شعار قسم مدونات

رجال الدين والسياسة!

BLOGS رجال الدين
يوجد الكثير من الصور الواقعية لمشايخ ورجال دين كان لهم تأثير سياسي كبير في بلادنا (رويترز)

مع ظهور مصطلح "الإسلام السياسي" في أواخر القرن الماضي، لتوصيف جماعات وحركات تغيير تؤمن بالإسلام باعتباره "نظاما سياسيا للحكم"، وأن الإسلام "نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات دولة"، احتدم النقاش ومازال حول مشاركة رجال الدين في السياسة وتأثيرهم على الرأي العام، وهل يصح أن يكون لرجل الدين رأي سياسي مطعم بأدلة دينية فضلا عن أن يكون له ممارسة سياسية؟

الإشكال الحقيقي ينبع من أن الذي يمارس السياسة يجب أن يكون براغماتيا متلونا لا يقف عند أي قيود، مؤشره الوحيد المصلحة، (المصلحة الخاصة طبعا)، حتى لو كانت على حساب كل القيم والتعاليم الدينية

فهناك من يرى أن رجال الدين يجب إبعادهم عن السياسة، ودفعهم لاتخاذ موقف الحياد، لأن دور رجل الدين أن يجمع الناس، وأن يدعو إلى الاتفاق وتجاوز مرحلة العداء في المجتمع، وعليه أن يركز على تعميم الثقافة الدينية التي تسمح للناس بالانخراط في مجتمعاتها، والعمل من أجل السلام والخير العام. بينما يرى آخرون أن الممارسة السياسية حق للجميع ومن بينهم رجال الدين، لأن الدين نفسه ليس محايدا أمام الظلم والفساد، وأن من مسؤولية رجال الدين توعية الناس وتحفيزهم على رفض الظلم ومحاربة الفساد مهما كلف ذلك من تضحيات، وأن مصطلح الإسلام السياسي نفسه هو نتاج مغالطة علمانية، ترى أن الدين يجب أن يحصر في المساجد، وأن يتحول إلى مجرد عبارات وعظية جوفاء، أو دعوات سلام منفصلة عن الواقع.

الإشكال الحقيقي برأيي ينبع من النظر إلى السياسة على أنها ممارسة دنيوية مصلحية بعيدة عن الضوابط الدينية والأخلاقية، وأن الذي يمارس السياسة يجب أن يكون براغماتيا متلونا لا يقف عند أي قيود، مؤشره الوحيد المصلحة، (المصلحة الخاصة طبعا)، حتى لو كانت على حساب كل القيم والتعاليم الدينية، وأن السياسة تستفيد من الدين عبر تسخيره لخدمة هذه المصالح، ودفع رجال الدين لتأييد مواقف هذا السياسي سواء بالترغيب أو الترهيب. وهذا أمر خطير نجد نتائجه اليوم في العالم المليء بالظلم والفساد والانتهاكات.

قبل أيام مرت الذكرى 88 لوفاة الشيخ عز الدين القسام، ملهم المقاومة الفلسطينية، والذي كان أحد أبرز المقاومين للاحتلال البريطاني والصهيوني لفلسطين. ويذكر التاريخ أنه كان عالم دين أزهريا، وكان مجاهدا ضد الاحتلال الفرنسي والبريطاني

مشايخ سياسيون

يقدم لنا التاريخ البعيد والقريب صورا واقعية لمشايخ ورجال دين كان لهم تأثير سياسي كبير في بلادنا، إذ دخلوا معترك السياسة من أوسع أبوابه وبكل الأدوات المتاحة عندهم، ومن أمثلة ذلك في القرن الماضي الشيخ محمد رشيد رضا صاحب تفسير المنار، فقد ترأس المؤتمر السوري الأول في عام 1919، الذي انبثق عنه أول دستور لسورية عام 1920، وكان يمثل جميع مناطق سورية الكبرى، (بلاد الشام) من أجل التعبير عن رغبات جميع السوريين بصورة جماعية أمام لجنة كينغ ـ كراين، التي أرسلها مؤتمر الصلح للاطلاع على وجهة نظر السكان حول طبيعة الحكم فيها لتقرير مصير المنطقة بعد استقلالها عن الدولة العثمانية.

ومثل هذا المؤتمر سلطة عليا قيدت سلطة الحكومة وحتى سلطة الملك نفسه، اعتمادا على استقراءات دينية، وقد ذكر رشيد رضا حادثة معبرة تدل على ذلك، فقال: "بعد أن تألفت الحكومة وانتظمت جلسات المؤتمر اقترح بعض أعضائه وضع قرار بطلب تقديم الوزارة بيان خطتها للمؤتمر طلبا لاعتماده إياها من حيث هي حكومة نيابية بمقتضى قراره، فقبل الاقتراح، وتقرر بأغلبية كادت تكون اتفاقا.

ولما بلغ رئيس الوزراء قرار المؤتمر عرضه على الملك، فأنكره، وأبى أن تجيب الوزارة الطلب، حتى أقنعته بذلك بعد مناظرة حادة،… ذلك أنني زرته صباحا كالعادة، فذكر لي قرار المؤتمر، وقال: إنه ليس له هذا الحق؛ لأنه ليس مجلسا نيابيا، وأنني أمرت الوزارة بعدم إجابة طلبه، …قلت: بل له هذا الحق؛ لأنه أعظم سلطة من المجلس النيابي، إنه جمعية وطنية تأسيسية، قال: إنني أنا الذي أوجدته؛ فلا أعطيه هذا الحق الذي يعرقل عمل الحكومة! قلت: بل هو الذي أوجدك؛ فقد كنت قائدا من قواد الحلفاء تحت قيادة الجنرال اللنبي؛ فجعلك ملكا لسورية، نعم، إن لك فضلا بالسماح بجمعه؛ إذ كنت تحكم هذه البلاد حكومة عسكرية باسم الحلفاء، أما وقد اجتمع باسم الأمة وهي صاحبة السلطان الأعلى بمقتضى أصول الشرع الإسلامي الذي تدين لله به، وبمقتضى جميع أصول القوانين العصرية الراقية، وقد اشترط في تأسيسه لهذه الحكومة التي اختارك ملكا لها أن تكون مسئولة تجاهه في كل ما يتعلق بأساس الاستقلال، وبرنامج الوزارة السياسي يتعلق بأساس الاستقلال مباشرة، وبرنامجها الإداري يتعلق بحفظ الاستقلال بالتبع أيضا فأرجو أن لا تحدث لنا أزمة في أول طريقنا"(المنار، المجلد 23، ج5، رمضان 1340هـ/ مايو 1922، 392).

وقبل أيام مرت الذكرى 88 لوفاة الشيخ عز الدين القسام، ملهم المقاومة الفلسطينية، والذي كان أحد أبرز المقاومين للاحتلال البريطاني والصهيوني لفلسطين. والذي يذكر التاريخ أنه كان عالم دين أزهريا وداعية بين الناس، وكان في الوقت نفسه مجاهدا ضد الاحتلال الفرنسي والبريطاني، وكان مثله زميله الشيخ محمد كامل القصاب، الذي اضطر للهرب من سورية بسبب ملاحقة الفرنسيين له وإصدار حكم الإعدام بحقه، فاختار السفر إلى فلسطين، وهناك عمل مع عز الدين القسام، الذي رافقه إلى قرى حيفا وجنين وشفا عمرو وغيرها من قرى فلسطين الأخرى، واستخدما مساجدها للدعوة إلى مقاومة بيوع الأراضي ومحاربة السمسرة والسماسرة، وذلك عن طريق إلقاء الدروس في مساجد هذه القرى والمراكز، توعية للناس وتحذيرا لهم من خطر الوقوع في حبائل الاستعمار، ولم يكتفيا بذلك بل شاركا في القتال، وقام الشيخ القسام بتشكيل العصبة القسامية الجهادية التي بدأت في تنفيذ عمليات فدائية مثل الهجمات على المستوطنات الصهيونية وإعداد كمائن للمستوطنين. كما أن القسام انتسب لحزب الاستقلال ومارس السياسة، وكذلك فعل القصاب الذي ترشح في الانتخابات ومارس العمل السياسي والدعوي أيضا.

تصريحات تحاول تثبيت موقف النظام الحاكم، وتثبيط الهمم وصرف الناس عن محاربة الظلم والفساد، والتخاذل عن نصرة قضايا الأمة العادلة، فكثير من الأنظمة العربية والإسلامية اعتمدت على مؤسسات دينية وأفراد تم اختيارهم للقيام بمهمة إصدار الفتاوى والتصريحات التي تخدم موقف تلك الأنظمة

طوفان الأقصى ورجال الدين

منذ بدء عملية طوفان الأقصى شاهدنا مجموعة كبيرة من التصريحات والفتاوى والبيانات الداعمة للعملية، والداعية لنصرة فلسطين وأهلها والمقاومة الفلسطينية، وبالمقابل كان هناك تصريحات لبعض المشايخ ورجال الدين يهاجمون فيها العملية، امتثالا لأوامر السلطة عندهم، ويحملون حماس مسؤولية الدمار والقتل الذي يتعرض له الفلسطينيون في غزة على يد الكيان الصهيوني، بحجة أنها استفزتهم وقتلت "مدنيين" منهم.

كما أن بعض هؤلاء حرم مجرد التظاهر دعما لغزة بحجة أن هذه التظاهرات "تشهد ما لا يرضي الله". وكذلك سمعنا من دعا إلى طاعة ولي الأمر والتزام موقفه مما يجري في غزة حتى لو قتل الفلسطينيون كلهم. وانتقد بعضهم المقاطعة الاقتصادية للشركات الداعمة للكيان الصهيوني، وبرر مواقف الحكام العرب والمسلمين المتخاذل أمام ما يجري بحق الشعب الفلسطيني من قتل وإبادة.

هذه التصريحات والمواقف والفتاوى وأمثالها ليست غريبة على مسامعنا، فقد شهدنا مثلها كثير خلال سنوات وسنوات في بلادنا العربية والإسلامية، ومعظمها تصريحات تحاول تثبيت موقف النظام الحاكم، وتثبيط الهمم وصرف الناس عن محاربة الظلم والفساد، والتخاذل عن نصرة قضايا الأمة العادلة، فكثير من الأنظمة العربية والإسلامية اعتمدت على مؤسسات دينية وأفراد تم اختيارهم للقيام بمهمة إصدار الفتاوى والتصريحات التي تخدم موقف تلك الأنظمة، مما أثر على مكانة الدين ورجال الدين في قلوب وعقول الناس، خاصة الشباب منهم، وأفقدهم القدوة العاملة. لذلك فإن المؤمنين بأن السياسة والدين لا ينفصلان عليهم أن يعملوا بجهد لتقديم الصورة الصحيحة، وإعادة الألق لدور رجال الدين في إمامة العمل من أجل محاربة الظلم والفساد في العالم بكل الوسائل المتاحة.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لقناة الجزيرة.