شعار قسم مدونات

أزمة الإنسانية والبحث عن أرضية مشتركة

Omran Abdullah - كان الفيثاغوريين في القرن السادس قبل الميلاد يتبنون الفلسفة "النباتية" ويكي كومون - الفلسفة "النباتية" في شعر الشيرازي والمعري.. ظلال السياسة في جدل أكل الحيوان
المدرسة الفلسفية ضمت عددا كبيرا من الفلاسفة قديما وحديثا (الجزيرة)

خُلِقَ الإنسان وخلقت بداخله رغبة البحث عن الخير والأفضل لنفسه وعياله. لم يتركه الله بلا دليل أو تعليمات لحياة طيبة، لذلك علم أول إنسان الأسماء وطرق العيش في هذا الكوكب.

بعد تكاثر أولاد آدم وانتشارهم في الأرض حصل الابتعاد والانحراف عن المنهج المؤسس للإنسانية، وبمرور الزمن بدأت الإنسانية تعاني من المشاكل النفسية، والاجتماعية، والسياسية والاقتصادية. أتى الأنبياء في بعض المناطق والفلاسفة في مناطق أخرى لمعالجة هذه المشاكل. وجدت الإنسانية نفسها أمام مدرستين؛ مدرسة الفلاسفة ومدرسة الأنبياء: وكلٌّ من هاتين المدرستين حاولتا أن تقدم منهجا متكاملا للإنسانية.

المعاملة الطيبة التي أظهرها شباب كتائب القسام للأسرى الإسرائيليين غيرت كثيرا من النظرة النمطية المتخلفة عن الإسلام وربما أدخلت حب الإسلام والمسلمين في قلوب الملايين في العالم.

المدرسة الفلسفية ضمت عددا كبيرا من الفلاسفة قديما وحديثا، غير أن أغلب هؤلاء الفلاسفة أهملوا الجانب الروحي والرباني لمعالجة المشاكل المذكورة. هنا أتى الأنبياء لمعالجة المشاكل البشرية بأبعاد مختلفة وبطريقة متكاملة.

وإلى اليوم مازالت هناك مدرستين مختلفتين أمام البشرية، أولئك الذين يعتبرون الفلاسفة مرجعا حقيقيا لحل أزمة الإنسانية أغلبهم لا يأخذون شيئا من مشكاة النبوة، بينما أصحاب الأديان أيضا يعتبرون أن الأديان وحدها ستحل مشاكل الإنسانية ولكنهم لا يأخذون أيضا من تجربة الفلاسفة.

عندما ندرس الأديان المختلفة لا نجد منهجا عمليا للتكامل المعرفي إلا في الإسلام. مثلا؛ اليهودية أصبحت الديانة القومية لأثنية معينة والمسيحية ديانة روحية بحتة والبوذية والهندوسية كذلك، أما الإسلام بنظري فهو دين متكامل يعالج كثيرا من المشاكل الإنسانية.

كتبت هذه السطور بسبب أحداث غزة التي أيقظت وجدان البشرية وفطرتها في كل العالم وحركت في العواصم الدول الغربية أكثر من الدول الإسلامية. هذا يدل على أن وجدان الإنسانية مازال حيا ولكن من الذي سيخاطب هؤلاء الناس الذين يبحثون عن العدالة الاجتماعية والحل العادل لقضية الفلسطينية والقضايا الأخرى.

اعتقد حقا أن المشكلة الأساسية بيننا وبينهم هي لغة الخطاب! أولئك الذين يمثلون الإسلام لديهم مشاكل معرفية وفلسفية، أضف إلى هذه المشكلة بعض الأخطاء القاتلة والمنحرفة التي يرتكبها بعض الناس باسم الإسلام هنا وهناك.

إن المعاملة الطيبة التي أظهرها شباب كتائب القسام للأسرى الإسرائيليين غيرت كثيرا من النظرة النمطية المتخلفة عن الإسلام وربما أدخلت حب الإسلام والمسلمين في قلوب الملايين في العالم. هذا يعني أن البشرية تبحث عن النماذج والمعاملة المثالية التي دعا إليها الإسلام منذ ظهوره.

المسلمون بعد أن انكمشوا لم يهتموا كثيرا بالعلوم الفلسفية بل منهم من عاب وعاتب من يقترب من هذه العلوم، وهذا أدى إلى التراجع العقلي والفكري في فهم الواقع وحل المشاكل الإنسانية.

الموضوع الأساسي الذي أريد أن أطرحه هنا هو الأزمة الإنسانية والبحث عن التكامل المعرفي وإنشاء الأرضية المشتركة للبشرية، وكيف سيتم ذلك ضمن وجود فجوة كبيرة بيننا كمسلمين والآخرين؟ واذا افترضنا عدم وجود الثقافة المشتركة في المفاهيم بيننا و بينهم، فلا شك آنه لا يجوز أن ننتظر منهم أن يَدْرُسُوا الدراسات الإسلامية حتى يفهموا حضارتنا و ثقافتنا و ديننا – وإن كان هذا يحدث قليلا من حين إلى حين- وأغلب من درس الدراسات الإسلامية على يد المسلمين الطيبين و قد دخلوا في الإسلام أو تحيدوا نحوه، لأنهم وجدوا معاملة طيبة وثقافة عالية ومحبة دافئة ما لم يجدوها في مجتمعاتهم بسبب المادية المفرطة.

أما المشكلة -بنظري- لدى المسلمين تتركز في أن أغلبهم أهملوا الجهود البشرية ونجاحاتها منذ القرن الثامن عشرة وانغلقوا على أنفسهم ولم يهتموا بما يجري في الضفة الغربية عند الغربيين. بينما قام اليهود بالتركيز على العلوم الإنسانية وأخرجوا قيادات فكرية وسياسية واقتصادية بل أدخلوا فيها أيضا "خرافات" خطيرة خاصة في علم النفس والاقتصاد.

وعلي سبيل المثال فالاقتصاد التقليدي لا يؤمن إلا بالربا، أما مؤسس علم النفس سيغموند فرويد يحلل وينظر لبعض الأفكار السلبية.

المسلمون بعد أن انكمشوا لم يهتموا كثيرا بالعلوم الفلسفية بل منهم من عاب وعاتب من يقترب من هذه العلوم، وهذا أدى إلى التراجع العقلي والفكري في فهم الواقع وحل المشاكل الإنسانية.
لا شك لدينا في النصوص الصحيحة من القرآن والسنة، لكن إنزال هذه النصوص في أرض الواقع لحل المشاكل لم تؤدي إلى المطلوب، والدليل على ذلك وضع الدراسات الإسلامية في المعاهد الشرعية والكليات والجامعات وتقديم الحلول للإنسانية، لأن هناك انفصام كامل بين المنهجين إلا في بعض الجامعات.

يجب أن نختار بعض الشباب المسلم من العباقرة وندرس لهم العلوم الإنسانية بأعلى مستوى، حتى يتشكل لدينا مجموعة من العلماء والمفكرين لحل المشاكل الاجتماعية والفكرية والاقتصادية لبناء الحضارة الإسلامية المعاصرة

حتى نكون منصفين أكثر، لا بد أن نذكر جهود الشهيد إسماعيل فاروقي، الفلسطيني الذي وضع تصورا متميزا في الثمانينيات في قرن الماضي في المؤتمر الإسلامي في جدة عن أسلمة العلوم الإنسانية وتدريسها في الجامعات الإسلامية. ولاحقا لذلك تحول هذا التصور إلى مشروع ثم الي الجامعات المستقلة بمناهج متميزة، منها؛ الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا والجامعة الإسلامية العالمية في باكستان.

إسماعيل فاروقي كان شخصية فكرية بحتة لم يتدخل في الشؤون السياسية أبدا مع ذلك اغتيل من قبل الأعداء لمعرفتهم بأن الذي قدمه سوف يفتح باب التواصل بين الحضارات وسيحرك وجدان الشعوب للوصول إلى الإسلام. بعض الأطراف الغربية لا يحبون الإسلام الحضاري بينما يحبون التطرف لأنه مفيد لنظرياتهم التي يروجونها حوله و"لحماية" شعوبهم من الإسلام.

لا بد أن نتجاوز هذه المعضلة الانفصامية بين التجربة البشرية في العلوم الإنسانية وتجربة النبوية التي تمثلها القرآن والسنة.

أخيرا اعتقد بعد دراسة العلوم الإسلامية بكل فنونها، أنه يجب أن نختار بعض الشباب المسلم من العباقرة وندرس لهم العلوم الإنسانية بأعلى مستوى، حتى يتشكل لدينا مجموعة من العلماء والمفكرين لحل المشاكل الاجتماعية والفكرية والاقتصادية لبناء الحضارة الإسلامية المعاصرة ولنخاطب البشرية باللغة التي تفهمها باسم الإسلام والمسلمين ، ولندعو البشرية إلى سلام عالمي ونظام عادل ولحل النزاعات بقواسم مشتركة نؤسسها معا، وإلا لن تكون صورة الإسلام والمسلمين في المستقبل أحسن من اليوم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.