شعار قسم مدونات

عبر البوسنة.. تاريخ في البلقان يلد حاضرا في فلسطين (3)

آدس كولار داخل نفق الحياة الذي حفر في بيته وأنقذ سراييفو من الموت في حرب البوسنة (الجزيرة)

الطريق إلى زينيتسا.. في صحبة مقاتلي العرب في البلقان.

بعد ساعات لم أدر عددها استيقظت لأجد النهار قد انتصف، حيث رأيت شابا في أواخر الثلاثينيات من عمره متربعا على الأرض أمامي. الشاب لم تخف لحيته الطويلة ملامح وجه وسيم، وقد قدم لي نفسه باسم عبد القادر، وبأنه قائد هذه المجموعة من المجاهدين، وأنه جزائري الجنسية، وقال لي: إن مرافقي البوسنوى قد رحل.

أعدت على عبد القادر نفس الخلفية التي رويتها لزملائه لحظة وصولي، مؤكدا له أنني لدي العديد من النقاط التي أحتاج إلى تغطيتها واستيفائها، إلا إنه إذا ما ارتأى أن بعضا من هذه النقاط يمكن أن تؤثر بالسلب على أمنهم وعلى سير العمليات، فعليه أن يوجهني، وألا يثير ذلك أية شكوك لديهم.

في حين كان تسليح المجاهدين خفيفا، بالإضافة إلى الأسلحة البيضاء، فإن التسليح على الجانب الصربي كان خفيفا ومتوسطا، بالإضافة إلى الأسلحة البيضاء أيضا.

أكتفى عبد القادر بقوله: " سنرى، ماذا تحتاج إليه، وماذا يمكننا أن نزودك به، ولا تخش الشكوك طالما أنت في هذه المجموعة من المجاهدين، حيث إن التوصية الصادرة عن قيادة الجيش بشأنك جيدة جدا". وحمدت للجنرال خليلوفيتش قائد عام الجيش تلك التوصية.

الموقع الذي كنا فيه، كان عبارة عن أربعة مباني، كل منها نصفه الأسفل مبنى بالحجارة، في حين بني النصف الأعلى بقطع من جذوع شجر السنديان العملاق المشهورة به تلك البقعة من البلقان. وبالاستفسار، علمت أن الموقع كان يعود للجيش الصربي، وأن جانبا من المهمة الموكلة لهذه الجماعة – وعدد أفرادها 22 – كانت الاستيلاء على هذا الموقع، بالإضافة إلى مخزن للأسلحة تحت الأرض يقع خلف هذه المباني الأربعة، وقد كان أن نفذت هذه المجموعة من المجاهدين الجزء الأول من مهمتها دون أن تمنى بأية خسائر بشرية، كما نجح هؤلاء الشباب في الاستيلاء على مخزن الأسلحة في حالة سليمة.

أخذت المعلومات تنساب من القائد عبد القادر شارحا الكيفية التي تم بها الاستيلاء على الموقع، مدعما كلامه بالأرقام التي أوضحت عدم التكافؤ بين قوة وتسليح الجانبين. ففي حين كان تسليح المجاهدين خفيفا، بالإضافة إلى الأسلحة البيضاء، فإن التسليح على الجانب الصربي كان خفيفا ومتوسطا، بالإضافة إلى الأسلحة البيضاء أيضا.

في الوقت ذاته، فإن حجم النيران المتوافرة لمجموعة المجاهدين تتوارى خجلا أمام حجم نيران الضخم للجانب الصربي. فإذا ما وضعنا في الحسبان قواعد علوم العسكرية التي تؤكد أن المهاجم غالبا يمنى بالجانب الأعظم من الخسائر البشرية، بالمقارنة مع القوة المدافعة التي تترّس داخل حصونها، فإن نتيجة المعركة تصبح مذهلة.

فالهجوم أسفر عن مقتل أكثر ستين من القوات الصربية، وهروب ما يقرب من الثلاثين، وسقوط عشرة أخرين في الأسر، في حين أن القوة المهاجمة لم تمن بأية خسائر! عبد القادر أبلغني أنهم بصدد إتمام الجزء الثاني والأخير من مهمتهم في غضون يوم ونصف اليوم، وذلك بمهاجمة موقع صربي آخر يبعد 30 كلم من المنطقة التي كنا بها، وأني سأرافقهم في تلك العملية، على أن أكون في المؤخرة.

وأعادني المجاهد عبد القادر إلى أبجديات النصر والشهادة.

بعد ساعات من النقاش، أخذني أحد المجاهدين العرب في جولة داخل المباني الأربعة التي تكون الموقع الصربي الذي سقط. عندما سألت عن القائد عبد القادر، قيل لي: إنه خرج في مهمة استطلاع في المنطقة المتاخمة للموقع الأخر الذي سيكون هدفا للهجوم خلال يومين.

عقب عودة القائد استغرق في نقاش هادئ مع مساعديه، وذلك قبل أن يدعوني لاحتساء القهوة معه واثنين من أركان قوته. طرحت على الرجل ما بدا لي من تناقضات تتمثل في الفارق الهائل في التسليح كما ونوعا بين الجانبين، وما يتلوها من مفارقات تتمثل في انتصارات مذهلة تتحقق للجانب الأضعف تسليحا.

ابتسم الشاب عبد القادر، وهو يقول لي بتواضع:" لي ملحوظة على لغة الخطاب التي تستخدمها، والتي تشير إلى التغافل عن بعض البديهيات. نحن لا نأتي بالنصر، وإنما نحن ننتصر لله، فيأتينا الله تعالى بالنصر من عنده".

وتابع عبد القادر فقال:" أن تنتصر لله، هو أن تنحاز للحق، وأن تتبع ذلك بأن تدعم هذا الانحياز بالقوة على قدر استطاعتك، وفى تلك اللحظة، لا تشغل نفسك بالنتيجة التي تشغل الكثيرين، ألا وهي النصر والهزيمة، حيث إنك بمجرد أن تنحاز للحق وتدعمه بما تستطيع من قوة، فقد تحققت النتيجة الأهم، ألا وهي أن تنصر الله، فإن نصرك، فالحمد لله كثيرا، وإن لقيته سبحانه وتعالى، فقد مَنَ الله عليك بما هو أحلى من النصر العسكري، فلا يوجد أحلى ولا أعظم من أن ينصرك الله بمنحك الشهادة".

جعلت أتامل ذلك الخليط من الشباب العربي الذي يبدو أنه يئس من أن تحقق لهم حكوماتهم أملهم فى وحدة عربية يستحقونها، فقرروا أن يتجاوزوا هذه الحكومات بخطوة أبعد نحو وحدة أرحب ذات صفة إسلامية.

سادت فترة صمت بعد أن أنهى القائد الشاب ملحوظته الطويلة، والتي أعادني لبديهيات عقدية، يبدو أنها تتوارى في بعض الأحيان وراء إلحاح أفكار ومواقف دنيوية آنية. وكأن الشاب قد قرأ ما يعصف برأسي، فقال: "هون عليك، فحتى البعض منا تتوه منه تلك البديهيات في لحظات تغلبنا فيها الدنيا، التي أرغب في أن أعود بك لها الآن. فردا على علامات الاستفهام التي تدور في ذهنك حول التباين الضخم في التسليح كما وكيفا، وعدد المقاتلين، فإذا استثنينا حقيقة أن النصر ليس من صنع البشر، وإنما يجريه الله سبحانه وتعالى على أيدي من ينتصرون له ويستعدون قدر استطاعتهم، فإن النتائج التي تدهشك لها ما يبررها من أسباب منطقية، والتي قد لا تبدو منطقية للغالبية بسبب ما جبلوا عليه من نظريات القتال التقليدية، في حين أنهم ينسون أن تلك الحرب وكل ما يحيط بها هو غير تقليدي بالمرة".

وأضاف: "في غضون يومين، ستشهد معنا الجزء الثاني من المهمة التي خرجنا من أجلها، وخلال ذلك سوف تشهد أشياء أنا موقن بأنك سترى البعض منها غير منطقي، في حين سيبدو البعض الآخر غير تقليدي، تلك الأشياء هي بعينها التي تعطينا بالمفهوم العسكري أسبقية، ويد عليا على العدو".

طلبت من الرجل مزيدا من التوضيح، إلا أنه نصحني بالصبر، قائلا: " أليس الصبح بقريب".

جلست مع سبعة من المقاتلين نتسامر في الربع الثاني من الليل، في حين توزع الـ 15 الأخرين ما بين البعض ممن يقومون على الحراسة المباشرة على المعسكر، فى حين أخذ البعض الاخر على عاتقه مهمة المراقبة والحراسة على بعد كيلو متر من المعسكر.

للتاريخ: من دون العرب لم تكن البوسنة على خارطة أوروبا.

وبالرغم من إنني حتى هذه اللحظة لم تسنح لي الفرصة أن أسال على الجنسيات المتعددة التي ينتمي إليها هذا النفر من المجاهدين، إلا إنني استطعت أن أميز من اللهجات سعوديين، وسوريين، وسودانيين، وجزائريين. جعلت أتامل ذلك الخليط من الشباب العربي الذي يبدو أنه يئس من أن تحقق لهم حكوماتهم أملهم في وحدة عربية يستحقونها، فقرروا أن يتجاوزوا هذه الحكومات بخطوة أبعد نحو وحدة أرحب ذات صفة إسلامية.

قادني التأمل إلى شعور بالألم، فكيف تفرط تلك الحكومات العربية في تلك الطاقات المتفجرة لمثل هؤلاء الشباب الذين أثبتوا في ساحات وغى غريبة عنهم، وبإمكانات دنيوية متواضعة، أنهم طاقة جبارة يمكن أن تستثمر بأشكال شتى للنهوض بهذه الأمة؟

يبدو أن تلك الأفكار رحلت بنفسي بعيدا عن السامر، فردني عبد القادر بدعوته لأحد المجاهدين بأن يسرى عنا بالغناء. ولعل علامات الدهشة التي تبدت على وجهي هي التي دفعت عبد القادر للضحك، وذلك قبل أن يتبعه آخرون. سألني الرجل: " لماذا روعت هكذا؟ أغريب إلى هذا الحد أن نغنى؟ وهل سر روعتك أنك لم تتوقع منا نحن الملتزمين الغناء؟ أم أنك لم تتوقع منا الغناء في هذا الظرف؟ أم أنك لم تتوقع من أناس يقتلون ويقتلون التسرية عن النفس؟".

جاءت إجابتي على الرجل بأنه جمع كل الأسباب التي دارت بذهني. اكتفى عبد القادر بأن واصل الضحك قائلا: "لن أفند لك كل تلك الأسباب، وسأكتفى بأن أقول لك: إنها ليس لها مكان في الواقع ". وبدأ أحدهم الغناء بصوت شجي، حيث استفتح بالحنين إلى الأهل والوطن، وأختتم بالغربة في هذه الدنيا والحنين إلى الآخرة، وهو ما قادنا إلى اليوم التالي بما حفل من مفاجأة..

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.