شعار قسم مدونات

تصحيح واعتذار عن خطأ سابق!

FILE PHOTO: U.S. President Joe Biden holds a bilateral meeting with Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu on the sidelines of the 78th U.N. General Assembly in New York City, U.S., September 20, 2023. REUTERS/Kevin Lamarque/File Photo
بايدن ونتنياهو (رويترز - ارشيف)

في مقالي بعنوان (طوفان الأقصى والخداع الأميركي) أشرت إلى اللقاء الذي جرى بين الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، ووقفت عند كلمة بايدن التي يكررها باستمرار وبإصرار (لو لم يكن هناك إسرائيل لكان علينا إيجاد إسرائيل) ودلالات هذه الكلمة، إلا أن مجريات حرب الإبادة الجماعية التي يقودها التحالف الصهيو-أميركي ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، تثبت يوماً بعد يوم؛ أن الحقيقة عكس ذلك، وأن الجملة الأكثر دقّة في التعبير عن هذه العلاقة هي (لو لم يكن هناك الولايات المتحدة لكان على اليهود إيجادها)، وهو ما يتوافق مع حقائق التاريخ الخاصة بميلاد دولة الولايات المتحدة الأميركية، وعلاقتها بالحركة الماسونية التي كان لليهود الدور الأكبر في تأسيسها ونشرها وقيادتها. ولذا فإن وقوفي عند كلمة الرئيس بايدن ظاهرياً في ذاك المقال قبل أكثر من شهرين، أمر يستحق الاعتذار مني لعدم توضيح حقيقته للقارئ الكريم في حينه، هذه الحقيقة التي نهرب منها دائماً، خشية الاتهام بالنظرية التآمرية، أو بالدعوة إلى النزعة الانهزامية أمام الأقلية اليهودية التي تسيطر على أقوى دولة في العالم، بل وعلى العديد من الدول الغربية وغير الغربية.

لسان حال اليهود في الولايات المتحدة وإسرائيل يقول (لو لم تكن هناك الولايات المتحدة لكان علينا إيجادها).

صعود النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة

تاريخ النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة، يشبه إلى حد بعيد تاريخه في غيرها من الدول الغربية القديمة والحديثة. وللتدليل على ما ذهبنا إليه من ضرورة قلب مقولة الرئيس بايدن، نمرّ سريعاً على تاريخ النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة، فقد ارتبط الوجود اليهودي هناك بالحملات الاستعمارية المبكرة لأميركا الشمالية في القرن ١٦م، قبل إعلان استقلال الولايات المتحدة، ولم يلبث أن هاجر إليها أعداد كبيرة من يهود أوروبا في منتصف القرن ١٩م، وبلغ عددهم حوالي ربع مليون في ١٨٤٠م، انخرطوا في أعمال التجارة والصناعة والصيرفة والبنوك والسينما والإعلام والأدب والفن وغيرها. وإبّان الحرب العالمية الأولى هاجر حوالي مليوني يهودي من أوروبا وروسيا إلى الولايات المتحدة. وكان لهم حضور مبكر في النشاط السياسي في مجلس النواب منذ أربعينيات القرن ١٩م، كما كان لهم كذلك مشاركة في الإدارات الأميركية المتعاقبة.

يذكر البروفيسور الأميركي اليهودي ليونارد دينرشتاين (١٩٣٤-٢٠١٩م) في كتابه "الرؤساء واليهود" أن فترة الرئيس الأميركي الديمقراطي فرانكلين روزفلت (١٨٨٢-١٩٤٥م) التي امتدت من ١٩٣٣م إلى ١٩٤٥م، كانت بمثابة العصر الذهبي لدخول اليهود في السياسة الأميركية، وخاصة إبان الحرب العالمية الثانية، حيث كان الأكثر تأييداً لليهود في تلك الفترة.

ومع تنامي مكانة الجالية اليهودية السياسية والاقتصادية والمالية والإعلامية والصناعية والأكاديمية والعلمية والقانونية والبحثية في الولايات المتحدة دأب مرشحو الرئاسة والكونجرس والبرلمان، من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، على استرضاء الجالية اليهودية من أجل الفوز في الانتخابات، وكان الرؤساء وأعضاء البرلمان والشيوخ من الحزب الديمقراطي على الدوام الأكثر تجاوباً مع سياسات النفوذ اليهودي. كان الرئيس بيل كلنتون (الديمقراطي)، الذي كان يعتبر كواحد من أفراد المجتمع اليهودي؛ فكان الأكثر اهتماماً باليهود منذ عهد روزفلت، حيث عيّن في إدارته عدداً كبيراً من اليهود، تجاوز ١٥٠ شخصاً في وزارة الخارجية وحدها، وكان من بين أعضاء حكومته ستة وزراء للعمل والخزانة (لفترتين) والزراعة والتجارة والدفاع. ومن قبله عيّن الرئيس جيمي كارتر (الديمقراطي) أربعة وزراء للدفاع والخزانة والمواصلات والتجارة. وعلى غرار كلينتون كان الرئيس باراك أوباما (الديمقراطي)، الذي وصفته مجلة نيويورك تايمز في سبتمبر ٢٠١١ بأنه أول رئيس يهودي للولايات المتحدة، فقد أدخل في إدارته ٣٧ مسؤولاً يهودياً، من بينهم ستة وزراء للخزانة والعمل والتجارة (مكررة لفترتي الرئاسة).

الرؤساء الجمهوريون لا يقصرون كذلك في مراعاة استحقاقات نفوذ اللوبي اليهودي، ولكن ليس بمستوى نظرائهم الديمقراطيين، فقد ضمّت إدارة الرئيس جورج بوش الابن، ٣١ يهودياً من بينهم وزيران للأمن الداخلي والمدعي العام، وإدارة الرئيس دونالد ترامب ضمّت ٢٠ مسؤولاً يهودياً من بينهم أربعة وزراء للخزانة والمدعي العام، وشؤون قدامي المحاربين وقائم بأعمال الخزانة.

وعندما نستعرض الوزارات التي كان اليهود يحرصون على السيطرة عليها في الإدارات المتعاقبة منذ بداية القرن الماضي نجدها تتركّز غالباً في الخزانة والعمل والتجارة والدفاع والخارجية والتعليم والصحة والأمن الداخلي والمدعي العام، وهي الوزارات الأكثر نفوذاً وتأثيراً على المستويين الداخلي والخارجي.

نفوذ اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة حقيقة لا يمكن إنكارها، ولكنه لن يدوم إلى الأبد، وستعصف به حركة التاريخ كما عصفت به من قبل.

النفوذ اليهودي في إدارة بايدن

أعطى الرئيس بادين اهتماماً بالغاً لليهود في إدارته، فعيّن ٤٨ مسؤولاً، ما نسبته حوالي ١٠٪ من مجموع أفراد إدارته البالغ عددهم ٥٢٤ مسؤولاً، أي حوالي خمسة أضعاف نسبة اليهود من عدد السكان في الولايات المتحدة، والبالغة ٢٪، وقد ضمّت وزارة بايدن أربعة وزراء للخارجية والمدعي العام والخزانة والأمن الداخلي، ومن بينهم كذلك نائب وزير الخارجية ونائب مدير سي آي إيه ومدير المخابرات الوطنية ونائب وزير الصحة ونائب وزير المواصلات وسفراء في كل من إسرائيل والهند وألمانيا وكندا والاتحاد الأوروبي والدنمارك وبلجيكا وسنغافورة واليابان والأرجنتين. بالإضافة إلى ذلك، يوجد لليهود في مجلس النواب ٢٧ عضواً، منهم ٢٥ عضواً ديمقراطياً، و١٠ أعضاء في مجلس الشيوخ (الكونجرس) منهم ٩ أعضاء ديمقراطيين، أي ما نسبته ١٠٪ من أعضاء مجلس. الشيوخ، و٧٪ من أعضاء مجلس النواب، بالإضافة إلى ٣٧ مشرعاً من بين ٥٣٥ مشرعاً في مجلس الشيوخ.

هذا الحضور اليهودي الكبير في إدارة بايدن ومجلسي الشيوخ والنواب، يزيد من التأثير على الرئيس فيما يتعلق بالشأن اليهودي بشكل عام، والشأن الإسرائيلي بشكل خاص، وهذا التأثير هو ما يفسر موقف بايدن تجاه معركة طوفان الأقصى، والذي جعل من الولايات المتحدة شريكاً كاملاً في الحرب على قطاع غزة، وهو ذات التأثير الذي يتحكم حالياً في عملية التوفيق بين أهداف بايدن-نتنياهو من الحرب، وبين تطلعات بايدن للفوز في الانتخابات القادمة وحاجته إلى دعم اللوبي اليهودي، وبين ضغوط اللوبي اليهودي لإيجاد مخرج يضع حداً للخسائر المتسارعة التي لحقت بصورة المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة، والتي جسّدها ارتفاع معدل الحوادث المعادية للسامية داخل الولايات المتحدة إلى ٣٨٨٪ عما كانت عليه في الفترة نفسها من العام الماضي، ما دفع مسؤولو إدارة بايدن إلى الاجتماع بكبار القادة اليهود في البيت الأبيض يوم الاثنين الماضي لبحث سبل مواجهة هذه الظاهرة، مما شكّل مأزقاً حقيقياً لكل من إدارة بايدن وحكومة نتنياهو.

كان الرئيس جيمي كارتر الأكثر صراحة ودقة في التعبير عن مستوى نفوذ اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، عندما قال بأنه لا يمكن لأي مرشح للرئاسة أو الكونجرس أو البرلمان؛ النجاح دون موافقة اللوبي اليهودي. ومازال هذا الأمر على حاله، بل وفي تزايد، ما يجعلنا نقول وبكل ثقة أن موقف الإدارة الأميركية من معركة (طوفان الأقصى) هو موقف اللوبي اليهودي، أي موقف الحركة الصهيونية العالمية، وأي تغيير يطرأ على هذا الموقف، نحو التصعيد أو التهدئة، سيكون استجابة لتغيّر موقف اللوبي اليهودي، فلسان حاله وحال عموم اليهود في الولايات المتحدة وإسرائيل يقول (لو لم تكن هناك الولايات المتحدة لكان علينا إيجادها).

إن هذه الحقيقة حول نفوذ اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة لا يمكن إنكارها، فهي متغلغلة في أدق تفاصيل الدولة وأنظمتها وخططها وتطلعاتها وقوتها وتأثيرها وهيمنتها الداخلية والخارجية. هذه الحقيقة؛ وإن كانت قادرة على فرض نفسها على الولايات المتحدة بسبب تفوقها العالمي واستقرارها الداخلي، فإنها لن تدوم إلى الأبد، وستعصف حركة التاريخ بهذا النفوذ كما عصفت به من قبل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.