شعار قسم مدونات

طوفان الأقصى وصهينة الكراسي واللحى

متظاهرون في جامعة هارفارد الأميركية ينددون بالمجازر الإسرائيلية في غزة (رويترز)

الغرض من التدوينة تبيان أن الصهاينة ليسوا هم -فقط- الذين رحلوا إلى فلسطين واستوطنوا أرضها ويسعون الآن إلى إبادة شعبها، فالصهينة هي كل تصرف يخدم المشروع الصهيوني من حيث المآل، ولو لم يكن صهيوني الجنس والعرق.. وهذه وإن كانت معروفة، فإن إبرازها هو أقل الواجبات الأخلاقية على الأمة.

ولا نريد أن نبحث عن الجذور التاريخية لإنشاء الكيان الصهيوني الذي يعود بشكل رسمي واقعي إلى وعد بلفور الذي أصدرته الحكومة البريطانية سنة 1917، وكان عبر رسالة فيها تعهد ببناء كيان لليهود الصهاينة.

وسنقف هنا باقتضاب عند تصهين الكراسي واللحى، مع أن الصهينة قد تكون في بعض الفنانين والإعلاميين وأصحاب رؤوس الأموال.

كلمة "العدو الصهيوني، القاتل، المجرم.." ربما سمعناها ملايين المرات، وقلما وقف مسؤول إلا تحدث عن هذه القضية على أنها القضية الأولى، هذا في العلن. أما في الخفاء فالمكر والاتفاقيات المنفردة الممتدة الجذور.

صهينة الكراسي

المقصود بالكراسي هنا هي كراسي المسؤولين ومن يرتبطون بهم، والذين خدموا الصهاينة في تمكينهم من مطالبهم، أو الذين يتشوفون للتطبيع معهم مع كل المآسي التي تمرّ بها القضية.

والصهينة تاريخ له جذوره. وأذكر منذ طفولتي، وتحديدا في سنة 1982 عندما كنت ابن عشر سنوات، وكانت حرب الصهاينة على لبنان بقيادة السفاح أرييل شارون، ومنذ ذلك الوقت -بل قبله في الفترة التي لم نعها- قلما خلا يوم من الأيام إلا والإعلام العربي يتحدث عن الصهيونية، ويمكن القول إن أكثر المفردات ظهورا في الإعلام العربي الرسمي هو الحديث عن ضرورة الوقوف مع حق الشعب الفلسطيني في استرجاع أرضه وبناء دولته وتحرير مقدساته، مع أن المقدسات قضية إسلامية، وللأسف يراد من الصهيونية ومن المتصهينة تحويلها إلى قضية شخص واحد، ويكون هذا الشخص هو النموذج لكل من يكون في فلسطين ومنهم المقاومة.

وكلمة "العدو الصهيوني، القاتل، المجرم.." ربما سمعناها ملايين المرات، وقلما وقف مسؤول إلا تحدث عن هذه القضية على أنها القضية الأولى، هذا في العلن، أما في الخفاء فالمكر والاتفاقيات المنفردة الممتدة الجذور، إلا قلة ممن تفاعل مع قضيتها واحتضن فكرها ورموزها.

وقد سبب طوفان الأقصى الذي حصل في تاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول حرجا بالغا لكثير من أصحاب الكراسي، وخاصة الدول المجاورة، إذ استطاعت جماعة معزولة من كل شيء أن تهز هذا الكيان هزا عنيفا، جعلت الكثير منهم يرى عدم المستقبل له في هذه الأرض، في حين أن ثلاث دول عربية انهزمت خلال بضعة أيام في نكسة يونيو/حزيران 1967.

ولذا، ليس ببعيد عن كثير من المتصهينين التخلص من حماس، ليس لأنها تسبب حرجا لهم؛ بل لأنها تحمل مشروعا إسلاميا لا يريدونه في بلدانهم.

إن أردت الدليل على التصهين فأقول عشرات الألوف من الجيوش العربية تطوق الصهاينة، ولا نسمع إلا شراء الأسلحة بكل أنواعها من قبل هؤلاء الأنظمة.. ويظن المخدوع أنها لتحرير الأرض وبيت المقدس، ولكنه ظهر -وهو معروف لدى الكثيرين- من خلال الربيع العربي أن هذه الأسلحة بكل أشكالها بما فيها الكيمياوي، كانت -ولا تزال- لقتل الشعوب التي تنادي بالحرية، والتي لا تمجد القائد، الملهم، المعظم، المبجل، صانع التاريخ، حامي الحمى والدين!

لا أظن أن طفلا صغيرا أو مجنونا يصدق أن خروج المظاهرات المنددة بجرائم بني صهيون تنفي تهمة التصهين عن المسؤول مع ارتباطه بعلاقات معه، بل قد يكون إخراج المظاهرات والتنديدات لامتصاص النقمة.

التصهين لا يتستر، فهذه العصابة المجرمة الخارجة على كل الشرائع والقوانين والتي تلقى دعما من أمها وخالاتها وعماتها.. في الغرب ما زالت تقصف بعض الدول المجاورة منذ سنوات من غير أن تسمع حسيسا لجيشها!

ماذا يكون التصهين إن لم يكن إغلاقا للحدود، ومنعا للدواء، وإبقاء للسفارات، وبناء للعلاقات، وعدم سماع صوت الثكالى والأرامل والأطفال.. في الوقت الذي تنهال فيه الأسلحة والأموال والتأييد للكيان الغاصب! ومن غير أن يتحرك جزء من نخوة المعتصم.

رب وامعتصماه انطلقت .. ملء أفواه البنات اليتم

لامست أسماعهم لكنها .. لم تلامس نخوة المعتصم

لا يلام الذئب في عدوانه .. إن يك الراعي عدو الغنم

ولا أظن أن طفلا صغيرا أو مجنونا يصدق أن خروج المظاهرات المنددة بجرائم بني صهيون تنفي تهمة التصهين عن المسؤول مع ارتباطه بعلاقات معه، بل قد يكون إخراج المظاهرات والتنديدات لامتصاص النقمة.

بل ليت هؤلاء امتلكوا جزءا من نخوة أولئك العرب المشركين الذين حاصروا النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه، عندما تحركت نخوة بعض المشركين وأخذوا يتلاومون على هذا الحصار حتى قام "خمسة من أشراف قريش يطالبون بنقض هذه الصحيفة الظالمة.. واتفقوا على ذلك ليلا، فلما أصبحوا غدا زهير وعليه حلة، فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس، فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم والمطلب هلكى لا يبيعون ولا يبتاعون! والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة الظالمة القاطعة"، (نور اليقين، ص56).

كيف لا يكون الأمر فيه تصهين ودولة مثل بوليفيا تقطع علاقاتها، ودول تقيم علاقات وأخرى تسعى للتطبيع، وثالثة تقيم مهرجانات للرقص والتعري.

معلوم لدى طلاب العلم، حتى لمن هم في مدارس الإعدادي الشرعية، أن دفع الصائل الظالم القاتل المغتصب لا يحتاج إلى إذن حاكم أو زوج أو والد متى تحقق الظن بالنكاية بالعدو

صهينة اللحى

أخذ الله تعالى العهد على العلماء لتبيان الحق من الباطل، وفي هذا يقول ربنا سبحانه وتعالى "وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون" [آل عمران: 187]، وهذه الآية واردة في سياق الحديث عن أهل الكتاب، ولكن حكمها غير مقصور عليهم.

والحق أن الكثير الكثير من علماء الأمة جهروا بالحق، وطالبوا الحكام والشعوب بالمساندة والوقوف مع أهل غزة بكل السبل بما فيها العسكري، لكن اللافت للانتباه أن بعض أصحاب اللحى قام بالتخذيل، فمنهم من سكت مطلقا في حين كانت له الفتاوى المؤيدة لبعض أصحاب الكراسي في تدمير الشعوب أثناء الربيع العربي، وبعضهم جعل جهاد أهل غزة جهادا في سبيل الشيطان، بذريعة أنهم لم يأخذوا الإذن من الحاكم المتصهين من حيث المآل، وبعضهم يرى أن إطلاق الشهادة على من مات منهم لا تختلف عمن مات غريقا أو حريقا.

وهذا إجرام في الدين، وتحريف للكلم عن مواضعه، وسعي لتأليه السلطان. وكان الأحرى بهؤلاء أن يفتوا الناس بما هو معلوم لدى طلاب العلم، حتى لمن هم في مدارس الإعدادي الشرعية، أن دفع الصائل الظالم القاتل المغتصب لا يحتاج إلى إذن حاكم أو زوج أو والد متى تحقق الظن بالنكاية بالعدو، ويبدأ هذا الواجب جغرافيًا بالأقرب فالأقرب، وأنه إن لم تقم الأمة بذلك فهم آثمون، وهذا في حق الصائل فكيف بمن قتل ودمر واغتصب منذ عشرات من السنين.

حري بهؤلاء أن يبينوا للناس عدم الاكتفاء بالدعاء، فالمنهج النبوي علمنا أن الدعاء هو للعاجز فقط، وأما غيره فإنه يكون بعد الاستعداد البدني والمالي، فالنبي لم يدعُ ربه في غزوة إلا بعد لبس آلة الحرب وصف الصفوف وأصبح مواجها للأعداء.

ويدخل في صهينة اللحى من بيدهم وزارات الأوقاف ويوجهون الخطباء بالابتعاد عن مواضيع تتعلق بفلسطين وقضية التطبيع.. كما قد يدخل فيهم كل عالم يستطيع الحديث عن غزة ولم يتحدث، حتى لو كان خائفا من الجماعة المتصهينة فعليه أن يتحدث ولو بالإشارة.

إنها سنة الله في نطق هؤلاء بما تخفيه صدورهم، أو بيعهم الفتاوى إرضاء لهوى أو سلطان، وكما قال ربنا سبحانه "ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب" [آل عمران: 179].

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.