شعار قسم مدونات

هل يستحقّ الإفراجُ عن بعض الأسيرات والأشبال كلّ هذه الدّماء؟!

احتفالات باستقبال الأسرى المحررين في الضفة الغربية (الفرنسية)

من أغرب ما سمعتُ وما قرأت في هذه الأيام هو سؤال البعض مستنكرا أو مستهجنا أو طاعنا هل يستحق الإفراج عن بعض الأسيرات والأشبال كل هذه الدماء؟!

فهذا والله غريب جدا وأغرب ما فيه أن يصدر عمن ينتسب إلى العلم وأهله، ولكن مع الأسف البالغ فإن هناك من ينتسبون لأهل العلم وقد ملأت عليهم الدنيا قلوبهم وعاشوا فيها ولها ولم يستحضروا الشرع الذي ينبغي أن يكونوا  قد تعلموه ثم علموه الناس، فلم يعلموا أن استنقاذ مسلم واحد يستحق أن تخرج لأجله الجيوش كما صرح بذلك العلماء، فالإمام النووي رحمه الله يجعل أسر مسلم أو مسلمين كدخول دار الإسلام موجبا للدفع في كل منهما، وابنُ العربي يبينُ بأن لهم حق في النصرة وأنها واجبة لهم بالبدن فلا يبقى منا عين تطرف حتى نخرج لاستنقاذهم.

الأمر لا يُنظر فيه إلى العدد والدماء فحسب، بل يُنظر فيه للكرامة والعزة فهما المعيار الحقيقي، وأما إذا كان هؤلاء لا معيار لديهم إلا الأعداد والدنيا والبقاء فيها وما شابه ذلك من مسائل المادة البحتة فهذا يدل على أنه لا علاقة لهم بالعلم

فعجيب من هؤلاء كيف يتحدثون باستنكار وطعن بهذه المعركة العظيمة التي أفرج فيها حتى الآن بانتصاراتها الجزئية عن أكثر من مئة وخمسين من النساء والأطفال؟! والله إن الإنجاز بهذا الحد يستحق كل التضحيات – على عظمها – وآلامها ولكن الأمر لا يُنظر فيه إلى العدد والدماء فحسب، بل يُنظر فيه للكرامة والعزة فهما المعيار الحقيقي، وأما إذا كان هؤلاء لا معيار لديهم إلا الأعداد والدنيا والبقاء فيها وما شابه ذلك من مسائل المادة البحتة فهذا يدل على أنه لا علاقة لهم بالعلم.

سيدنا عمر رضي الله عنه يقول: لئن استنقذ رجلا واحدا من المسلمين أحب إلي من جزيرة العرب، وهذا هو معنى العزة والإباء، فالمسلمون ولو ضحوا بأنفسهم وأموالهم لا تطاوعهم نفوسهم ولا يستقر لهم قرار مادام هناك أسير أو أسيرة بأيدي الأعداء، هذا أولا.

وأما ثانيا: فمن قال إن ثمار هذه المعركة العظيمة هو الإفراج عن هؤلاء وحسب؟!

إن كل ثمرة من ثمار هذه المعركة تستحق كل التضحيات العظيمة التي ضُحي بها، والجود بالغالي والنفيس الذي جاد به أهل غزة، ومن تلك الثمار؛ تحطم أسطورة العدو وكسر هيبته وتمريغ كرامة جنده بالأرض وقطع دابره وإيقاع الرعب في قلبه وتجرئةُ المسلمين الذين زُرع في قلوبهم الوهن واقتنعوا أن هذا جيش لا يُقهر، فتجرئتهم على هذا العدو الخائر من الثمار العظيمة.

الإمام ابن خويز منداد -أحد علماء المالكية- يقول ولمحمد بن الحسن الشيباني قول مشابه "ولو اقتحم المسلم على أهل الحرب وهو يعلم أنه مقتول ولا يُنكي بهم ولكنه رأى أنه يُجرئ المسلمين عليهم كان فعله مشروعا" فقط لمجرد التجرئة يكون الاقتحام والتضحية بالنفس أمرا مشروعا، ولقد وقع ما هو أعظم من هذه التجرئة وسيقع أيضا في هذه المعركة – بإذن الله تعالى- من تبييض السجون من أيدي الغاصبين والإفراج عن أسرانا، حيث إن أكثر من عشرة آلف أسير في سجون المحتل وبعد أيام سيكونون أحرارا إن شاء الله تعالى بفضل الله أولا ثم بفضل هؤلاء المجاهدين الذين خاضوا معركة الشرف وهانت عليهم نفوسهم؛ إعلاء لكلمة الله وتقديرا لمعنى حرية المسلمين وعدم بقاءهم تحت سلطان الغاصبين، فأي غبي وجاهل ذاك الذي ينتقد ولا يفخم ولا يعظم مثل هذه المعركة التي تثمر كل هذه الثمار.

كثيرة هي الثمار التي أثمرتها هذه المعركة البطوليّة التي أظهرت وكشفت مُراد هؤلاء المجاهدين من صناعة سلاحهم ومراكمة قوتهم وإعداد عدّتهم

وإن من ثمار هذه المعركة أيضا أن نرى هذا العدو وهو يحسبُ ألف حساب للنيل من الأقصى المبارك، وهذه بحد ذاتها تستحق مثل هذه التضحيات العظام، فكيف وهي واحدة من ثمارها -بإذن الله تعالى- وسيراها العالم قريبا.

ثم كيف لا نعظم هذه المعركة وهي التي كشفت وفضحت المطبعين وجعلتهم يرجفون أمام مشروعهم الخائر ويترددون في مواصلته، وستجعل من يقدم على هذه الخطوة يُنظر إليه بعين الازدراء والاحتقار.

كثيرة هي الثمار التي أثمرتها هذه المعركة البطوليّة التي أظهرت وكشفت مُراد هؤلاء المجاهدين من صناعة سلاحهم ومراكمة قوتهم وإعداد عدّتهم، وكل ما ذكرناه إنما هو بعض ثمار هذه المعركة المباركة التي تستحق كل هذه التضحيات على عظمها وآلامها؛ فهنيئا لمن قضى في هذه المعركة، وهنيئا لمن أصيب، وهنيئا لمن دبر وخطط، ولمن جاهد وصبر وثبت، ولمن جاع وعطش وعانى في هذه المعركة المباركة، هنيئا لكل من وقف معها وكل من آزرها وكل من هتف لها صادقا مخلصا؛ هنيئا لأمتنا وشعبنا ولأهل غزة على وجه الخصوص بأن وفقهم الله سبحانه وتعالى لهذه المعركة المباركة، ويا خيبة ويا خزي ويا عار من خذلهم ومن تخلى عنهم ومن لفق واستصغر هذا الفعل العظيم من سوء معياره وتقديره أو سوء طويته وانتماءه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يقدر تمام النصر والتوفيق للمجاهدين ومن كان معهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.