شعار قسم مدونات

فاستخفَّ قومه فأطاعوه

مستشفى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للأطراف الصناعية والتأهيل في شمال غزه- شركه سقا و خضري
مستشفى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للأطراف الصناعية والتأهيل في شمال غزه (الجزيرة)

الاستخفاف ليس مجرد سلوك فردي، بل هو نظام متكامل يتسم بتشويه الواقع وتحويله إلى أداة لخدمة أجندات محددة. يظهر الاستخفاف نفسه بأشكال متعددة، امتدادا من الترويج للأكاذيب وصولا إلى تشكيل طبائع مشوهة قابلة لاستيعاب الكذب والتقبل المبالغ فيه. يعبر هذا النظام عن نهج يتضمن تزوير الحقائق والتلاعب بالتاريخ، ومحاولة استحواذ على التعاريف، وتشكيل مفردات يمكن التلاعب بها، مما يؤدي إلى انحراف جوهر المعنى وتهميش قيمته.

ضرب الله لنا الأمثال قبلهم، فرعون جمع حوله السحرة وهامان والجند وسحر أعين أهل التمني ومثلهم يفعل بنو صهيون اليوم؛ جيش غفير واستطالة على الخلق، يحاكونه في استرهاب العقول والفخر باستحقاق متوهم.

في سياقنا الإقليمي اليوم، يتجلى الاستخفاف بشكل بارز في التعامل مع القضية الفلسطينية. فمن خلال استمرار الحرب ومظاهر الإبادة الجماعية على مرأى من العالم الغربي والعربي على حد سواء، الذي يشاهد في خمول نفسي وفكري مؤلم ينبثق من الاعتماد على الطغاة في اتخاذ القرارات ورفع المظالم. تظهر الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي بشكل واضح محورين رئيسيين في هذا النظام الاستخفافي.

يعززونه بترويج الكذب سواء بما يخص التاريخ والأحداث أو بخصوص الشعارات الزائفة لحقوق الإنسان والعدالة وتجريم القتل بشتى أشكاله، وتلقين هذه الأكاذيب بشكل دائم لتأسيس طبائع اجتماعية قابلة لاستيعاب الكذب وتبريره، وهم في الحقيقة ليسوا ملزمين بالتبرير ولا بنشر الباطل والأكاذيب للاستمرار في طغيانهم، ولكنهم ببساطة يريدون قلب منطق الحق، وأن يشركوا العالم أجمع في قراراتهم وجرائمهم، حتى يكون صمتنا علينا حجة وآية. والمؤسف أن هذا الخنوع أمام سياسة الاستخفاف بالعقول والقدرات وحتى تقبله يسير متسللا من مجال السياسة إلى نسيج المجتمع، حيث يمارسه الناس بينما يتوارثونه، "حتى تراه يترسخ في العقائد دينا للانقياد" كما وصفه ابن خلدون.

تمتد آثار هذا الاستخفاف من تفريغ المعنى من قيمته، إلى تسطيح الثقافة وإخوائها من المعلومات والحقائق، فيتم تشويه الحقيقة وتشويش الرؤية الحقيقية للأحداث. ويتسم بأسلوب الافراط في تأكيد السيطرة والقوة دون محاسبة، ما يخلق سحرا يغطي عيون الناس ويسترهبهم، ويجعلهم يتقبلون هذا الوضع باستخفاف بأنفسهم وبقدراتهم وإمكانياتهم، متقبلين عجزهم قدرا محتوما لا مفر منه.

ولقد ضرب الله لنا الأمثال قبلهم، فرعون جمع حوله السحرة وهامان والجند وسحر أعين أهل التمني ومثلهم يفعل بنو صهيون اليوم؛ جيش غفير واستطالة على الخلق، يحاكونه في استرهاب العقول والفخر باستحقاق متوهم. ونموذج قارون ليس عنهم ببعيد، ويستحق الالتفات أيضا، ذاك السفه وتلك العجرفة والادعاء، نموذج جمع بين البغي والقوة والمال لكن بنفوس خاوية.

حال الذين ظلموا أنفسهم في القرون الغابرة، أمثال فرعون وقارون وهامان وجندهم تستدعي التأمل في النهايات، كيف خسف النموذج وخسف معه المال والجاه والسلطة والاستبداد فكان نصر الله لعباده المصلحين..

في هذا السياق الحرج، يتم ذبح من يرفع راية الحقيقة بدم بارد، حتى يخشى الباقون الكلام ويتعامون عنه. يتسلل الاستخفاف إلى الأنظمة العربية سلاحا فعالا يعمل على إفقار المعنى وتجويف قيم القرارات العربية، حيث يسعى بعضهم إلى اعتناق البراغماتية دينا، بينما يتجه البعض الآخر نحو التطبيع مع الاستبداد، مجسدا إياه سنة كونية لا يمكن تحويلها -لا سمح الله-.

إلا أنهم في الوقت ذاته عالقون بين مطرقة هذه الأنظمة المستبدة وسندان صحوة الشارع العربي، الذي ما يزال قادرا على إدراك قيمة الكلمة، وحقيقة التاريخ وزيف الشعارات، متمسكا بهويته، ثابتا على مبادئه، يعي فقه تحريم الغصب وضرورة الالتزام الفردي والجماعي في مواجهة سلطة الباطل، وأنه ما كان الإجماع الشرعي على تحريم الصلاة في الأرض المغصوبة والنهي التام عن الصلاة في مسجد ضرار إلا صورة واضحة لمقاصد الاستخلاف ومقاطعة الزور والإتلاف.

ثم إن حال الذين ظلموا أنفسهم في القرون الغابرة، أمثال فرعون وقارون وهامان وجندهم تستدعي التأمل في النهايات، كيف خسف النموذج وخسف معه المال والجاه والسلطة والاستبداد فكان نصر الله لعباده المصلحين.. وما بين الظلم والتمكين تمحيص شديد للقلوب، فالله لا يأخذ الناس بالبأس حتى تأتيهم النذر، وهو ذا التدافع يكون وفقا للسنن الربانية، جولات حياتية ومعارك وانتصارات وهزائم وانعطافات، ومد وجزر، لا لترويج الباطل وطمس الحقائق والبغي في الأرض بغير وجه حق.

في المقابل، فإن استخفاف هذه الأنظمة المستبدة بالعالم المشاهد جعلهم يقعون في فخ الاستخفاف بقوة المقاومة الفلسطينية، وصمود الشعب وثباته، واستعداده للتضحية بآخر قطرة في دمائه في سبيل إعلاء كلمة الله؛ فكان جزاؤهم هزائم يتجرعونها تباعا، من أول يوم في معركة طوفان الأقصى حتى هذه اللحظة، حتى إذا انقلبوا على أعقابهم تساءلوا أين الجيش الذي كانوا به يتفاخرون، والإحكام الأمني الذي به يدعون والنصر الذي كانوا به يتوعدون؟!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.