شعار قسم مدونات

الصعود اليهودي الثالث!

جانب من ضحايا القصف الإسرائيلي على خان يونس في جنوب قطاع غزة (الفرنسية)

حرب الإبادة الجماعية التي يشنها التحالف الصهيو-أميركي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والاصطفاف الغربي الهائل إلى جانبه؛ كشفت لنا حجم الخداع والزيف التاريخي الذي عاشه العالم في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، حيث تم تزييف التاريخ وإعادة كتابته بما يتناسب مع الزمن اليهودي الجديد، الذي بدأ صعوده في القرن ١٧م، ووضع قواعده في القرن ١٨م، ثم تابع البناء على هذه القواعد في ١٩م والنصف الأول من القرن ٢٠م سياسياً واقتصادياً وقانونياً واجتماعياً وفكرياً، قبل أن ينطلق في مسيرة الهيمنة المتصاعدة في النصف الثاني من القرن ٢٠م وحتى الآن. ولكي نفهم طبيعة هذه الحرب والدوافع الحقيقية للدول الغربية من تأييدها، فإننا بحاجة ماسّة إلى إعادة قراءة التاريخ الغربي في هذه الفترة التي شهدت تحولات دموية هائلة، لم تكن الحركة اليهودية بعيدة كل البعد عنها تحت غطائها الماسوني، التي كان لهم اليد الطولى في تأسيسها وتمويلها ونشرها وتطويرها.

جعلت الماسونية من فلسطين والقدس وجبل الهيكل ومعبد النبي سليمان عليه السلام؛ قبلة لجميع أعضائها من الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء والوكلاء والمدراء والعلماء والعسكريين والمثقفين والأدباء والفنانين ورجال المال والأعمال والأكاديميين والباحثين والفلاسفة والمفكرين؛ قبلة تتصدر أعلى مبادئها، ولا يصح انتماء العضو الماسوني للحركة دون أن يتوجه إليها.

الصعود الثالث وإعادة قراءة التاريخ

كانت الحركة الماسونية في بدايات العصر الحديث، على مدى القرنين ١٦م و١٧م، هي الجهة الوحيدة المشغولة بتفكيك النظام القديم في أوروبا والعالم، وإعادة بنائه على قواعد راسخة تمكن لها الهيمنة على العالم، وكان يهود أوروبا هم المؤسس والمهيمن الفعلي على ذلك كله، وإن كانت الأراشيف والمراكز البحثية والمؤسسات الإعلامية التي تهيمن عليها منذ أواخر القرن ١٩م الحركة الصهيو-ماسونية؛ ترفض هذا الاستنتاج وتدرجه ضمن ما يعرف بالتفسير التآمري للتاريخ أو (النظرية التآمرية)، ويعتبر هذا الموقف أحد المرتكزات الأساسية للتعمية الصهيو-ماسونية على كافة الحقائق التي تكشف حقيقة كيانهم ومدى نفوذهم وهيمنتهم.

استطاعت الحركة الماسونية  أن تعزز حضورها وهيمنتها على مجالات السياسة والعلوم والفكر والفلسفة في القرن ١٧م عن طريق تحالفها الاستراتيجي مع النظام الملكي الحاكم في بريطانيا، الحاضنة الأم للحركة الماسونية؛ وغرس البذور السياسية والفكرية والعلمية، التي توّجت بتأسيس الجمعية العلمية في النصف الثاني من القرن ١٧م، والحصول على الاعتراف الملكي الرسمي بالحركة الماسونية أوائل القرن ١٨م، وإعداد ونشر الموسوعة العلمية البريطانية، وتأسيس أول محفل ماسوني رسمي في لندن، وتأسيس شبكة المحافل الماسونية في بريطانيا، ومن بعدها فرنسا وألمانيا وبقية الدول الأوروبية. ولم ينته القرن ١٨م حتى كانت الماسونية تهيمن على أكبر ثلاثة كيانات سياسية غربية هي بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا، وقد فصّلنا القول في هذا الجانب في مدوناتنا التي تناولت الحركة الماسونية.

كانت الماسونية تقف بصلابة وراء عملية التغيير السياسي والفكري والديني والعلمي في أوروبا والكيانات السياسية الجديدة التي أسستها الحملات الاستعمارية الغربية كالولايات المتحدة وكندا وأستراليا ودول أميركا اللاتينية، وقد تركّزت مجالات التغيير الرئيسية في إسقاط السلطة الملكية والدينية والأخلاقية وإطلاق الثورة الصناعية وإعادة بناء النظام الغربي سياسياً وإدارياً داخلياً وخارجياً على أساس فكري جديد يقدّس العقل والعلم وسلطة الشعب ومصلحة الفرد.

جعلت الحركة الماسونية من فلسطين والقدس وجبل الهيكل ومعبد النبي سليمان عليه السلام؛ قبلة لجميع أعضائها من الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء والوكلاء والمدراء والعلماء والعسكريين والمثقفين والأدباء والفنانين ورجال المال والأعمال والأكاديميين والباحثين والفلاسفة والمفكرين، قبلة تتصدر أعلى مبادئها، ولا يصح انتماء العضو الماسوني للحركة دون أن يتوجه إليها، ويبذل أقصى ما في وسعه للسيطرة عليها وإقامة المعبد فيها، حيث جعلت الحركة الماسونية من هدف اليهود بإقامة معبد سليمان في ساحة المسجد الأقصى هدفاً أسمى للحركة الماسونية في جميع أنحاء العالم.

وعلى مدى القرن ١٩م كانت الحركة الماسونية (اليهودية) تنتشر في أوروبا والعالم الحديث انتشار النار في الهشيم، وتواصل عملية التخلّص من العالم القديم، وتأسيس العالم الحديث وفقاً لأهداف وتطلعات المهندسين والمعماريين والبنّائين الذين خططوا لهذا العالم وشيدوا هياكله وأبنيته وأنظمته السياسة والعسكرية والاقتصادية والتجارية والعلمية والاجتماعية. وكانت الدولة العثمانية من بين دول العالم القديم، وعلى رأس قائمة أهداف الحركة الماسونية، التي تمكّنت من التغلغل داخل الدولة العثمانية بهدف تفكيكها والقضاء على نظامها السياسي وتأسيس نظام سياسي جديد ينسجم مع موجة التغيير التي اجتاحت أوروبا، على غرار ما حدث في الدول الغربية.

ساهمت معركة "طوفان الأقصى" قليلاً في إعاقة دورة الصعود اليهودي الثالث، وكذلك الحال؛ فإن عملية إعادة قراءة التاريخ، ستزيد من حجم هذه الإعاقة.

وقبل أن ينتهي القرن ١٩م؛ كان النفوذ الماسوني اليهودي في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وألمانيا يفوق الوصف، وظهر الهدف الماسوني الأسمى على شكل مطالبة صريحة من الكيانات اليهودية بالاستيلاء على فلسطين وتحويلها إلى وطن قومي لليهود، وكانت حينها تتبع للدولة العثمانية التي كانت تعيش المرحلة الأخيرة من حياتها، وبدأ التصدع السياسي والفكري والتدهور الاقتصادي ينخر في جسدها، ومع ذلك رفضت الانصياع لضغط القوى اليهودية، التي استطاعت أن تحقق طلبها هذا فور انتهاء الحرب العالمية الأولى التي قضت على أكبر قوّة من قوى العصر القديم، وهي الدولة العثمانية، التي ذهبت معظم تركتها الجغرافية لكل من بريطانيا وفرنسا، ومن بينها فلسطين التي كانت من نصيب بريطانيا، أي من نصيب اليهود الذين كانوا لهم نفوذ كبير في بريطانيا التي تهيمن عليها الحركة الماسونية. وعلى امتداد القرن العشرين، وحتى اليوم، تسيطر الحركة الصهيو-ماسونية إلى حد بعيد؛ على الجامعات ومراكز البحوث والدراسات واستطلاعات الرأي والأراشيف والموسوعات والإعلام والدراما، في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها من دول العالم، كما تسيطر على معظم المنظمات الدولية، وهذا يسمح لها بكتابة التاريخ المعاصر، وتوجيه خطط المستقبل على النحو الذي تريده.

إن هذا الهيمنة التي وصلت إليها الحركة الصهيو-ماسونية في العالم، وما تملكه من مؤسسات توجيه وتأثير في شتى المجالات، وخاصة الأكاديمية والبحثية والعلمية والفكرية والإعلامية، تؤثر بشكل كبير على حركة التاريخ وكتابته وتفسيره، وتجعلنا بحاجة ماسة إلى إعادة قراءة تاريخ العصر الحديث، الذي مازلنا نعيش على كتبه وأبحاثه ومعلوماته وأفكاره وروّاده ورموزه التي حملتهم لنا حركة التغيير الأوروبية، تحت مسمى "التنوير"، وهو أحد المسميات الأكثر خداعاً للبشرية في مستهل عصرها الحديث. إننا بحاجة إلى أن نستكشف حجم التضليل المعرفي الذي وقعنا فيه طيلة هذه القرون وحتى اليوم، من أجل أن فهم حاضرنا بصورة أعمق وأدق، ونبني مستقبلنا على أسس صحيحة، في مرحلة تحوّل جديدة بدأت الحركة الصهيو-ماسونية العمل عليها منذ أكثر من ٥٠ عاماً، لتستكمل دورة الصعود أو (العلو) الثالث.

مما لا شك فيه؛ أن معركة "طوفان الأقصى" ساهمت قليلاً في إعاقة دورة الصعود اليهودي الثالث، وكذلك الحال؛ فإن عملية إعادة قراءة التاريخ، ستزيد من حجم هذه الإعاقة. ورغم أنها عملية في غاية الأهمية والصعوبة معاً، ولكنها في غاية الضرورة لأجيالنا القادمة التي تتلقفها ألوان الخداع المتوهّجة المبهرة التي تطمس على أعينها، فتكاد لا تبصر شيئاً، وإن لم تفقد بصرها، فحتماً ستفقد بصيرتها، وتسير في شبه غيبوبة، وهي تظن أنها تسير نحو أسمى الغايات وأقدس الإنجازات. ولذا فإن هذه العملية بحاجة إلى حراك علمي نشط تقوده نخبة الأمة، بل والعالم، من المفكرين والأكاديميين والباحثين والمثقفين، إضافة إلى الجامعات والمعاهد والمراكز البحثية، ليقوموا بدورهم في تصحيح مسار مستقبل البشرية، الذي تم تخطيطه في غفلة من الزمان، ويجري حالياً تنفيذ مساراته التنموية والعلمية والاجتماعية والتشريعية، تحت مظلات المؤسسات الدولية التي تقود عملية التحول بتمويل المؤسسات الاستثمارية الرسمية والخاصة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.