شعار قسم مدونات

الاتحاد من أجل السلم في غزة!

جانب من ضحايا العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة (وكالة الأناضول)

لم أستغرب قط استخدام الولايات المتحدة لحق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن يوم الخميس الماضي والذي كان يدعو إلى وقف إطلاق النار، وذلك حتى يتسنى لإسرائيل مواصلة حرب الإبادة في قطاع غزة. فهذا هو عهدنا بالولايات المتحدة الأميركية منذ نشأة دولة إسرائيل عام 1948. فالولايات المتحدة ومنذ قيام هذا الكيان الغاصب على أرض فلسطين لا يهمها كثيراً معاناة الفلسطينيين أو تشريدهم، ولا تبالي إن قتل منهم مئات الآلاف أو حتى الملايين.

الذي يعني أمريكا فقط هو أن تبقى إسرائيل قاعدة أمامية لها في قلب العالم العربي وعلى أكبر مساحة يمكن ابتلاعها من أرض العرب وأن يكون اليهود فيها أغلبية بعد قتل أو طرد سكانها من الفلسطينيين أو العرب. فعلى مدى العقود الماضية استخدمت الولايات المتحدة عشرات المرات حق النقض لمنع مجلس الأمن الدولي من إصدار قرارات ضد إسرائيل.

وحتى تلك القرارات التي أصدرها المجلس والتي كان من أشهرها القرار 242 والذي صدر بتاريخ 22 نوفمبر، تشرين الثاني 1967 ويطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967، ضربت بها وبه عرض الحائط، وكان ذلك ولا يزال بدعم أمريكي صريح. بيد أن هذا كله لا ينبغي له أن يثنينا عن السعي لإدانة إسرائيل في المحافل الدولية.

استعمال بعض الدول الكبرى لحق النقض بشكل متعسف جعل المجلس في كثير من المواقف غير قادر على الإضطلاع بمسؤولياته التي خولها له الميثاق في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين.

"إذا أخفق مجلس الأمن بسبب عدم وجود إجماع بين أعضائه الخمسة الدائمين في القيام بمسؤولياته الأساسية في مجال حفظ الأمن الدولي وفي الحالات التي يلوح فيها تهديد للسلم أو إخلال به أو عمل عدواني، فإنه يكون للجمعية العامة أن تبحث الموضوع فوراُ وذلك بغرض إصدار التوصيات اللازمة للدول الأعضاء.

ولئن كان ميثاق الأمم المتحدة لم يمنح الجمعية العامة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين إلا سلطة إصدار التوصيات، وجعل سلطة إصدار القرارات من صميم عمل مجلس الأمن، إلا أن استعمال بعض الدول الكبرى لحق النقض بشكل متعسف جعل المجلس في كثير من المواقف غير قادر على الإضطلاع بمسؤولياته التي خولها له الميثاق في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين.

وقد دفع هذا الأمر الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى العمل إلى تطوير سلطاتها في هذا المجال رغبةً منها في التدخل في المواقف التي يعجز فيها المجلس عن الإضطلاع بمهامه. وعليه كان قرارها التاريخي رقم 377 والمعروف باسم "الاتحاد من أجل السلم" والذي أصدرته الجمعية العامة بتاريخ 3 نوفمبر، تشرين الثاني 1950 إبان الأزمة الكورية نتيجة لعجز مجلس الأمن آنذاك بسبب استعمال الاتحاد السوفيتي السابق لحق النقض. وينص القرار على أنه "إذا أخفق مجلس الأمن بسبب عدم وجود إجماع بين أعضائه الخمسة الدائمين في القيام بمسؤولياته الأساسية في مجال حفظ الأمن الدولي وفي الحالات التي يلوح فيها تهديد للسلم أو إخلال به أو عمل عدواني، فإنه يكون للجمعية العامة أن تبحث الموضوع فوراُ وذلك بغرض إصدار التوصيات اللازمة للدول الأعضاء لاتخاذ التدابير الجماعية المناسبة بما في ذلك استخدام القوة المسلحة للمحافظة على السلم أو إعادته إلى نصابه".

كما نص القرار على تعديل إجراءات دعوة الجمعية العامة للانعقاد، إذ يجوز دعوتها بمقتضى القرار إلى دورة استثنائية عاجلة خلال 24 ساعة وذلك في حالة تلقي الأمين العام للأمم المتحدة طلبا بهذا الخصوص من مجلس الأمن بأغلبية 9 أعضاء ولا يشترط أن يكون من بينها الأعضاء الدائمين، أو في حالة تلقيه طلبا من الجمعية العامة بموافقة أغلبية أعضائها. وإذا كان الاتحاد السوفيتي السابق قد عارض القرار آنذاك بحجة أنه يخالف بعض بنود ميثاق الأمم المتحدة ولاسيما المادة 11 والمادة 12 من الميثاق وأنه يجعل الجمعية العامة تجور على اختصاصات مجلس الأمن، إلا أنه جرى استخدام هذه الآلية لاحقا في مواقف وصراعات دولية عديدة حينما وقف المجلس عاجزا عن أداء مهامه في حفظ السلم والأمن الدوليين بسبب تعسف بعض الأعضاء الدائمين في استخدام حق النقض.

حجم الدمار الذي أحدثه العدوان الإسرائيلي الغاشم في غزة على مدى حوالي شهرين وعدد القتلى من المدنيين العزل الذي سقط في فترة زمنية قصيرة لم يسبق لهما مثيل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي

فعلى سبيل المثال تم الاستناد إلى هذا القرار في أزمة المجر عام 1956 وكذلك أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 عندما عجز مجلس الأمن نتيجة الفيتو البريطاني والفرنسي عن أداء وظائفه. كما أصدرت الجمعية العامة آنذاك في خضم تصديها لأزمة العدوان قرارا بتشكيل قوات طوارئ دولية. وقد ظلت هذه القوات موجودة في سيناء إلى أن طلبت مصر انسحابها بتاريخ 18 مايو، أيار 1967 عندما قامت بإغلاق مضيق جزيرة تيران المصرية وكان ذلك قبل أيام من شن إسرائيل عدوانها على مصر وسوريا والأردن.

وفيما يتعلق بالحرب الحالية في غزة، فإن حجم الدمار الذي أحدثه العدوان الإسرائيلي الغاشم على مدى حوالي شهرين وعدد القتلى من المدنيين العزل الذي سقط في فترة زمنية قصيرة لم يسبق لهما مثيل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وهو ما دعا الأمين العام للأمم المتحدة السيد غوتيريش إلى تفعيل المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة التي تخوله الحق في لفت انتباه مجلس الأمن إلى أي مسألة يرى فيها تهديدا للأمن والسلم الدوليين. ولا شك أن تفعيل الأمين العام للمادة 99 ينطوي على مغزى كبير. إذ إنها المرة الأولى التي يستخدم فيها الأمين العام هذا الحق منذ توليه منصبه وهو ما يظهر بجلاء استشعاره لمدى خطورة الوضع في غزة على الأمن والسلم الدوليين.

لكن الركون إلى مجلس الأمن الدولي وحده في ظل تعنت قوة عظمى شاءت لها الأقدار أن تهيمن على مسارات السياسة الدولية قد لا يجدي نفعا. وعليه فإن اللجوء إلى تلك الآلية المتمثلة في الاتحاد من أجل السلم قد يكون إحدى الطرق الفعالة في التأثير على إسرائيل وإدانتها هي ومن يشاركها جرائمها ضد الشعب الفلسطيني.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.