شعار قسم مدونات

نهاية العصر الصهيوني

عاطف دغلس- لم تهد المواجهات واقتحامات الاحتلال بطوباس وخاصة مع بداية الحرب على غزة- الضفة الغربية - نابلس- الجزيرة نت12
حققت غزة العظيمة توازن رعب مع المحتل الغاشم عجزت جميع الدول العربية مجتمعة من تحقيقه (الجزيرة)

لقد دخلت معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 التاريخ من أوسع أبوابه، بل إنها أدخلت المنطقة والعالم أجمع في منعطف تاريخي هام سيترك آثاره ليس على مستقبل الصراع العربي-الإسرائيلي فحسب، بل على منطقة الشرق الأوسط والعلاقات الإسلامية – الغربية، والتوازنات الإقليمية والدولية التي ستتبلور بعد هذه الجولة – غير المسبوقة – من جولات الصراع مع دويلة الاحتلال وداعميها من دول وكيانات في الغرب والشرق. أما ما يجعل هذه الحرب مختلفة عن سابقاتها – سواء تلك التي شنها جيش الاحتلال على غزة أو التي خاضها مع الدول العربية – هو حجم التحوّلات الاستراتيجية التي أحدثتها على القضية الفلسطينية، التي عادت بقوة إلى السّاحة الدولية ليس باعتبارها قضية خاصة بالشعب الفلسطيني هذه المرة، بل كحركة تحرر عالمية تمثل كل شعوب العالم الحر التي تسعى للخلاص من السيطرة الصهيونية والهيمنة الغربية على العالم.

المتابع لتطور المشروع الصهيوني قبل وبعد نشأة دويلة إسرائيل، يدرك أن هذا الكيان المأزوم اقترب إلى نقطة النهاية وبات يشكل عبئا أخلاقيا وسياسيا على داعميه في الولايات المتحدة وأوروبا وعلى الحكومات العربية المطبعة معه

من أهم التحولات الاستراتيجية انكشاف مدى ضعف دويلة الاحتلال كقوة عسكرية حيث اتضح بجلاء (للمخدوعين بالقوة الإسرائيلية) مدى اعتماد هذا الكيان الهش على الولايات المتحدة الأمريكية بشكل شبه كامل، كمصدر لا بديل عنه في تزويده بأسباب الحياة. وبالرغم من ذلك، أثخنت ضربات المقاومة هذا الكيان الذي عجز عن تحقيق أي "لقطة نصر" في أطول حرب يخوضها في تاريخه رغم تسلحه بإمكانات أكبر حلف عسكري على وجه الأرض، مضافاً إليه خذلان أصدقاء فلسطين وحصار أشقاء غزة. هذا الانكشاف الاستراتيجي للكيان الصهيوني سيقوض مكانته كلاعب إقليمي في المنطقة ويقضي على طموحه في الهيمنة على محيطه العربي، وسيؤذن حتما بزوال الاحتلال وبداية النهاية للمشروع الصهيوني، الذي بات بقاؤه مسألة وقت لا أكثر لارتباطه بعوامل خارجية آذنت هي الأخرى بالزوال.

إن المتابع لتطور المشروع الصهيوني قبل وبعد نشأة دويلة إسرائيل، يدرك أن هذا الكيان المأزوم اقترب إلى نقطة النهاية وبات يشكل عبئا أخلاقيا وسياسيا على داعميه في الولايات المتحدة وأوروبا وعلى الحكومات العربية المطبعة معه وعلى الضمير الإنساني ضد الصهاينة، حيث باتت تعقد المقارنات اليوم بين جرائمهم في غزة وما فعلته ألمانيا النازية بحق اليهود.

لعل من أهم التحولات الاستراتيجية لهذه الحرب، خسارة الصهاينة لمعركة الوعي التي يعتبرونها مسألة وجودية و جزءا أساسيا من منظومتهم الأمنية التي طالما اعتمد الكيان في بقائه عليها وعلى تفوقه الدعائي في تزييف وعي الشعوب الغربية، والضغط على صناع القرار فيها من خلال ما يملكه من آلة دعائية جبارة خاصة في الولايات المتحدة والدول الأوروبية المؤثرة، وكذلك بعض الدول الخليجية، لكن دماء أطفال غزة هزمت آلته الدعائية وشلت فاعليتها، وأماطت اللثام عن مدى التغلغل والسيطرة الصهيونية على حكومات ووسائل إعلام مؤثرة وشركات كبرى في الكثير من دول العالم. كما أيقظت دماء الغزيين الكثير من الشعوب المخدوعة والمسيطر عليها من قبل جماعات الضغط الصهيونية بالمال و الاعلام، الأمر الذي بات يهدد مستقبل هذا الكيان الذي طالما اعتمد في بقائه على قوة ونفوذ تلك الجماعات في دوائر صنع القرار وتمددها في الفضاء الإعلامي، مما شكل انقلابا في الرأي العام الغربي والعالمي لصالح القضية الفلسطينية.

الانقلاب في الرأي العام العالمي يؤكد حقيقة هامة، مفادها أن المشروع الصهيوني خسر أحد أهم أدواته الفعالة وهي آلته الدعائية التي تعتبر أحد أهم الأسلحة في ترسانته الوجودية في حشد التأييد له في الكثير من دول العالم، و هي التي كان لها الفضل في جلب التعاطف الدولي لليهود بعد المحرقة النازية (الهولوكوست)، وساهمت في إنشاء دويلة لليهود على أرض فلسطين. هذه اليقظة العالمية أجبرت الرئيس الأميركي جو بايدن -الذي يفاخر دائما بأنه صهيوني- للاعتراف بأن حرب إسرائيل على غزة وقتلها العشوائي للمدنيين كانت السبب الرئيس في خسارتها للتأييد العالمي، كما صرح وزير دفاعه لويد اوستن أن إسرائيل تتجه لتكبد خسارة استراتيجية في هذه الحرب.

لقد استطاع أبطال غزة رجالً ونساء وأطفالا إزاحة غمامة الصهيونية عن شعوب العالم لتنظر بعيونها وعقولها الوجه القبيح لهذا الكيان الغاصب وداعميه، كما كشفت الغطاء عن زيف وهشاشة الرواية الإسرائيلية التي خدعت تلك الشعوب قرنا من الزمان.

حققت غزة العظيمة توازن رعب مع المحتل الغاشم، عجزت جميع الدول العربية مجتمعة من تحقيقه، وقد شهد لهم العدو الصهيوني قبل الصديق بذلك، مما أجبر العقلاء منهم على الاعتراف بأن القضاء على المقاومة بات ضربا من الخيال، وأن إرادة الفلسطينيين الفولاذية أضحت عصية على الكسر وهو ما سيجبر العدو الصهيوني وداعميه على العودة لخيار حل الدولتين الذي سبق أن كرر قادة الكيان الصهيوني رفضهم له وظنوا أن مشروع قيام الدولة الفلسطينية صار شيئا من الماضي (خصوصا بعد حفلات التطبيع المجاني).

هناك تحولات استراتيجية أخرى لهذه الحرب على الداخل الإسرائيلي، تتمثل في الهزيمة النفسية للإسرائيليين وفقدانهم الثقة في الدولة اليهودية التي يعيش فيها اليهود بأمن وسلام. وأبرز مظاهر تلك الثقة المفقودة، هجرة أعداد كبيرة من الإسرائيليين خارج الكيان قبل حلول "لعنة العقد الثامن"، التي بات الكثير من اليهود يؤمنون بها بمن فيهم قادة إسرائيل أنفسهم (نتنياهو وإيهود باراك)، والذين يعرفون قبل غيرهم علامات النهاية.

لقد استطاع أبطال غزة رجالً ونساء وأطفالا إزاحة غمامة الصهيونية عن شعوب العالم لتنظر بعيونها وعقولها الوجه القبيح لهذا الكيان الغاصب وداعميه، كما كشفت الغطاء عن زيف وهشاشة الرواية الإسرائيلية التي خدعت تلك الشعوب قرنا من الزمان. ويكفي أبطال غزة فخرا أنهم من كشف للشباب الأميركي والأوروبي مدى استسلام قياداتهم السياسية لشرذمة قليلة تتحكم في مفاصل بلادهم، وتسخر إمكاناتها المادية في ديمومة ذلك الكيان الهمجي الذي يقتل الاطفال والنساء، على حساب أمن واستقرار ورفاهية تلك الشعوب. إن مجرد كشف هذه الحقيقة كان كفيلا بتحطيم صنم الصهيونية في شوارع نيويورك وواشنطن ولندن وباريس وبرلين ومدريد وكسر المحرمات التي تمنع انتقاد اليهود، وباتت تلك الشعوب تتساءل عن جدوى دعم حكوماتهم لهذه الدويلة المارقة التي لا تجيد الا قتل الأطفال والنساء.

لقد خسرت إسرائيل -الطفل المدلّل للولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين- دعم الرأي العام الغربي الذي كان يمنحها الغطاء السياسي للعربدة في فلسطين والمنطقة العربية. كما بطل سحر الإعلام الصهيوني، وانقلب السحر على الساحر ليصل حجم التأييد الشعبي للشعب الفلسطيني 95% ولإسرائيل 5% فقط حسب الدراسة التي نشرها المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي.
إن التحولات الاستراتيجية لعملية طوفان الأقصى وما خلفته من نتائج ستغير المنطقة إلى الأبد وستظل ذكراها محفورة في ذاكرة الشعوب لأجيال قادمة. ولعله من غير المبالغة القول أن لحظة أفول دويلة الكيان قد اقتربت حالها حال مملكة بيت المقدس، التي لم تدم أكثر من 88 عاما ثم انتهت على يد صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين 583 هـ 1187 م.

بعدها سيسدل العالم الستار على العصر الصهيوني ليبدأ عصر جديد يعود فيه اليهود الى حجمهم الطبيعي (بعدما أفسدوا في الأرض وعلوا علوا كبيرا)، ليعيشوا كما كانوا دائما مشتتين في أقطار الأرض، تنبذهم الشعوب جميعا بسبب عقيدة الاستعلاء، التي حملتهم على احتقار بقية الأعراق والأديان.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.