شعار قسم مدونات

المبادرة.. من نور الفطرة

أطفال الكويت في المدارس عبروا عن تضامنهم مع أطفال "غزة" - وكالة الأنباء الكويتية
أطفال الكويت في المدارس عبروا عن تضامنهم مع أطفال "غزة" (وكالة الأنباء الكويتية)

يمكننا اليوم أن نرصد بوضوح تحركات النسبة الأكبر من شباب أمتنا للمساهمة بأي شكل من الأشكال في الحرب الواقعة في غزة ورفع الظلم والعدوان عن إخواننا العالقين تحت النار بشتى الوسائل الممكنة والمتاحة..

فمما يثلج الصدر تفاعل الشباب مع قضايا الأمة بحرارة بعد أن خلناهم جيلا لاهيا، يبحث عن الترفيه فقط. فنرى مبادرات وفعاليات واعتصامات هنا وهناك تثير المشهد وتترك أثرا عميقا في النفس بل في الرأي العام العالمي أيضاً؛ راجين دون كلل أن يصل الأثر إلى صناع القرار..

بل إن أكثر من يفاجئنا هم أولئك الأطفال الصغار، فترى طفلا صغيرا مازال يتعثر بكلامه يسأل والده باهتمام عن مصدر هذا المنتج وذاك، وآخر أكبر منه قليلا قد حفظ قائمة المحظورات من المنتجات فانخرط في عملية المقاطعة وبدأ بمحاسبة والديه وتتبعهم وتحرى ليصل إلى المنتجات المحلية.. واستنكر أيما استنكار تجاوز الكبار واستهلاكهم لمنتجات تدعم قتلة الأطفال، مغتصبي الديار.

الواقع أن قيمنا الإسلامية تجبلنا وتحضنا على التحلي بالمبادرة، فديننا يحثنا دوما على الحركة الفاعلة التي تقود إلى التغيير..

في نظرة تحليلية إلى سياق الأمور، نرى دافعا إنسانيا غريزيا، طبيعيا وعفويا إلى "المبادرة".

المبادرة لرفض الظلم، لرفعه ودحضه ما أمكن عن المظلومين..

لو أمعنّا في كلمة المبادرة في اللغة العربية، لوجدنا أنها تدل إلى معاني الحركة والسرعة والتبكير لتنفيذ أمر ما.. ولو نظرنا في عالم النبات لرأينا "البادرة" وهي النبات النامي الصغير من البذرة مشكلا بادئة تنمو نحو الأسفل لتكون جذرا وأخرى نحو الأعلى لتكون ساقا، فنتلمس منها معنى الفتوة والحركة والاندفاع.

الواقع أن قيمنا الإسلامية تجبلنا وتحضنا على التحلي بالمبادرة.. فديننا يحثنا دوما على الحركة الفاعلة التي تقود إلى التغيير

وقد ساقت لنا السنة النبوية أمثلة عديدة للتحلي بالمبادرة ففي حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) متفق عليه.  فكانت المبادرة لإزالة الأذى عن الطريق وحماية الآخرين من التعثر عملا من أبسط الأعمال التي يقوم بها المؤمن، فما بالك بأذى أعظم؟، وكأن المبادرة أمر بدهي فالمؤمن يملك الدافع دوما ويتحمل المسؤولية ليدرأ ويمنع الأذى من أن يصيب غيره..

بل إن لنا توجيها مباشرا بالتغيير من نبينا الكريم في الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم.

فجاء التحرك القلبي في درجات أضعف الإيمان، والأصل هو التحرك للتغيير والتصويب باليد ليصلح الحال ويستقيم.

نعم! تقاعسنا فيما مضى، وسكتنا عن كثير من صور الظلم التي تعرضنا أو تعرض لها إخواننا رغم وصية رسولنا الكريم بنصرة أخينا ظالما ومظلوما.. ولكن الوهن، والتمسك بالدنيا عظم في قلوبنا، حتى أصابنا خللٌ في الدوافع المحركة. فبتنا نخشى التناصح بيننا ونرفضه أشد الرفض، ونخشى مخالفة من بيدهم السلطة العليا خوفا من بطشهم وتهاونا بحقوقنا وإضاعة لها.

إلا أن الأصل أن نعود فنحيي ذاك الطفل المخلوق على الفطرة في دواخلنا ونحرره من قيوده.. فنتحرك لنبادر بتغيير واقعنا، ونعزز في أبنائنا تلك الروح العفوية الشجاعة.. كروح أبينا إبراهيم عليه السلام، إذ قام إلى أصنام قومه فحطمها ليطرق أسماع وأبصار قومه ويشعل فيهم روح السؤال عن الحق.

إذاً فأن تكون إنسانا مبادراً متفاعلا مع ما يدور من حولك مُتأثراً فمؤثراً فيه هو ليس بالخيار، بل هي سُنة جبلت عليها وواجب عليك أن يكون لك دور مع ما يجري ويدور حولك من أبسط الأمور كإماطة الأذى إلى أكثر المجريات تعقيدا.

جل ما ضربت لكم من أمثلة فيما سبق كان من وحي السنة والدين ولو استفضت لأتيت بالمزيد والمزيد، ولكني أريد أن ألفتكم الآن إلى موقع المبادرة في علوم الإدارة الغربية الحديثة.. حيث تصنف المبادرة بوصفها إحدى أهم مواصفات القائد، فدون ذلك الحس العالي على الحركة والمجازفة والأخذ بزمام المبادرات لا يمكن للمرء أن يصنف قائدا، فتحمل المسؤولية وامتلاك الدافع الذاتي المحرك، مكمن نجاح القائد المحرك.

اخرج من تلك البذرة فتيا قادرا على شق الظلمات من تحت التراب لترى النور المشرق من جديد..

إذاً فواجب ومسؤولية كل فرد فينا أن يكون إنساناً دائم الحركة، مبادرا في أي موقف أو ظرف وضع أمامه.. فيرفض الظلم سواء وقع عليه أم على غيره.. دائم التفكير فيما يغير حاله وحال من حوله إلى أحسن حال.. لا يقبل أن يقف مكتوف الأيدي بل هو دائم الفاعلية..

  • فكن فاعلاً ولا تكتفي بأن تكون منفعلا..
  • كن ثابتاً شجاعاً جريئاً على قدر من تحمل المسؤولية..
  • هذب نفسك ودربها على الإقدام وعلى رفض الخطأ بل تصحيحه إن أمكن.
  • بادر بالإصلاح والنصح..
  • بادر لشق طريق النهضة والتغيير..
  • بادر بكل ما أوتيت من قوة، من علم، من قدرة على العمل، على الاستنهاض، على التقويم.
  • اخرج من تلك البذرة فتيا قادرا على شق الظلمات من تحت التراب لترى النور المشرق من جديد..

ليس فقط نصرة للأقصى الغالي، بل نصرة لأمة آن لها أن تنهض وترسم خارطة مستقبلها من جديد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.