شعار قسم مدونات

إنّها طريق ذات الشّوكة!

الشهيد ابراهيم الغول خلال تدريبات للكوماندوز البحري المصدر : الإعلام العسكري لكتائب عز الدين القسام
الشهيد ابراهيم الغول خلال تدريبات للكوماندوز البحري (الإعلام العسكري لكتائب عز الدين القسام)

بلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم أن قافلةً لقريش يقودها أبو سفيان في طريقها من الشّام إلى مكّة؛ فيها ألف بعيرٍ موقّرةٌ بالحرير والبضائع الثّمينة، وليس معها أكثر من أربعين حارسًا يصحبونها في رحلتها.

من الطبيعيّ أن يرى فيها المسلمون فرصةً لاسترداد بعض الحقّ الذي اغتصبته قريش منهم وهي التي اغتصبت دورهم وأموالهم وتجاراتهم عقب هجرتهم من مكّة المكرمة إلى المدينة.

أفلتت العير التي أرادها المسلمون، ولم يكن أمامهم إلّا المواجهة أو الانسحاب فعقد النبي صلى الله عليه مجلسًا استشاريًّا استمع فيه لمختلف مكونات الخارجين معه من المهاجرين والأنصار وعلى ضوء تلكم المشاورات أُعلن النفير وبدأ تجهيز الخارجين لملاقاة العير

ولم يكن في نيّة النبيّ صلى الله عليه وسلّم القتال على الإطلاق ولهذا طلب من الموجودين في المدينة أن يتجهّزوا على عجلٍ للخروج لملاقاة القافلة، وكان طلبه متركزًا على الموجودين في المدينة آنذاك دون الحاجة لانتظار أحد من الغائبين خارجها وكان الكثير من الصحابة لهم أعمالهم في الزراعة وغيرها في محيط المدينة ومع ذلك لم تتم دعوتهم ولا انتظارهم، وهذا ما يفسّر أنّ الذين خرجوا مع النبيّ صلى الله عليه وسلّم لم يكونوا أكثر من ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلًا وفي أعلى الروايات ثلاثمئة وسبعة عشر رجلًا.

يشاء الله تعالى أن تفلت القافلة بحنكة أبي سفيان الذي كان قد أرسل النذير لقريش في مكة فجهزوا جيشًا قوامه تسعمئة وخمسين مقاتلًا تجهزوا بعدّة القتال و"خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ".

أفلتت العير التي أرادها المسلمون، ولم يكن أمامهم إلّا المواجهة أو الانسحاب فعقد النبي صلى الله عليه مجلسًا استشاريًّا استمع فيه لمختلف مكونات الخارجين معه من المهاجرين والأنصار وعلى ضوء تلكم المشاورات أُعلن النفير وبدأ تجهيز الخارجين لملاقاة العير ليكونوا أوّل جيشٍ يواجه جيش المشركين في أولى المعارك الدّامية بين الحقّ والباطل.

شاء الله تعالى أن يرسّخ الطريق الحقيقيّ لإحقاق الحقّ وإبطال الباطل فاختار لهم طريق ذات الشّوكة؛ أي طريق ذات الألم وذات التضحية وذات السّلاح وذات الدماء وذات بذل المهج والأرواح.

هذا المشهد ليسَ صورةً عابرةً تطويها صفحات الأيّام، بل تحوّل إلى قانون يرسّخه القرآن الكريم في معركة التدافع بين الحقّ والباطل المستمرّة إلى قيام السّاعة، ولهذا بقي مشهد إرادة المسلمين للعير وإرادة الله تعالى لهم النفير آياتٍ تتلى إلى قيام السّاعة لترسم منهج تحصيل الحقوق ومجابهة الباطل؛ فيقول ربنا تبارك وتعالى في سورة الأنفال: "وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ".

في الآيات يبيّن الله تعالى أن الرّغبة الدّاخليّة عند المسلمين كانت أن يحصلوا على القافلة وما فيها من أموال دون أيّ قتال، ففي ذلك تحصيل لبعض حقهم بغير ذات شوكة أي بغير ألمٍ وتضحية ومعاناة وشدّة.

لكنّ شاء الله تعالى أن يرسّخ الطريق الحقيقيّ لإحقاق الحقّ وإبطال الباطل فاختار لهم طريق ذات الشّوكة؛ أي طريق ذات الألم وذات التضحية وذات السّلاح وذات الدماء وذات بذل المهج والأرواح.

قصة انتصار حفنة من القلوب من بينها الكارهون للقتال! ولكنّها ببقيّتها الثابتة المستعلية على الواقع المادي، وبيقينها في حقيقة القوى وصحة موازينها؛ قد انتصرت على نفسها، وانتصرت على من فيها

مخطئون أولئك الذين يظنّون أنّ طريق إحقاق الحقّ وإبطال الباطل معبدة بالحرير وعلى جانبيها الزّهور، بل إن الله تعالى سمّاها ذات الشّوكة؛ فهي طريق مليئة بالأشواك والمصاعب والمتاعب والآلام والتضحيات، إنّها طريق معبّدة بالدّماء ومفروشة بالأرواح، وهذا أهمّ درسٍ ينبغي أن يستحضره أهل الحقّ وهم يحيون ذكرى بدر، وينبغي أن يضعوه نصب أعينهم كلّما شعروا بالتّعب وآثروا الرّاحة إن رأوا استعلاء الباطل وتردّي أوضاع أهل الحقّ.

وما أجمل ما قاله سيد قطب في بعض تعليقه على المشهد والآيات: "فأين ما أرادته العصبة المسلمة لنفسها مما أراده الله لها؟ لقد كانت تمضي لو كانت لهم غير ذات الشّوكة قصّة غنيمة؛ قصة قومٍ أغاروا على قافلة فغنموها! فأمّا بدر فقد مضت في التّاريخ كله قصة عقيدة؛ قصّة نصر حاسم وفرقان بين الحق والباطل؛ قصّة انتصار الحق على أعدائه المدجّجين بالسّلاح المزوّدين بكلّ زاد والحق في قلّة من العدد، وضعف في الزّاد والرّاحلة؛ قصة انتصار القلوب حين تتصل بالله، وحين تتخلص من ضعفها الذاتي؛ بل قصة انتصار حفنة من القلوب من بينها الكارهون للقتال! ولكنّها ببقيّتها الثابتة المستعلية على الواقع المادي، وبيقينها في حقيقة القوى وصحة موازينها؛ قد انتصرت على نفسها، وانتصرت على من فيها، وخاضت المعركة والكفة راجحة رجحانًا ظاهرًا في جانب الباطل فقلبت بيقينها ميزان الظاهر فإذا الحقّ راجحٌ غالب".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.