شعار قسم مدونات

دبلوماسية الرعب

صمود المقاومة وحاضنتها الشعبية والغضب الشعبي العربي والإسلامي المتنامي والغربي اللاحق به (وكالة الأناضول)

ربما يكون الفراعنة بحضاراتهم هم أقدم شعوب العالم عرفت الدبلوماسية، فبحسب المؤرخين فإن أقدم السجلات الدبلوماسية التي عرفها البشر هي تلك التي عثر عليها في تل العمارنة المكتوبة بين الأسرة المصرية الثامنة عشرة وحكام أمورو في كنعان خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد.

وكما كشف المؤرخون عن معاهدات السلام بين دولتي المدن في بلاد الرافدين من لجش وأوما نحو عام 2100 قبل الميلاد، في واحدة من مهام الدبلوماسية التي سجلها التاريخ، وبعد معركة قادش عام 1274 قبل الميلاد خلال فترة الأسرة التاسعة عشرة، أنشأ فرعون مصر وحاكم الإمبراطورية الحيثية واحدة من أولى معاهدات السلام الدولية المعروفة، التي نجت في أجزاء من الألواح الحجرية، تسمى الآن بشكل عام معاهدة السلام المصرية الحيثية، وهي بطبيعة الحال نتاج جهد دبلوماسي أفضى إلى إنهاء حرب أودت بأروح الآلاف وتركت آثارها على اقتصاد البلدين.، لكن الشاهد من كل هذه السردية أن الدبلوماسية دورها إنهاء حرب أو منع وقوعها، والشاهد الآخر أنها نشأت ومُرست في منطقتنا العربية.

استغاثة نتنياهو رئيس وزراء الاحتلال والذي لا يحظى بقبول من الرئيس الأمريكي جو بايدن لاقت قبولاً سريعاً لدى الأخير للتغطية على فشل استخباراته في الشرق الأوسط.

لا شك أن عملية طوفان الأقصى لم تربك الاحتلال فقط بل أربكت حلفاءه واستخبارات العالم أجمع، لما تضمنته من عمليات مشتركة بين قطاعات المقاومة ظللتها عملية استخباراتية عالية الدقة بداية من التعمية على تدريب القوات المشاركة في العملية وصولاً لتحديد الأهداف وتحييد الاستخبارات "الإسرائيلية" وكذا الأمريكية التي تتمركز إدارة قاعدة الأسطول السادس الأمريكي، في حيفا وتسمع دبة النملة في المنطقة، لذا فإن الضربة تعدت مخابرات الاحتلال إلى المخابرات الأمريكية نفسها، ومن هنا فإن استغاثة نتنياهو رئيس وزراء الاحتلال والذي لا يحظى بقبول من الرئيس الأمريكي جو بايدن لاقت قبولاً سريعاً لدى الأخير للتغطية على فشل استخباراته في الشرق الأوسط.

إرسال وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، في جولة للمنطقة، بدأها بزيارة تل أبيب ولقاء رئيس وزرائها وتعزية عدد من أهالي من قتلوا في عملية طوفان الأقصى، سبقه إرسال حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس غيرالد آر فورد" لتتبعها حاملة طائرات "يو اس اس أيزنهاور" في رسالة واضحة مهدت زيارة بلينكن الذي تبع زيارة تل أبيب بزيارة عدد من الدول العربية، لكن تحركات بلينكن الدبلوماسية، ظاهرها الرحمة وباطنها من قبلها حاملات الطائرات الأمريكية وآلاف الجنود، لإرسال رسالة يثبت بها المؤيدون لإفناء حماس وتهديد المعارضين لمشروع الغرب في تصفية المقاومة، من خلال إطلاق يد نتنياهو وجيشه، في عملية وحشية بدأها طيران الاحتلال على المدنيين في غزة لإفقاد المقاومة حاضنتها الشعبية.

زيارات بلينكن المتعددة خلال الأسبوعين الماضيين، التي دفعت محمود عباس، إلى مطالبته بشراء بيت في عمان والإقامة فيه، في إشارة إلى طول أمد الأزمة، فيما يبدو، لحقتها زيارة تأييد واضحة من رئيسه في البيت الأبيض جو بايدن إلى تل أبيب ليؤكد منها ليس فقط دعمه العسكري الانتقامي للاحتلال ولكن، ليضع مقاربة سياسية ودبلوماسية للتغطية على العملية العسكرية الانتقامية التي يقوم بها جيش الاحتلال ضد المدنيين، في مخالفة صريحة لكل المواثيق الدولية التي وضعتها الإمبريالية العالمية بعد الحرب العالمية الثانية نفسها، وهو ما دفع بايدن إلى استخدام ادعاءات كاذبة لتبرير جرائم الاحتلال كالادعاء بقطع المقاومة رؤوس الأطفال، التي اضطر البيت الأبيض للاعتذار عنها لاحقاً، كما الادعاء بأن إيران هي من خططت ومولت عملية طوفان الأقصى، وهو ما نفته إيران وينفيه الواقع على الأرض، حتى إن غرفة العمليات المشتركة والحليف المقرب في سرايا القدس لم يعلموا بالعملية ولا توقيت تنفيذها وتفاجؤوا كما تفاجأ العالم، لكنها ادعاءات يراد منها صناعة الذرائع لإرضاء غرور الصهيونية العالمية قبل انتخابات الرئاسة الأمريكية، وسحق المقاومة وما يردع التنفيذ حتى الآن، هو صمود المقاومة وحاضنتها الشعبية والغضب الشعبي العربي والإسلامي المتنامي والغربي اللاحق به، الذي لا يهتم ولا يصدق بدبلوماسية الرعب التي أسستها الإدارة الأمريكية.

إن المقاومة ليست البندقية أو الصاروخ ليقضوا على المقاومة بمنعه، فرفض الملايين في العالم لهذه المجازر وهذه العنجهية وغطرسة الاحتلال والانبطاح والالتفاف على قوانين العدالة الإنسانية خدمة لحفنة من الطامعين المتوحشين هو رصيد المقاومة

وعلى نهج رئيسها قدمت البعثة الدائمة للولايات المتحدة مشروع قرار لمجلس الأمن، سربت الصحافة فحواه، يؤكد منهجية دبلوماسية الرعب ويؤكد حق الاحتلال في الدفاع عن نفسه، مؤكداً على أن ما تقوم به المقاومة ما هو إلا إرهاب يهدد السلام والأمن، متناسين حق الشعوب المقر في ميثاق الأمم المتحدة في مقاومة المحتل، كما يدعو مشروع القرار إلى حماية المدنيين الذين يحاولون "النجاة بأنفسهم" في رسالة تهديدية واضحة للمدنيين، وفي نفس الوقت لم يشر مشروع القرار إلى دخول المساعدات إلى هؤلاء المفزوعين، أو الذين انحازوا لقرار الصمود، ليكون عقاباً آخر يضاف إلى العقاب العسكري الذي تصبه طائرات الــ "أف 16" التي باعتها للاحتلال لتقصف به المستشفيات التي هرب إليها الأبرياء من بطش آلة الاحتلال العسكرية، مروع القرار هذا سبقه موقف دبلوماسي آخر لراعية الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم، باستخدام حق النقض "فيتو" مشروع قرار صاغته البرازيل يدعو إلى هدنة إنسانية والسماح بدخول المساعدات إلى غزة.

وكتلميذ في مدرسة دبلوماسية الرعب أظهرت القنوات الفضائية رئيس وزراء بريطانيا التي كانت عظيمة وهو يخرج من طائرة شحن عسكرية محملة بالعدة والعتاد كمساعدة للاحتلال، نزلت في مطار بن جوريون، في رسالة رعب تضاف إلى كل رسائل التهديد، وجرائم الإبادة التي أرسلها الغرب لغزة وأهلها ومن يقف خلفهم.

ولأن ياسر عرفات كان دوما يصرخ في وجه أعداء الامة بأن أهلنا في فلسطين هم سلالة شعب الجبارين، فإن تلك الدبلوماسية التي أسسها بلينكن ورئيسه، لن ترهب لا الجبارين ولا من يقفون خلفهم ممن حملوا الإنسانية في قلوبهم ولا يرضون للظلم سبيلاً في هذا العالم، لذا إن المقاومة ليست البندقية أو الصاروخ ليقضوا على المقاومة بمنعه، فرفض الملايين في العالم لهذه المجازر وهذه العنجهية وغطرسة الاحتلال والانبطاح والالتفاف على قوانين العدالة الإنسانية خدمة لحفنة من الطامعين المتوحشين هو رصيد المقاومة، ولن يوقف الرعب كل حر في مساندة الحق، بالكلمة أو بالفكرة أو بنصيحة، فمهندسو الري عليهم أن يفكروا لإيجاد وسيلة لري مزروعات الأرض المقاومة، ومهندسو المياه والعلوميين عليهم إيجاد حلول لهذا الشعب الأبي لتحلية المياه، وأما مهندسو البرمجيات فليساهموا في المعركة بما يستطيعون لإرباك العدو، والحقوقيون عليهم التحرك وملاحقة قيادات الاحتلال بجرائمهم، وكل ذي علم وخبرة عليه المشاركة في معركة الأمة ضد الغطرسة الغربية ودبلوماسية الرعب.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.