوهات المحتملة من تكوين هذا التحالف هو إما عملية عسكرية كبيرة بعد توسيع التحالف واحتلال نقاط على طول الشريط الساحلي والتمركز على رأس المضيق لمنع جماعة الحوثي من التعرض لسفن الاحتلال التجارية أو من يتاجر معه، والسيناريو الثاني هو توجيه ضربة لشل قدرات القوات البحرية للحوثي لقطع الأذرع التي تمتد لمصالح الاحتلال التجارية والاقتصادية.

الخذلان الذي ذاقه المتابع لاسيما الشباب منهم، من القيادات الثورية والإسلامية تحديدا خلال العشر سنوات الماضية دفعته إلى الجنوح أكثر يمينا، ورأينا الكثير يشد الرحال إلى سوريا والعراق بحثا عن ملاذ يرضي به إرث النضال والمجد الذي يطل عليه كلما فتح كتابا للتاريخ

السيناريو الثالث هو تسيير دوريات عسكرية مع السفن المرتبطة بالكيان المحتل لتأمينها والرد على أي هجوم عسكري محتمل ضدها، وهو وإن كان مكلف فإنه الأقرب، لأنه أسرع وأقل كلفة من الناحية السياسية والعسكرية والمادية من السيناريوهين الآخرين، مع ذلك فإنه يحمل ميزة للحوثي وأخرى للمقاومة الفلسطينية، وهي أنه سيظهر الحوثي بمظهر البطل المقاوم أمام أنصاره وغيرهم من الشعوب التواقة لنصرة المقاومة في غزة، ومن ثم ستثبت أنها جماعة مقاومة عروبية إسلامية فتستقطب مزيدا من المناصرين لها، مستفيدة من الزخم العالمي لنصرة غزة، ومستفيدة أيضا من حالة التراجع غير المبررة من الجماعات "السنية" في اليمن، ما يفقد هذه الجماعات مزيدا من شعبيتها لصالح الحوثي، إذ أن عدم إمكانية العمل طويلا بآلية تسيير الدوريات البحرية سيجعلها تجني هذه المكاسب سريعا، وهو ما يعني في المقابل التسريع في عملية تسوية لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، وهو مكسب ستتحصل عليه المقاومة، ويصب أيضا في مصلحة الحوثي.

الأزمة الحقيقية من الفعل الحوثي تكمن في تعاطي المراقب مع هذا الفعل، إذ أن الخذلان الذي ذاقه المتابع لاسيما الشباب منهم، من القيادات الثورية والإسلامية تحديدا خلال العشر سنوات الماضية دفعته إلى الجنوح أكثر يمينا، ورأينا الكثير يشد الرحال إلى سوريا والعراق بحثا عن ملاذ يرضي به إرث النضال والمجد الذي يطل عليه كلما فتح كتابا للتاريخ، أو قرأ وردا من القرآن، الآن يبدو أن الأمر تجهز له المساحات سواء السياسية أو الإعلامية ليتكرر في صورة أخرى، تنتهي بنتيجة لا تختلف كثيرا عن تلك التي أضاعت الآلاف من شبابنا التواق للحرية ولا يجد من ينظم فيض مشاعره لها.

إذن، هو نداء لقادة العمل الشبابي والإسلامي خاصة أن ابحثوا عن سبل للاستفادة من هذه القوة الجبارة التي منحها الله لكم ولا تفقدوها، ورشدوا هذا الطوفان قبل أن يغرقكم.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.